قداسة الموقف ومسؤولية الأمة: دروس خالدة من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)

5

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 يونيو 2026مـ – 8 محرم 1448هـ

في زحمة التاريخ الإنساني، تبرز مواقف قليلة تتحول إلى منارات تهتدي بها الأجيال، وتظل نبراساً يضيء دروب البشرية في أحلك الظروف، ومن أقدس هذه المواقف وأعظمها أثراً، موقف الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، الذي كان ولا يزال ثورةً خالدةً متجددةً، رسمت بدمائه الزكية طريق الحق والحرية والكرامة، فدراسة هذا الموقف استيعاب لدروسٍ جوهرية تمس حاضر الأمة ومستقبلها، وتحدد لها بوصلة التحرك المسؤول في مواجهة أعتى التحديات.

الموقع الإيماني الفريد للإمام الحسين عليه السلام: منبع الموقف وقداسته
لفهم عمق وقداسة الموقف الحسيني، لا بد من الانطلاق من فهم المقام الإيماني الفريد للإمام الحسين (عليه السلام)، فهو لم يتحرك لمطالب شخصية، لقد كان الإمام، ومن موقعه العظيم ودوره المحوري في هذه الأمة، يحدد الموقف التاريخي المسؤول الذي يبقى مناراً في كل مراحل التاريخ. لقد كان (عليه السلام) أولاً وآخراً، البقية الباقية من أهل بيت النبوة، أولئك الذين قال عنهم المصطفى (صلوات الله عليه وآله وسلم): “إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”.

من هذا الموقع، موقع الهداية والقدوة، تحرك الإمام الحسين عليه السلام. إنه الموقع الذي تتطلع إليه الأمة لتحديد مواقفها المسؤولة المنبثقة عن أصالة الإسلام ومبادئه وقيمه، وهو الموقع الذي حدده النبي (صلوات الله عليه وآله) بدقة متناهية حينما قال: “حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسينٌ سبطٌ من الأسباط”، وهذا إعلان عن امتدادٍ للرسالة، وتجسيدٌ للدور النبوي في القيام مقام رسول الله (صلوات الله عليه وآله) وريثاً له في هداية الأمة.

وهذا المقام الرفيع لم يكن اعتباطياً، بل هو نتاجٌ لكمالٍ إيماني وأخلاقي بلغه الإمام الحسين عليه السلام، تجلى فيما عبّر عنه الرسول (صلوات الله عليه وآله) حينما قال عنه وعن أخيه الحسن (عليهما السلام): “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”. إن هذه الشهادة هي تعبير عن مضمون حق، عن كمال الإيمان الذي تجسد في شخص الإمام: في إيمانه، وروحيته، ومبادئه، وقيمه، وفي معرفته العميقة بالإسلام: تعاليمه، وشريعته، وأحكامه، وحلاله وحرامه، ومن هذا المقام الإيماني والأخلاقي الرفيع، صدر الموقف الحسيني، فكان موقفاً مسؤولاً بكل ما تعنيه الكلمة، منبثقاً عن الإسلام، معبراً عنه، وفارضاً لإرادة الله فيه.

تفكيك الموقف: وعيٌ ومسؤولية لا تهور ولا انتحار
من الضروري هنا أن نؤكد على حقيقة مركزية يغفل عنها البعض أو يتجاهلها تتمثل في أن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن موقفاً متهوراً، ولا عبثياً، ولا انتحارياً، وإنما كان العكس تماماً، لقد كان موقفاً مسؤولاً بكل ما تعنيه الكلمة، فرضه الله سبحانه وتعالى، وحدده الإسلام، إنه نتاج لوعي حقيقي وعميق، وعيٍ بحتمية ذلك الموقف، ووعيٍ بالبدائل الكارثية التي كانت ستقع لو لم يتخذه، فالإمام الحسين عليه السلام لم يكتفِ بإصدار فتوى وإطلاقها، بل كان هو نفسه في طليعة الموقف، متحملاً للمسؤولية كاملة، متحركاً بنفسه، مقدماً أعظم درسٍ عملي للأمة في التضحية والفداء، لقد واجه الإمام الحسين عليه السلام حالتين خطيرتين تهددان كيان الأمة، وحدد فيهما الموقف الشرعي والمبدئي والأخلاقي الذي لا مناص عنه.

الحالة الأولى: مواجهة السلطان الجائر فريضة إسلامية

تتجلى أولى هذه الحالات وأخطرها حينما يصل إلى سدة الحكم والسلطة على رقاب الأمة طاغيةٌ، ظالمٌ، مستكبرٌ، غشوم، لا يحرم حرام الله، ولا يحل حلاله، ولا ينضبط لمبادئ الإسلام أو قيمه أو أخلاقه. حاكم يستبيح كل شيء، ويجعل من موقعه واقتدار دولته فرصة لممارسة جبروته وظلمه وطغيانه وأهوائه ونزواته، و في مواجهة هذا النموذج، لا يجوز للأمة أن تسكت، ولا أن تحكّمه في رقابها ومقدراتها، ولا أن تذعن وتستكين له ليمارس فيها هوايته من الظلم والجبروت والعبث والنهب والسلب، محولاً حياتها إلى جحيم.

فهذه حالة تمثل انقلاباً على أهم قيم الإسلام وأعظم مبادئه، وهي حالة لا يرتضيها الإسلام أبداً، مهما كان الثمن في سبيل مواجهتها والتصدي لها. إن الساحة الإسلامية التي يفترض أن تكون ساحة للعدل والحق، وأن تقدم النموذج للعالم في إقامة القسط، تتحول على أيدي هؤلاء إلى ساحة للمنكر وواحة للظالمين ومسرحا للجريمة، والأمة التي أراد الله لها أن تعتز بالإسلام وتنعم بعدله، تتحول إلى أمةٍ مقهورةٍ، مستعبدةٍ، مظلومةٍ، لا عز فيها ولا كرامة.

وهنا، يستشهد الإمام الحسين (عليه السلام) بجده رسول الله (صلوات الله عليه وآله) ليؤكد أن مواجهة هذا النموذج ليست مجرد خيار سياسي، بل هي فريضة دينية وجودية، فيقول في خطابه الخالد: “أيها الناس إن رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قولٍ كان حقاً على الله أن يدخله مُدْخَله”، إن هذا الحديث الشريف يضع الأساس المبدئي لموقف الأمة، ويفرض عليها واجب التغيير والمناهضة، محذراً من أن الساكت عن الظلم، والراضي به، إنما هو شريكٌ للظالم في مصيره.

وإذا ما ألقينا نظرة على واقعنا المعاصر، فسنرى هذه النماذج اليزيدية ماثلة أمامنا بوضوح. إن كثيراً من الحكام في منطقتنا العربية والإسلامية هم من هذا النوع من الجائرين المتسلطين، العاملين في عباد الله بالإثم والعدوان. إنهم يستبيحون سفك الدماء، حتى الأطفال والنساء يقتلونهم بغير حساب وبدون أي اكتراثٍ أو مبالاة كما عمل النظام السعودي ومن معه من الدول الإسلامية في سفك الدم اليمني، وكل حساباتهم واعتباراتهم تنطلق من أهوائهم وتعزيز نفوذهم والحفاظ على كراسي سلطتهم، دون أي اعتبار لمبادئ أو قيم أو أخلاق أو شرع أو حرام أو حلال، فكان مواجهة هؤلاء ليست مطلباً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل هي فريضةٌ إسلاميةٌ ومبدأٌ ديني، من يتخاذل عنه فإن موقفه عند الله محسوب لصالح أولئك الجائرين، كما قال رسول الله (صلوات الله عليه وآله): “فلم يغيّر عليه بفعلٍ ولا قولٍ كان حقاً على الله أن يدخله مدخله” وهذا ما يعمل عليه الشعب اليمني الآن من نفير عام لمواجهة العدوان الأمريكي السعودي الجاثم على الشعب لأكثر من 11 عاما.

الحالة الثانية: الإباء عن الذلة عقيدة الأمة الحية

أما الحالة الثانية التي يتحتم فيها الموقف الحسيني، فهي عندما توضع الأمة بين خيارين: إما خيار الإذلال، والاستعباد، والهوان، والإذعان للمجرمين، وتسليم رقابها لعبث الطغاة والمتسلطين؛ وإما العزة مع التضحية، والثبات، والقتال، والحرب، ففي هذه المفاصلة المصيرية، يتجلى الدرس الحسيني الأعظم، فمن أسمى قيم الإسلام ومبادئه الرئيسية ألا نقبل بالعبودية إلا لله، فنحن أمة عنوان ديننا وهويتنا: “لا إله إلا الله”، وهذا المبدأ العظيم يحتم علينا ألا نقبل لأي طاغية في هذه الدنيا -ولو كان بيده ما كان من الإمكانات والمال واقتدار السلطة- أن يستعبدنا.

إن قوى الطاغوت المستكبرة اليوم، من الكافرين والمنافقين، تسعى بكل وسيلة قذرة -بالنار والحديد، بالعدوان والحروب والفتن والحصار- إلى إخضاعنا واستعبادنا. إنهم يريدوننا أن نخضع لهم الخضوع المطلق، وأن نحكّمهم في كل شؤون حياتنا، ليفرضوا علينا ما يشاؤون بحسب مزاجهم وأهوائهم ومصالحهم وأطماعهم، وهذه حالة خطيرة وجودياً، فلو قبلنا بها، ولو أذعنّا لهم، لكنا بذلك قد اتخذناهم أنداداً من دون الله، ولكان ذلك خللاً رئيسياً في ديننا وأخلاقنا، وانتقاصاً في إيماننا، ويجعلنا أمةً ذليلةً مصابةً بالوهن.

هنا يشرق صوت الإمام الحسين (عليه السلام) كإعلان مبدأ إيماني قرآني، ليعلمنا كيف يكون الموقف: “هيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون”، إنها مقولة ناشئة عن مبدأ، ومن منطلق ديني وإيماني حق، فالله لا يرضى لنا أن نقبل لأنفسنا بالذلة والهوان والاستعباد، ويؤكدها بموقف عملي أبلغ من كل كلام: “لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرُّ إقرار العبيد” وهذا هو منطلق الإباء الحسيني الذي يجب أن يكون نبض الأمة وعقيدتها الحية.

وتزداد أهمية هذا الموقف إذا ما أدركنا العاقبة الوخيمة للخيار البديل، فالأمة حينما قبلت بالذلة واستسلمت وخنعت، تمكن الطغاة منها أكثر، وفعلوا بها الأفاعيل، وفي نفس الوقت رأينا أن الخيار الحسيني يثمر نصرا وعزا وتمكينا على الأعداء وهو ما نشاهده متجسدا في وقتنا الراهن فيظل الصراع مع الطغيان الأمريكي الصهيوني.

الأمة اليوم بين خيارين: دروس عاشوراء الواقعية
إننا اليوم، وفي خضم المحن والفتن التي تعصف بأمتنا، لفي أمسّ الحاجة إلى استيعاب هذه الدروس الحسينية الخالدة، فالإمام الحسين (عليه السلام)، علم الهدى، وثّق لنا بقوله وفعله وتضحيته وصموده، وجسّد لنا الموقف المعبر عن الإسلام في أصالته ومبادئه وقيمه وأخلاقه، وهذه مسألة يجب أن نعيها جيداً، لأن الكثيرين اليوم تغيرت منطلقاتهم واختلفت حساباتهم وتوجهاتهم، فهم يتعاملون مع التحديات المصيرية وكأنها مسائل عادية، مجردة عن الدين والقيم والمبادئ والحساب والجزاء والجنة والنار، وكأن الأمة ليست معنية بمسؤولية أخلاقية أو هوية إسلامية.

وهنا تتكشف أمراض الأمة في أوقات المحن، فبعض أبنائها تطغى عليهم المخاوف من الطغاة والمستكبرين، فتدفعهم نحو الذل والخنوع والاستسلام فيتخذون خيار الاستسلام إما بالالتحاق بصف الطغاة والانضواء تحت رايتهم عسكرياً أو إعلامياً أو ثقافياً، وإما بالسكوت والخذلان، وهذه الحالة محسوبة في الإسلام، كما قال الرسول (صلوات الله عليه وآله)، محسوبة لصالح المستكبرين، فالساكت عنهم شريك لهم، وعليه مسؤولية عظيمة، لقوله (صلوات الله عليه وآله): “فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله”.

وهناك من يستأسره الطمع والمال، فيبيعون أنفسهم ومواقفهم، فينضمون للجبهات التخريبية، ويعملون لصالح الطاغوت، مقابل أطماع دنيوية حقيرة، وهؤلاء هم عبيد المال والطمع، الذين تخلوا عن مبادئهم ودينهم، وهم خاسرون في الدنيا والآخرة، كما أن هناك صنف آخر مرهون موقفه بمنصب أو مصلحة، يربط موقفه وحقيقة إيمانه بعطاء دنيوي، فإن أعطيه تحرك، وإلا تخاذل وقعد مع القاعدين، متخذاً موقفاً حسبه الله لصالح الطاغوت.

وصنف آخر يقع ضحية للتضليل والتجهيل، لأنه لم يكن لديه أي اهتمام أو جدية في الاطلاع على الحقائق، ومعرفة طبيعة الأوضاع والأحداث، فالحقائق جلية وواضحة لكل من يحرص على معرفتها، ويكشفها أن كل الجبهات التي تشتغل داخل الأمة لصالح أعدائها هي واضحة ومكشوفة في ارتباطها بأمريكا و”إسرائيل” فالمعركة اليوم قائمة بين محور الجهاد والمقاومة والمحور الأمريكي الإسرائيلي وبشكل علني لا لبس فيه.

الموقف الحسيني حماية وضمان
إن الإمام الحسين (عليه السلام) أكد لنا وحدد ووثّق بالفعل والقول مسألةً من أهم المسائل التي تُعنى بها الأمة في كل أجيالها ومراحل تاريخها، وهي تشكل حمايةً حقيقيةً لها، فما يحمي الشعوب المستضعفة والمستهدفة، كما هو حال شعبنا في اليمن وهو يواجه العدوان، وكما هو حال المقاومين الأحرار في فلسطين إيران ولبنان والعراق وغزة وكل الساحات، هو ذلك الموقف الحسيني الإسلامي المبدئي الأخلاقي، وبقدر ما تتجذر وتترسخ فينا هذه المبادئ والقيم والروحية، بقدر ما نكون أباة، ونتحرك بمسؤولية عالية وجدية، متوكلين على الله، فسنحظى بنصره وعونه، لأنه لا يريد لنا أن نظلم أو نستعبد من دونه، دينه دين عزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}، ودين كرامة وعدل.

إن الخيار الذي اتخذه الأحرار في أمتنا من محور الجهاد والمقاومة هو خيار مسؤول، مبدئي، محق، وواعٍ، لأن البديل عنه هو أن نكون ضحية للطغاة، ومسؤولين عن استسلامنا لقوى الطاغوت لتعيث فينا فساداً.

هذا هو الدرس المحوري الذي يجب أن نستفيده من ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) عليه السلام، وأن نرسخه في وجداننا، فهو يمثل صلتنا الحقيقية بهذا الإمام العظيم، وولائنا له من موقعه في القدوة والهداية. إنها الثورة الخالدة التي تمتد عبر الزمن إلى يوم القيامة، لتبقى مناراً يضيء للأمة طريقها حينما تواجه حالات الطغيان والاستكبار، وتذكرها بأن الحياة الحقيقية هي حياة الأحرار، وأن القتل في سبيل الله هو عين الحياة الخالدة.