في تشييع المرشد الأعلى: “قوموا لله”
ذمــار نـيـوز || مقالات ||
5 يوليو 2026مـ – 20 محرم 1448هـ
بقلم// بشرى خالد الصارم
إن من أعظم نكبات الأمة أن تفقد عظماءها… إنه محرم الفقد، محرم التشييع، ومحرم الأحزان. وها نحن اليوم في شهر الفقد والألم والعظماء “محرم”، نشيّع قائداً عظيماً بعظمة هذه الأمة وقادتها الشهداء من آل بيت الرسول -صلوات الله عليه وآله وسلم-. ها نحن نودع هامةً من هامات آل بيت محمد، حفيد الكرار وحامل لواء المسلمين في معركة العصر، مقلق اليهود والكفار ومرعبهم.
ها نحن نرى السماء وهي تحترق من مصاب الأرض الجلل، ونراها وهي تستقبل هتافات المشيعين له في مشهد استثنائي لم يسبق له مثيل؛ وإن دل على شيء فإنما يدل على عظمة هذا القائد في نفوس محبيه ومبايعيه، وشعبه وأنصاره. نرى الأرض وهي تتزلزل من تحت أقدام المشيعين من هول ثقل خطواتهم عليها؛ حزناً وحرقةً على فراقه، وها هو حزننا المؤجل على رحيله قد أتى، وأتت معه حرقة في قلب كل محب لهذا القائد لن تبرد أبداً.
الشهيد الأعز، السيد القائد المرشد الأعلى “علي خامنئي” رضوان الله عليه؛ وما أقسانا حين نتحدث عنه بأنه في صفوف الشهداء ولم نفق بعد من صدمتنا برحيله! فكيف لنا أن نقف اليوم مشيعين لجثمانه الطاهر الشريف إلى مثواه جنب جده حيدر الكرار عليهم السلام؟
لم يكن استشهاد المرشد الأعلى -رضوان الله عليه- نهايةً لثورة إسلامية، بل كان ميلاداً لنهجٍ لا ينحني. فبقتله ظنوا أنهم يمحون أثره، فإذا بهم يجعلون من كل قطرة دمٍ من دمائه صوتاً يصرخ بـ “الانتقام”. فقد علمنا -رضوان الله عليه- أن النصر ليس في البقاء، بل في الموقف؛ فمن أحب الحياة ذليلاً فقد مات في حياته قبل أن يُقتل، ومن عاش لله وبالحق، وحارب الظلم، ووقف في وجه الكفر؛ سيظل حياً في ضمير الأمة كلما دقت الحرب طبولها، أو صدح حق في سماء الكون، أو استيقظت في القلوب غيرة على دين الله ومقدساته.
علمنا قبل رحيله أن الثبات ليس غياب التعب، بل هو اليقين الذي من خلاله نكمل المسير رغم كل الألم، وأن الصمود ليس في نفي الألم من جور الظلم، بل هو الانتصار عليه رغم كل قرح. كان يوصينا بأن يبقى إيماننا بالله هو البوصلة التي لا تخطئ، ونيتنا في الخير هي الدرع الذي لا يُخترق، وأن الثابتين على عهودهم، الصامدين في ميادينهم، هم وحدهم من يتركون خلفهم أثراً إيمانياً عظيماً لا يمحى.
كان يشدنا إلى القرآن بقلبٍ يرجو الغوث، فأرشدنا إليه باعتباره الملاذ حين تضيق بنا السبل، والطبيب الذي يسكب على جروح أرواحنا برداً وسلاماً. علمنا أن نقترب منه لتسكن أرواحنا، وتُشفى دواعينا، وتستقيم خطانا؛ فهو الحبيب الذي يجيب نداء قلوبنا قبل أن ننطق به، والسعادة التي لا تنفد مهما جفت ينابيع الدنيا.
وعلى اشتياق الروح لهذا المرشد العظيم في يوم تشييعه، يشع بريق أيسر الصدر عند نطفة تسمى القلب، فنشعر بالثقل حيال تذكر فكرة رحيله عنا. هنا، في هذا الموقف المهيب العظيم، نتذكر تلك الخطابات النورانية فتفيض مقلنا بأدمع من دماء ولهيب حسرة على فراقه، ولا يسعنا إلا أن نتمتم بهمس: “إنك يا قائدنا ومرشدنا وإمامنا فزت ورب الكعبة، ونحن من بعدك ما زلنا عالقين في وهن الظلام، مكفنة أرواحنا على تابوت نعشك ومسير جثمانك”.
لقد كان حضوره يشرق بهدى الله في أرواحنا نوراً يهدينا إلى الحق؛ فقد كان سليل النبوة الذي أنار دروبنا وأخذ بأيدينا نحو شطآن الأمان، فكان لنا القدوة والوسيلة التي تمنح حياتنا معنىً وسمواً. فعظم الله أجرنا، وكل دعائنا أن يجعلنا الله ممن استضاءوا بنوره، وأن يثبت خطانا على نهجه، لننعم بقربه الأبدي.
وكم مِن عليٍّ، مِـن عليٍّ أصولُه ** ويومَ التنادي قدرُهم متعادلُ
فإن الذي ما حادَ والنبلُ وابلٌ ** شبيهُ الذي ما حادَ والقصفُ وابلُ
فأكرمْ بها من لحيةٍ وعمامةٍ ** لها ألفُ عامٍ عن حِماكم تقاتلُ
