استراتيجية الملحمة والردع.. القيادة الإيرانية ترسم خطوط المواجهة بعد “سيّد إيران الشّهيد”

4

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
18 يوليو 2026مـ – 4 صفر 1448هـ

أعلنت الجمهورية الإسلامية في إيران للعالم، الصديق منه والعدو، أن رحيل قادتها الكبار لا يزيد البنيان إلا تماسكًا، ولا يزيد خياراتها إلا صلابة، وجاء البيان الصادر عن قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، ليقرأ بدقة بالغة ما بين سطور التحولات الإقليمية والدولية.

بيان السيد مجتبى الخامنئي، مساء اليوم السبت، لم يكن مجرد رثاء لـ “سيد إيران الشهيد”، بقدر ما اُعتبر بيانًا عسكريًا وسياسيًا متكامل يرسم ملامح مرحلةٍ جديدة من الردع الشامل في مواجهة غطرسة “الشيطان الأكبر” الأمريكي، مكرسًا التلاحم الشعبي كصمام أمان لا يقبل الاختراق، وموجهًا بوصلة الأمة نحو الخيار الوحيد المضمون المتمثل بالثبات المطلق وهزيمة المشروع الاستعماري.

وتكشف المعطيات الراهنة أن نبض الحشود المليونية التي امتدت إلى عشرات الكيلومترات في العواصم والمدن الكبرى كطهران وقم ومشهد؛ هذه الملحمة الإنسانية والسياسية التي جاءت تعبيرًا عن الوفاء والعرفان لإمام الأمة الشهيد، كانت أيضًا تحول استراتيجي إلى استفتاء دموي متجدّد على شرعية النظام الثوري وخياراته المصيرية، وشكّلت تلك اللوحات المليونية الصادمة رسالة رعب حقيقية ألقيت في قلوب المستكبرين، مظهرةً أن عمق إيران الاستراتيجي يبدأ من قلب كل مواطن إيراني، وهو ما أصاب الدوائر الصهيونية بالدهشة والذعر، بعد أن راهنت طويلاً وفاشلت على إمكانية إحداث شرخ بين القيادة والقاعدة الشعبية.

في المقابل، وبنفس الدرجة من الحسم، يعيد البيان تفكيك السلوك الأمريكي المعهود، موضحًا نكث واشنطن المتكرر لعهودها إزاء مذكرة التفاهم الموقعة بين رئيسي البلدين لتقديم إثبات قطعي جديد على تفاهة التوقيع الأمريكي وافتقاره الكامل للمصداقية، وهذا التشخيص الدقيق يخدم المصلحة الإيرانية العليا عبر قطع الطريق نهائيًا على أيّ أوهام دبلوماسية قد يراهن عليها البعض، مؤكّدًا أن الوحشية والغطرسة أجزاء بنيوية لا تنفصل عن النهج الأمريكي الصهيوني الإجرامي.

وحينما يسعى العدو اليوم إلى إشعال فتيل الحرب وتحمل أثمان باهظة ومزيد من الخزي؛ فإن القيادة الإيرانية تبعث برسالة ردع واضحة ومباشرة: إن “جبهة المقاومة وشجاعة مجاهدي الإسلام وغيرة أبناء منطقة الجنوب الشجعان قد أظهرت بالفعل نماذج وعينات مصغرة مما ينتظر المعتدين من دروس لا تُنسى”، في تأكيدٍ علني على جهوزية المحور الشاملة لخوض غمار المواجهة وفرض معادلات القوة.

أمّا على الصعيد الداخلي، وهو الجبهة الأهم لحماية هذه المنجزات، فقد وضع البيان الإصبع على الجرح بحكمة بالغة؛ فاعتبر أن “وحدة الكلمة والاتحاد المقدس” بين كافة مستويات الشعب والمسؤولين هي الواجب الأكثر مبدئية والشرط الأساسي لصون عزّة إيران واستقلالها.

ولم يغفل بيان قائد الثورة الإسلامية بصيرته في التعامل مع الأصوات المنتقدة أو الحريصة من داخل البيت الإيراني؛ بل احتواها بذكاء عبر تقييم غيرة أصحاب البصيرة واعتبار حرصهم رصيدًا قيمًا ونقطة قوة، محذّرًا في الوقت ذاته بيقظة تامة من أن تتحول هذه الانتقادات إلى ظلم للأبرياء أو مساس باللحمة الاجتماعية.

هذه الموازنة الدقيقة تسحب البساط تمامًا من تحت أقدام المتربصين بالداخل الإيراني، وتغلق النوافذ أمام أيّة محاولةٍ من العدو لالتقاط مؤشرات ضعف أو خلافات سياسية، واضعةً الجميع أمام مسؤولية تاريخية تتلخص في أن صون الوحدة وتجنب الفرقة هو الطريق الحتمي والوحيد الذي لن يكون أمام العدو في نهايته سوى الهزيمة النكراء.

ويرى مراقبون أن هذا البيان التاريخي الشامل، الذي اختتم بتقدير وشكر مراجع التقليد والعلماء والنخب العسكرية والمدنية، وبمباركة ومشاركة قادة جبهة المقاومة الشامخة والحركات الإسلامية، يؤسس لمرحلة إيرانية عنوانها التلاحم واليقظة في الميدان خلف السلطات الثلاث المخلصة.

وبهذه الرؤية الثاقبة، تتحول دماء الشهداء إلى وقود متجدّد يعزز مكانة جمهورية إيران الإسلامية كقلعةٍ حصينة وقطب إقليمي لا يمكن تجاوزه، محاطة بعناية إلهية، تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق تطلعاتها السامية، كاسرةً غطرسة الأعداء وصانعةً لعجائب النصر والتمكين.