الدبلوماسية الإيرانية ترسّخ معادلات الردع.. طهران تثبّت مكاسب ما بعد العدوان
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
24 يونيو 2026مـ – 9 محرم 1448هـ
تتحرك إيران اليوم في سياق إقليمي ودولي يتشكل من جديد على وقع التحولات الكبرى في موازين القوة، حيث لم تعد معادلات النفوذ محكومة بالأدوات التقليدية التي حاولت قوى الغرب فرضها لعقود، فالمشهد الراهن يكشف انتقال الجمهورية الإسلامية من موقع المواجهة الدفاعية إلى موقع الفعل السياسي القادر على إعادة صياغة قواعد الاشتباك الإقليمي، مستندة إلى شبكة علاقات متنامية مع دول إسلامية وازنة، وإلى قدرة متصاعدة على فرض حضورها في الملفات الاستراتيجية الحساسة، وفي مقدمتها أمن الخليج ومضيق هرمز.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه محاولات الاحتواء والضغط، تظهر الدبلوماسية الإيرانية كأداة امتداد طبيعي للإنجازات الميدانية والسياسية، بما يعزز من موقعها في صياغة توازنات جديدة، ويضع الأعداء أمام واقع مختلف عن كل الحسابات السابقة، فيما يمتد هذا التحول إلى إعادة تعريف دور إيران في النظام الدولي عبر شراكات قائمة على الندية وتوازن المصالح.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، تتسع دائرة التفاهمات الإيرانية مع دول محورية في المنطقة، بما يكشف انتقالاً تدريجياً نحو هندسة سياسية جديدة تُضعف أدوات الهيمنة التقليدية، وتفتح الباب أمام معادلات أكثر استقلالاً في القرار والسيادة، بعيداً عن منطق التبعية الذي حكم المنطقة لعقود.
وفي هذا السياق، يعتبرالدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي، أن الدبلوماسية تمثل ترجمة مباشرة للإنجازات العسكرية والأمنية والمعنوية، بوصفها امتداداً لحراك يجمع بين المواجهة والمنافسة والملاحقة بلغة ناعمة عبر المفاوضات ومذكرات التفاهم.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح الدكتور أفقهي أن الطرف الأمريكي ما يزال يكابر ويطرح ادعاءات غير صحيحة بشأن ما جرى في سويسرا، سواء في ملف مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو الملف النووي أو الصواريخ الباليستية، إضافة إلى ما يتعلق بالالتزامات الأمريكية في مذكرة التفاهم، وخاصة البند المتعلق بإنهاء الحرب وشمول محور المقاومة والمنطقة بما فيها لبنان، مشيراً إلى وقوع اعتداءات وخروقات صهيونية.
ويضيف أن المرحلة الحالية أشبه بحقل ألغام، حيث يمكن للعدو في أي لحظة تفجير الوضع، داعياً إلى الحذر وإلزام الأطراف بما وقعوا عليه في مذكرة التفاهم.
وفيما يؤكد أفقهي ثبات معادلة مضيق هرمز، فقد نوّه إلى أن الإصبع على الزناد وأن محور الجهاد والمقاومة في حالة تأهب واستنفار قصوى، وأن أي حماقة ستقابل برد قوي ومزلزل.
وفي سياق العلاقات الإقليمية، يؤكد الدبلوماسي الإيراني السابق، أن الزيارات الأخيرة التي قام بها الرئيس بزشكيان وزيارات المسؤولين الإيرانيين رفيعي المستوى، تعزز العلاقات التاريخية مع عُمان وباكستان، في ظل تحولات جيوسياسية وتغير في معادلات الردع، مشيراً إلى مكاسب حققتها الجمهورية الإسلامية بدماء غالية.
ويقول إن إيران أصرت على أن يشمل وقف إطلاق النار كل دول المنطقة بما فيها لبنان واليمن وغزة والعراق وإيران، لافتاً إلى أهمية اللقاءات لتوضيح القضايا مع العمانيين والباكستانيين، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز.
ويشدّد على أن مضيق هرمز يلعب دوراً يفوق القنبلة النووية باعتراف الغربيين، وأن إيران لا يمكن أن تتركه دون إطار جديد لإدارته وقوانين العبور والتعويضات، مع التأكيد على حقوق البلدين وفق القانون الدولي دون منح أي دور للعدو الأمريكي أو الصهيوني أو بعض الدول التي تعادي هذه الجهود.
ويلفت إلى أن زيارة قاليباف إلى عُمان كانت إيجابية، حيث تم الاتفاق على قوانين تحفظ حقوق البلدين المتشاطئين باعتبار المضيق ممراً دولياً ومياهاً إقليمية، مع رفض منح خصوم إيران أي امتيازات.
وفي ختام مداخلته، يوضح الدبلوماسي الإيراني السابق الدكتور هادي أفقهي، أن العلاقات التاريخية بين إيران وباكستان تستوجب تعزيزها، مع هدف رفع التبادل التجاري من حدود مليار ونصف أو مليارين إلى 10 مليارات ثم إلى 30 مليار مستقبلاً، معتبراً أن التطورات الحالية تمثل فرصة ناتجة عن “حماقة ترامب” و”الإسقاطات الترامبية والصهيونية”.
من جهته، يؤكدالخبير والباحث في الشؤون الإيرانية الدكتور رضا إسكندر، أن إيران تعتمد مبدأ الثقة في علاقاتها، حيث بدأت بسلطنة عُمان ثم باكستان، باعتبارهما دولاً إسلامية وازنة، دون الاتجاه نحو الغرب أو حتى الاعتماد على الصين وروسيا، ما يعكس خصوصية في إدارة الملفات الدبلوماسية.
وينوّه في مداخلة على قناة المسيرة، إلىأن إيران تتحرك ضمن إطار الثقة بالعالم الإسلامي، وأنها اعتمدت سابقاً مسارات إقليمية مشابهة في ملفات مثل العلاقات الإيرانية السعودية عبر العراق ثم الصين.
ويرى أن عُمان تحظى بمكانة خاصة لدى إيران، لالتزامها بحسن الجوار وعدم استخدامها لأراضيها أو أجوائها ضد إيران، إضافة إلى دورها في إدارة مضيق هرمز، ما جعلها شريكاً محورياً في المرحلة الأولى من ما بعد المفاوضات.
ويبيّن أن نتائج الزيارتين إلى عُمان وباكستان كانت إيجابية جداً، مع توافق على ترتيبات مستقبلية، منها عدم فرض رسوم خلال 60 يوماً الأولى على السفن، ثم الانتقال لاحقاً إلى تقديم خدمات مقابل رسوم ضمن إطار قانوني.
ويعتبر أن إيران تهدف إلى حماية أمنها القومي ومنع تكرار أي حصار أو استهداف عبر مضيق هرمز، مؤكداً تجاوب عُمان مع هذا التوجه.
وفي ملف باكستان، يوضح إسكندر أن العلاقات شهدت تفاعلاً إيجابياً واسعاً، مع نفي تقارير حول الصواريخ الباليستية، وتأكيد حق إيران في امتلاك قدرات دفاعية.
ويشير إلى أن التباين الأمريكي الإسرائيلي يتصاعد، وأن هناك مؤشرات على تغير في المزاج الدولي لصالح إيران، بالتزامن مع تراجع التأثير الإعلامي والسياسي للوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.
ويختم إسكندر مداخلته بالتأكيد على أن إيران تخرج من الحرب أكثر رسوخاً في علاقاتها الدولية، معزّزةً نموذجها الدبلوماسي والعسكري المستقل، معتبراً أن التحول العالمي الجاري يضعف محاولات التطبيع، ويفتح مساراً جديداً من الانفتاح الإيراني على دول المنطقة والعالم، بما يعزز موقعها السياسي والاقتصادي والعلمي.
