من الحديث عن المخاطر إلى الامتثال للقرارات.. اليمن يدير الملاحة السعودية وسياسات الشركات الدولية

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 يوليو 2026مـ – 10 صفر 1448هـ

تقريــر || نوح جلّاس

تحوّلت قرارات القوات المسلحة اليمنية المتعلقة بفرض الحظر البحري على السعودية، إلى واقع عملياتي يفرض مجرياته على الملاحة المرتبطة بالرياض، وتُعيد على أساسه شركات الشحن والتأمين العالمية رسم خرائط الحركة البحرية في البحر الأحمر.

العملية النوعية التي استهدفت الناقلتين السعوديتين “إنسيليا” و”ليلى” دشنت مرحلة جديدة في سلوك قطاع النقل البحري العالمي، حيث انتقل التعامل مع القرارات اليمنية من مستوى التحذير والدعوة إلى توخي الحذر إلى مستوى الامتثال العملي وإعادة صياغة سياسات التأمين والشحن وفقًا للمعادلات التي تفرضها القوات المسلحة اليمنية.

وبات واضحًا أن المشهد البحري في البحر الأحمر بات يُدار وفق محددات تفرضها القوات المسلحة اليمنية، التي استطاعت تحويل قدرتها العسكرية إلى معادلة اقتصادية وتجارية تؤثر مباشرة في حركة الملاحة وأسواق التأمين والنقل البحري بالنسبة للسعودية، وذلك ردًا على عدوانها وحصارها بحق الشعب اليمني لنحو 12 عامًا.

الانتقال من “التحذير” إلى “وقف التعامل”:

خلال المراحل الأولى من بيان القوات المسلحة الذي أعلن بدء الحظر البحري على السعودية، كانت غالبية شركات الملاحة تكتفي بإصدار تحذيرات لسفنها، أو تنصح بتوخي الحذر أثناء المرور في البحر الأحمر، مع الإبقاء على نشاطها البحري بعيدًا عن المسارات “التي كانت تصفها بالخطيرة” اعتمادًا على الوجود العسكري الأمريكي والغربي في المنطقة.

أما اليوم، فقد تجاوزت الشركات هذه المرحلة بالكامل، وانتقلت إلى إجراءات أكثر صرامة، تمثلت في وقف أو تقييد التعامل مع السفن المرتبطة بالسعودية، وهو تحول يكشف قناعة متزايدة بأن قرارات القوات المسلحة اليمنية أصبحت حقائق تُطبق في الميدان يجب البناء عليها، ولم تعد احتمالات يمكن المجازفة بها.

وتؤكد الأخبار والتصريحات التي نشرتها صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية أن كبرى شركات تأمين الشحن البحري بدأت بالفعل تقييد تغطية مخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالسعودية في البحر الأحمر، فيما أبلغت شركات التأمين العاملة في سوق “لويدز أوف لندن” الوسطاء باستبعاد السفن ذات الصلة بالسعودية من التغطية التأمينية.

ولفتت الصحيفة إلى أن شركتَي “أسكوت” و”نافيوم” تستعدان لإلغاء وثائق التأمين الخاصة بعدد من السفن المرتبطة بالسعودية، بينما بات المكتتبون في سوق التأمين يتعاملون بحذر شديد مع أي سفينة لها ارتباط بالموانئ السعودية أو التجارة السعودية.

اليمن يدير إيقاع الملاحة السعودية:

والأكثر دلالة أن وسطاء التأمين أكدوا للصحيفة أن إعادة توفير التغطية التأمينية بصورة واسعة لن تكون ممكنة إلا بعد توقف الحظر اليمني، وهو اعتراف عملي بأن مفتاح عودة النشاط البحري السعودي بات في صنعاء، بعيدًا عن حسابات الرياض وواشنطن.

وتكشف هذه التطورات أن القوات المسلحة اليمنية وعملياتها وقراراتها، باتت تتحكم فعليًا في إيقاع الملاحة البحرية السعودية، فشركات الملاحة صارت تغض الطرف عن عدد القطع البحرية الأمريكية المنتشرة في البحر الأحمر، وأصبحت تسأل أولًا: هل يشمل الحظر اليمني هذه السفينة؟ وهل تدخل ضمن الأهداف التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية؟

هذا التحول يعني أن قرار الإبحار أو التوقف صار يرتبط مباشرة بقرارات اليمن، وأن الحركة التجارية أصبحت تعيد حساباتها وفق المعايير التي تضعها القوات المسلحة اليمنية.

وبذلك، انتقلت إدارة المخاطر البحرية من غرف العمليات الأمريكية إلى غرف إدارة المخاطر في شركات التأمين والشحن، التي تبني قراراتها على تقديرها لقدرة اليمن على تنفيذ ما يعلنه.

انعكاسات مباشرة على التجارة السعودية والسمعة الأمريكية:

وفي سياق متصل، يُعد سلوك شركات التأمين أحد أكثر المؤشرات دقة في تقييم المخاطر، لأنها تبني قراراتها على احتمالات الخسائر الفعلية، لا على المواقف السياسية.

ولو كانت هذه الشركات ترى أن الولايات المتحدة قادرة على حماية السفن المرتبطة بالسعودية، لما سارعت إلى تقييد التغطية أو إلغائها، ولما رفعت مستوى المخاطر إلى هذا الحد.

لكن الإجراءات الأخيرة تكشف بوضوح أن الأسواق البحرية الدولية لم تعد تثق بقدرة الوجود العسكري الأمريكي على ضمان أمن الملاحة السعودية، وأن السفن المرتبطة بالموانئ السعودية أصبحت تُصنف كأهدافٍ ذات مخاطر مؤكدة مهما كانت طبيعة الحماية العسكرية المعلنة.

وهذا يمثل تحولًا استراتيجيًا في ميزان الردع، حيث إن فقدان الثقة بالحماية الأمريكية أو القدرة السعودية على تجاوز المعادلة، أخطر من أي خسارة مادية مباشرة، لأنه ينعكس فورًا على قرارات المستثمرين وشركات النقل وأسواق التأمين.

ومع تصاعد القيود التأمينية وارتفاع تكلفة المخاطر نتيجة ما يفرضه اليمن، تتجه الموانئ السعودية على البحر الأحمر إلى مواجهة ضغوط متزايدة نتيجة تراجع الإقبال على استقبال السفن أو التردد في التوجه إليها، فضلاً عن تكدس عشرات الناقلات في الموانئ السعودية والذي يشير بدوره إلى أن أوامر إبحارها وتحركها نحو وجهتها بات مرهونًا بما توجهه القوات المسلحة اليمنية.

وبالعودة للسياق ذاته، فإن كل تأخير في حركة السفن، أو ارتفاع في أقساط التأمين، أو عزوف بعض الشركات عن تشغيل خطوطها البحرية، يعني عمليًا تكدسًا في الموانئ وتباطؤًا في حركة التجارة، وهو ما يرفع الكلفة الاقتصادية على السعودية ويؤثر في سلاسل الإمداد المرتبطة بها.

وبهذه التطورات، يتأكد للجميع أن الضربة التي استهدفت الناقلتين “إنسيليا” و”ليلى” دفعت المؤسسات الدولية إلى إعادة تقييم كامل لواقع الملاحة في البحر الأحمر، وإعادة رسم سياساتها وفق قدرة اليمن على تنفيذ تهديداته.

ومن هنا، يمكن القول إن القوات المسلحة اليمنية تجاوزت فرض معادلة ردع عسكرية إلى فرض معادلة إدارة للمشهد البحري السعودي والدولي، تتحرك على أساسها شركات الملاحة والتأمين والأسواق الدولية.

كما أن التحول من الاكتفاء بالتحذير إلى وقف التغطية التأمينية ووقف حركة السفن المتكدسة في الموانئ السعودية، وربط عودة التأمين بانتهاء الحظر اليمني، جميعها شواهد تمثل اعترافًا عمليًا بأن اليمن بات يمتلك القدرة على فرض قراراته، وأن المجتمع البحري الدولي بدأ يتعامل معها كواقع لا يمكن تجاهله.

وفي المقابل، يكشف هذا التحول تراجع الثقة بقدرة الولايات المتحدة على تأمين الملاحة السعودية، ويؤكد أن معادلة الردع اليمنية تجاوزت حدود العمل العسكري، لتصبح معادلة تتحكم في قرارات الاقتصاد البحري السعودي والعالمي ومسارات التجارة في أحد أهم الممرات المائية.