إيران في وداع قائد الأمة.. تشييع مهيب وبركان غضب

2

ذمــار نـيـوز || تقارير ||

7 يوليو 2026مـ – 22 محرم 1448هـ

تقرير || وليد فاضل

في لحظة تاريخية فارقة ستبقى محفورة في ذاكرة المنطقة والعالم، غصّت العاصمة الإيرانية طهران وشوارعها الرئيسية بطوفان بشري غير مسبوق، حيث تلاحمت الملايين في مشهد جنائزي مهيب لتشييع جثمان القائد الأعلى للثورة الإسلامية، الإمام السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه).

ومع انطلاق هذه المراسم التي دمجت بين الغضب العارم والحزن العميق، تحولت ميادين العاصمة إلى ساحة كبرى لتجديد العهد والمقاومة، وسط حضور وفود دولية رفيعة المستوى وقادة حركات المقاومة من مختلف الساحات، في مشهد يجسّد مكانة الراحل الكبيرة وتأثيره الممتد لعقود في رسم سياسات المنطقة ومواجهة الهيمنة الدولية.

طوفان بشري يملأ ساحات طهران
وتدفقت الحشود المليونية من مختلف المحافظات الإيرانية منذ أيام نحو ساحة انقلاب وجامعة طهران ومصلى الإمام الخميني، حيث غصت الشوارع المحيطة والشرايين الرئيسية للعاصمة بالبشر حتى ضاقت بها السبل، في مشهد وصفته وسائل الإعلام العالمية مثل “سي إن إن” الأمريكية” بأنه يذكر بتشييع مؤسس الجمهورية الإيرانية الإمام الخميني عام 1989 وتشييع القائد قاسم سليماني عام 2020.

واتشحت الشوارع بالسواد ورفعت الرايات الحمراء التي ترمز إلى “طلب الثأر” ودماء الشهداء، وحمل المشيعون صور الإمام الراحل إلى جانب لافتات تؤكد السير على نهجه ومواصلة خيار المقاومة.

ولم تقتصر المشاركة على النخبة السياسية والعسكرية، وإنما شكلت العائلات والشباب وطلبة الحوزات والجامعات الأغلبية الساحقة من هذا الطوفان البشري، الذي سار لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس لتقديم نظرة الوداع الأخيرة على جثمان القائد الذي قاد البلاد لأكثر من ثلاثة عقود في أحلك الظروف السياسية والعسكرية.

وتأتي هذه الجنازة والمراسم الممتدة لعدة أيام لتؤكد رسالة التماسك الداخلي عقب أشهر من الصراع والتوتر الإقليمي العسكري والسياسي الذي أعقب ليلة الثامن والعشرين من فبراير.

وعلى الرغم من طول الفترة التي تطلبتها الترتيبات الأمنية والسياسية في ظل الحرب، جاء الحشد الجماهيري ليرد عملياً على كل الرهانات الخارجية التي رأت في غياب القائد فرصة لإضعاف الدولة.

وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، شهدت المراسم حضوراً دبلوماسياً رفيع المستوى من أكثر من 100 دولة؛ حيث وصلت إلى مطار مهرآباد في طهران وفود رسمية تمثل قادة ورؤساء حكومات ومبعوثين خاصين من دول (مثل العراق، وتركيا، وأرمينيا، وطاجيكستان، وعُمان، وغيرها)، بالإضافة إلى القيادات العليا لمحور المقاومة في لبنان، واليمن، وفلسطين، والعراق، وقد أثبت الحضور الواسع أن الإمام الخامنئي لم يكن مجرد قائد محلي لإيران، بقدر ما كان الأب الروحي والموجه السياسي لشبكة تحالفات إقليمية واسعة غيرت موازين القوى في غرب آسيا.

ثلاثة عقود من الصمود وبناء المحور
وتولى الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي قيادة البلاد عام 1989 في مرحلة بالغة الحساسية بعد رحيل الإمام الخميني وانتهاء الحرب العراقية الإيرانية.

وخلال فترة قيادته، واجهت إيران حصاراً اقتصادياً وسياسياً خانقاً، إلا أنه استطاع تحويل التهديدات إلى فرص عبر تبني استراتيجية “الاعتماد على الذات” والاهتمام بالصناعات العسكرية والتكنولوجية المحلية، لا سيما برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي باتت رقماً صعباً في المعادلات الدولية.

علاوة على ذلك، يُعتبر الإمام الراحل المهندس الفعلي لـ “محور المقاومة”، حيث أولى اهتماماً مطلقاً لتعزيز ودعم حركات التحرر والمقاومة في المنطقة العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، معتبراً الدفاع عن القدس واجباً دينياً واستراتيجياً لا يمكن التنازل عنه.

وتحت إشرافه المباشر، نمت هذه الحركات لتتحول من مجموعات دفاعية إلى جيوش ومؤسسات قادرة على فرض معادلات الردع في وجه القوى الكبرى والاحتلال الإسرائيلي.

المراسم تتنقل بين المدن المقدسة
ووفقاً للخطط الحكومية المعتمدة والتغطيات الحية، فإن الجنازة في طهران تمثل المحطة الرئيسية ضمن جدول زمني يمتد لعدة أيام ليشمل محطات ذات دلالات روحية وسياسية بالغة:

وأقيمت صلاة الجنازة بإمامة القيادة الدينية والسياسية العليا وجرى موكب التشييع الرسمي والشعبي الأكبر وسط الشوارع المكتظة.

وفي مدينة قم المقدسة، معقل الحوزات العلمية ومراجع الدين، نقل الجثمان لتشييعه وسط العلماء وطلبة العلوم الدينية تأكيداً على الشرعية والحصانة الفقهية للمقام.

وفي خطوة تاريخية تحمل دلالات الوحدة المذهبية والروحية العابرة للحدود، شهدت العتبات المقدسة في العراق مراسم وداع للشهيد القائد.

وفي مدينة مشهد المقدسة، كانت المحطة الختامية ومسقط رأس الإمام الراحل، حيث سيوارى جثمانه الثرى في حرم الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وهو المكان الأقدس في الوجدان الروحي لأتباع مدرسة أهل البيت، ليكون مرقده الأخير جوار الرمز الروحي الأكبر.

وفي ختام هذا اليوم المشهود، وتحت وطأة الدموع والقبضات المرفوعة، أثبت التشييع المليوني للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي أن الأفكار والمنظومات العقائدية لا تنتهي برحيل قادتها.

لقد ترك الراحل خلفه دولة قوية ومحوراً ممتداً يمتلك من القوة العسكرية والبشرية ما يجعله قادراً على مواصلة الطريق، فطوفان طهران البشري صاغ وثيقة تجديد بيع بالدم، معلناً للعالم أجمع أن غياب “القائد” لا يعني غياب “النهج”، وإنما هو وقود جديد يشعل فتيل مرحلة استراتيجية أكثر حسماً وضراوة في تاريخ المنطقة الحديث.