تعقيدات خيار الشمال للنفط السعودي: حدود “سوميد” وقناة السويس

0

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 يوليو 2026مـ – 10 صفر 1448هـ

لم ينتقل اليمن حتى اللحظة إلى مرحلة استهداف سفن شحن النفط السعودي شمال البحر الأحمر، رغم أن بيان قواتنا المسلحة أشار إلى شمولية الحظر البحري على موانئ العدو السعودي. مع ذلك يحاول الأخير توظيف الخط البديل شمالاً في الوقت الراهن، فانتقل الخيار إلى خط سوميد وقناة السويس بعد أن أغلقت اليمن مسار “البحر الأحمر- باب المندب “على سفن النفط السعودي، ضمن معادلة “الحصار بالحصار”.

أمام هذا الخيار الوحيد للعدو السعودي في نقل نفطه عبر السويس، هناك ما يجعل هذا الخيار شاقًا ومكلفًا للنفط السعودي، فهذا الخط وقبل كل شيء هو بالأساس مخصص لحصص النقل التي تذهب إلى أوروبا، بينما النسبة الأكبر من النفط الذي يمر عبر البحر الأحمر يذهب للأسواق الأسيوية كالصين والهند وكوريا الجنوبية.

وإذا نظرنا للتأثير الهيكلي للحظر الملاحي الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على الموانئ السعودية عبر البحر الأحمر يمتد ليطال الهندسة اللوجستية لنقل النفط السعودي، متجاوزاً في هذه المرحلة فكرة الاستهداف اليمني المباشر للبنية التحتية للموانئ إلى شل القدرة التشغيلية لخطوط إبحار السفن عبر باب المندب.

ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى قناة السويس وخط أنابيب سوميد كمنفذين حيويين للتغلب جزئيًا على هذا الحظر، تكشف المقومات الفنية والقدرات الاستيعابية للممرين المصريين محدودية تجعل منهما مساراً جزئياً لا يملك القدرة على تعويض الحظر الملاحي الذي يهدد استقرار 4,000,000 برميل يومياً كحد أدنى تُنقل عبر خط الأنابيب السعودي “شرق-غرب” باتجاه ينبع، وتمر عبر باب المندب.

عوائق ممر الشمال

تكمن العقبة الأولى في الصدام المباشر بين الأبعاد الهندسية لقناة السويس وطبيعة الأسطول النفطي الذي يعتمد عليه العدو السعودي؛ إذ تُشحن ما نسبته 75% من الصادرات النفطية السعودية المتجهة للأسواق الآسيوية خاصة عبر ناقلات عملاقة من فئةVLCC التي تتراوح حمولتها الساكنة بين 200,000 إلى 320,000 طن متري وتتسع لشحن 2,000,000 برميل من النفط الخام في الرحلة الواحدة. وهو ما يتجاوز الحد الأقصى المسموح به لعمق قناة السويس 20.1 متراً تقريباً، ما يجعل عبور تلك الناقلات وهي بكامل حمولتها مستحيلاً لتجنب خطر الجنوح في قاع القناة.

ولكي تتغلب سفن النفط العملاقة على هذا العائق الهندسي، تفرض المنظومة الملاحية آلية معقدة تُعرف بالتفريغ والعبور ثم إعادة الشحن، وتتطلب تفريغ الناقلة العملاقة لما يقارب نصف حمولتها، أي 1,000,000 برميل، في محطة عين السخنة عند مصب “خط سوميد” غرب قناة السويس، ليتم ضخها عبر الأنابيب الممتدة بطول 320 كيلومتراً إلى ميناء سيدي كرير شمالاً على البحر المتوسط، في حين تعبر الناقلة القناة وهي خفيفة الوزن لتستعيد حمولتها المفرغة من الطرف الآخر بعد رحلة تستغرق ساعات طويلة.

الكلفة المالية والزمنية لبدائل النقل

هذه العملية، وإن كانت ممكنة تشغيلياً، إلا أنها تُحمل الشحنات النفطية أعباءً زمنية ومالية ثقيلة؛ حيث تستغرق العملية الإجمالية ما بين 36 إلى 60 ساعة إضافية، تتوزع بين ساعات التفريغ في العين السخنة، وقرابة 24 ساعة لضخ الخام عبر خط سوميد، و12 – 18 ساعة أخرى لإعادة التحميل في سيدي كرير، إضافة إلى 11 – 16 ساعة هي زمن عبور القناة نفسها، يُضاف إلى وقت الضخ ما بين 6 إلى 12 ساعة لإنهاء مناورات الدخول والربط بالعوامات البحرية، توصيل خراطيم الشحن الفلكسبل، واختبارات الجودة والسلامة قبل الضخ، بالإضافة إلى عمليات الفصل بعد الانتهاء وتدقيق الأوراق الإدارية للشحنة.

أما على الصعيد المالي، فإن هذه العملية ترفع تكلفة البرميل المنقول بنحو “0.60 – 1.20″ دولار كرسوم استخدام لـ”خط سوميد”. يضاف إليها مئات الآلاف من الدولارات “تصل إلى حوالى مليون دولار” كرسوم عبور لقناة السويس، فضلاً عن غرامات أي تأخير للسفن وتوقف في الموانئ تتراوح بين 30,000 إلى 50,000 دولار يومياً للناقلة الواحدة. وعند حساب هذه التكاليف التراكمية، نجد أنها ترفع تكلفة نقل الشحنة الواحدة المكونة من 2,000,000 برميل بمقدار يتجاوز 2,500,000 مقارنة بالعبور المباشر السلس في باب المندب.

وقد أشارت رويترز إلى أن إعادة توجيه شحنات النفط المنطلقة من ميناء ينبع عبر رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المسار المعتاد تضيف نحو 10 آلاف ميل بحري إلى الرحلة، بما يعادل نحو 34 يوما لإبحار، ويزيد كلفة الشحن بأكثر من 5 ملايين دولار من دون احتساب رسوم القناة وتكاليف الوقود أو علاوات التأمين ومخاطر الحرب،وهذا ما ينطبق مع بيانات “كبلر”.

محدودية السعة والأثر الاقتصادي

علاوة على التكلفة والتعقيد الزمني، تظهر “محدودية السعة” كعائق إضافي يحول دون اعتماد السويس وسوميد كبديل شامل؛ فالسعة التشغيلية القصوى لخط أنابيب سوميد تبلغ 2,500,000 برميل يومياً، وهي طاقة تستغلها بالفعل دول عدة مثل مصر والإمارات ودول خليجية أخرى، ولا يمكن تخصيصها كلياً لنقل النفط السعودي الموجه شمالاً.

وبناءً على بيانات شركة كبلر المتخصصة ​في تحليلات السلع والشحن فهناك انخفاض في شحنات النفط الخام من ميناء ​سيدي كرير_⁠وهي ليستجميعهامنالنفطالخامالسعودي_هذاالعامإلىمتوسطيبلغحوالي427ألفبرميليوميًا،مقارنةمع735ألفاالعامالماضي، وهو ما يضغط بشكل مباشر ومتصاعد على مؤشرات التجارة العالمية والأسواق السعودية.

والمشكلة الأساس في شحنات السعودية أن غالبية صادراتها النفطية باتت في السنوات الأخيرة تتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند، وليس إلى أوروبا التي يخدمها خط “سوميد”.فمايتجه من النفط السعودي إلى السوق الأوروبية يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا، مقابل نحو 3 ملايين برميل إلى آسيا. وهذاالاضطراب متوسط وبعيد الأجل سيترك أثره على اقتصاد وأسواق مملكة آل سعود، هذا بعيدًا عن حديثنا عن إمكانية استهداف اليمن لخطوط النقل النفطية والمصافي وخزانات آرامكو، وقائمة طويلة جدًا ستقود إلى ما يفوق توقع مملكة “بن سلمان”.