الخطوة اليمنية التي تأخرت.. تأييد جماهيري غير مسبوق ودوافع إنسانية بحتة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
21 يوليو 2026مـ – 7 صفر 1448هـ

تقرير || يحيى الشامي

من المؤكد -خاصة لمن يتابع المشهد اليمني- أن خروج الجمعة الأخيرة كان استثنائيا بضخامته وغير مسبوق بحيثيته ومحقا في مطالبه، وكان واضحا أن خطوات عسكرية كبيرة ستتخذها القوات المسلحة اليمنية، ما نقل فعلياً الملف من طاولة المفاوضين إلى يد المقاتلين بعد سنوات من الانتظار والمراوحة والمماطلة السعودية. واليوم -بعد بيان السادس من صفر- آن لملوك السعودية أن يتحملوا عواقب التذاكي والاستهتار بحقوق اليمنيين الأساسية والإنسانية، والتي هي مسلمات وحقوق معيشية لا يجب أساسا التفاوض عليها أو تحويلها لورقة سياسية كما فعلت السعودية بدفع أمريكي وصهيوني كبير.

ماذا بعد بيان القوات المسلّحة اليمنية
أبرز تطورات البيان اليمني ليس نجاحه فعليا في كسر حالة الجمود التي عول عليها العدو السعودي وحسب، فقد بدأت مفاعيل القرار فورياً من لحظة إعلانه وسريانه ودخوله مرحلة التنفيذ، لكن صحفاً ومواقع غربية كانت قد رصدت مؤشرات سابقة لصدور القرار ذاته والتي سبقت حتى البيان ذاته.

يوم الاثنين قفزت علاوات التأمين على شحن البضائع عبر البحر الأحمر بشكل حاد، لتسجل نحو 0.75 بالمئة من قيمة السفينة مقارنة بـ0.3 بالمئة فقط يوم الجمعة الماضي، وذلك بعد ساعات من إعلان القوات المسلحة فرض حظر ملاحي على السعودية بأثر فوري، وهو تصعيد يضيف مئات الآلاف من الدولارات على تكاليف الرحلة الواحدة التي تستغرق سبعة أيام، ولا يمثل مجرد هزة في سوق التأمين البحري بقدر ما سيؤسس لتحول استراتيجي في المشهد الإقليمي كفيلٍ بإيقاف المظلومية اليمنية ورفع الحصار عن اليمن، كما أنها تمثل نقطة حاسمة ومفصلية لنقل المعركة من ملف “خفض التصعيد” إلى “أصل المشكلة” التي هي نهاء الوصاية السعودية على اليمن.

لِمَ يصعب على السعودي التعامل مع الملف اليمني؟!
تكمن العقدة الجوهرية -التي حولت طاولة مفاوضات مسقط إلى مجرد ذكرى- في الخلاف حول توصيف الصراع ذاته، فبينما تصر الرياض على تقديم نفسها كـ”وسيط وراعٍ للحوار” بين صنعاء وعدن، تؤكد الوقائع السياسية والعسكرية أنها (الرياض) الطرف المباشر في الحرب، فمنذ أول غارة جوية في مارس 2015 قادت السعودية العمليات العسكرية، وفرضت حصاراً بحرياً وجوياً خانقاً، وتحكمت في المسار السياسي عبر الوصاية على ما يسمى “مجلس القيادة الرئاسي” المقيم في فنادقها، ورعت ودعمت وسهلت وموّلت كافة أشكال الحرب والتصعيد ضد اليمنيين، ومسؤولة -وفق القانون الدولي والتقارير الحقوقية والإنسانية الدولية المختلفة، كذلك وفق اقرارات المملكة نفسها- عن مئات المجازر والمذابح التي خلفها العدوان الأمريكي السعودي على اليمن خلال ثمان سنوات من العدوان، بالإضافة إلى الحصار الذي تَواصلَ منذ ذلك الحين وحتى اللحظة.

هذا التناقض الصارخ بين الرواية السعودية والواقع الميداني لم يعد مقبولاً في حسابات صنعاء، ففي الوقت الذي تتعامل فيه الرياض مع استحقاقات السلام –كرفع الحصار عن المطارات والموانئ، ودفع رواتب الموظفين من عائدات النفط، ومعالجة الملف الإنساني – على أنها “منح ملكية” قابلة للمراجعة في الديوان الملكي، يصر اليمنيون على أنها “التزامات واجبة على طرف خاض الحرب”، وهنا يتجلى مأزق الطرف الذي يريد الاحتفاظ بثمار الحرب والنفوذ داخل اليمن، مع التنصل الكامل من فاتورة الكارثة الإنسانية التي خلفها وتسبب فيها.

“الحصار بالحصار” منطق جديد لمرحلة مختلفة
الإعلان عن فرض الحظر الملاحي على السعودية هو تتويج لمسار تصعيدي يتبنى منطقاً مختلفاً تماماً عن مرحلة “خفض التصعيد” التي استمرت من 2022 حتى 2026. خلال تلك السنوات استخدمت الرياض المفاوضات لامتصاص الضغط وتمديد الوقت، وجمّدت تنفيذ خارطة الطريق التي وافقت عليها بعد هدنة أبريل 2023، مراهنةً على أن المواجهة الأمريكية-الإيرانية المتجددة وقبلها حرب الطوفان قد تغير موازين القوى لصالحها، وتعفيها من تقديم الاستحقاقات. لكن رسالة صنعاء بدت أكثر وضوحا وتشبثا بحقوق اليمن، فالتهدئة الأحادية الجانب لم تعد متاحة، فحتى رفع القيود الجوية الجزئية عن مطار صنعاء لن يكون كافياً لإيقاف معادلة “الحصار بالحصار”، لأن المشكلة لم تعد مجرد انسداد دبلوماسي بشأن ترتيبات محدودة، بل هي مشكلة وجودية تتعلق بإنهاء “الوصاية” السعودية التي تتداخل مع كل مفاصل الحياة اليمنية، من التحكم في الثروات والجزر والموانئ، إلى تشكيل قوات عسكرية موازية خارج إطار وزارة الدفاع التابعة للعليمي.

مطالب يمنية أم إيرانية؟ تفنيد الرواية المقابلة
في مواجهة هذا التصعيد، تسارع الآلة الإعلامية الموالية للرياض إلى تجيير المطالب اليمنية المشروعة باعتبارها “أجندة إيرانية. يفند عضو مجلس السياسي لأنصار الله محمد الفرح هذه السردية بإثارة التساؤلات التالية وبمنتهى الوضوح: هل فك الحصار ورفع العدوان وفتح المطارات والموانئ مطلب يمني أم إيراني؟ هل الإفراج عن الأسرى والكشف عن المفقودين وتعويض المتضررين مطلب يمني أم إيراني؟ وهل صرف رواتب الموظفين اليمنيين من عائدات النفط والغاز المسروقة، واستعادة الثروات الوطنية، وإنهاء وجود القوات الأجنبية على الأراضي اليمنية هي مطالب تعجيزية، أم أنها حقوق طبيعية لأي شعب ينشد استقلاله؟

كما أن محاولة إضفاء طابع إقليمي على هذه الحقوق الوطنية لا تعدو كونها استهتاراً بمظلومية الشعب اليمني، وتكشف عن النية المبيتة لتحويل اليمن إلى ساحة صراع داخلي تخدم تكريس الهيمنة السعودية التي تعمل في حقل المشروع الصهيوني وخدمة لأجنداته، لكن الحقيقة التي تثبتها الأيام والمنعطفات الحادة التي جرت في السنوات السابقة وصولا إلى هذه اللحظة هي أن النظام السعودي، بالإضافة لكونه أداة أمريكية، لم يستوعب -بعدُ- الواقع الجديد في اليمن، فهو على مدى عقود تعامل مع اليمن كملف يمكن التلاعب به، ولم يسبق له أن تصور اليمن نداً له، ولهذا، كان لا بد من خطوات عملية تجعله يستوعب هذا الواقع.

مخاطر أكبر من قدرة السعودية على تحملها
حذرت شركة “أمبري” البريطانية للأمن البحري أمس من أن السفن التي ترفع علم السعودية أو مملوكة لها أو متجهة إلى موانئها المطلة على البحر الأحمر باتت معرضة لخطر مرتفع، محذرة من وقوع استهدافات لسفن مرتبطة بالموانئ أو الشركات السعودية، كما حدث -وفق الشركة البريطانية- في اشتباكات 2024، فإن مجرد التهديد يكفي لشل حركة الملاحة، والإغلاق الكامل لمضيق باب المندب، البوابة الجنوبية الحيوية، لن يمنع فقط تصدير النفط السعودي إلى آسيا، بل قد يقلص إمدادات النفط العالمية بنسبة 07%، في وقت تزيد فيه أرامكو من اعتمادها على ميناء ينبع هرباً من توترات الخليج.

انعكاسات أخرى للواقع الجديد تتجلى بوضوح في تحذير الحكومة الاسترالية لرعاياها من السفر إلى مطار أبها الدولي، بعد الضربات العسكرية الأخيرة التي طالت منشآت سعودية. رسالة كانبيرا نصحت بتجنب القواعد العسكرية ومنشآت الطاقة، والاحتماء فور وقوع الضربات. ومن المتوقع في الساعات القادمة أن تتسع قائمة الشركات والجهات الدولية المنسحبة أو المعلقة لعملها في أراضي السعودية، وهو شكل من ضروب اعتراف دولي صريح بأن الأراضي السعودية لم تعد بمنأى عن تداعيات حرب فُرضت على اليمن لسنوات.

على هذا النحو المفصلي تجري الأمور وفق تداعيات وآثار القرار اليمني الحاسم
كما أن المسار الجديد الذي أطلقته القيادة اليمنية يتعامل مع أصل المشكلة (الوصاية)، وهو بذلك يرفع سقف المواجهة من مستوى التفاوض حول تدابير جزئية إلى مستوى فرض معادلة “الحصار بالحصار” حتى تدرك الرياض أن زمن التلاعب بالملف اليمني قد ولى إلى غير رجعة؛ فإما اعتراف كامل بالمسؤولية وإنهاء التدخل، وإما استمرار التصعيد الذي قد يبتلع ما تبقى من استقرار هش في المنطقة، وكله على طريق نيل اليمنيين حقوقهم الأساسية التي لا تنازل عنها أو حتى تفاوض يؤدي إلى الانتقاص منها.
المصدر: “موقع أنصار الله”