كيف تستخدم أمريكا القمح ورغيف الخبز كسلاح لإخضاع الشعوب والبلدان

6

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
23 يونيو 2026مـ – 8 محرم 1448هـ

تقريــر || عباس القاعدي

يبرز الغذاء بوصفه أحد أكثر أسلحة النفوذ تأثيراً في مصائر الشعوب والدول، وهو من بين السلع الاستراتيجية التي تحولت إلى عنصر حاسم في معادلات القوة العالمية.

و يرتبط القمح مباشرة بحياة مليارات البشر، ما جعله وسيلة ضغط وإخضاع لقوى الاستكبار العالمي وفي المقدمة أمريكا لا تقل خطورة عن الأدوات العسكرية التقليدية. ويستحضر شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- واقع الأمة التي أصبحت، بحسب توصيفه، مقيدة وعاجزة عن اتخاذ مواقف مستقلة تجاه أعدائها، نتيجة ارتهان حاجاتها الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء ورغيف الخبز، بمصادر خارجية تقع في يد خصومها.

ويتساءل السيد حسين بدر الدين الحوثي: كيف تستطيع الشعوب أن تقاوم أو تواجه أو ترفض سياسات أعدائها ضد دينها وبلدانها وأخلاقها وهويتها، بينما يتحكم هؤلاء الأعداء بمصدر حياتها ومعيشتها؟ مشيراً إلى أن الولايات المتحدة أحكمت السيطرة على الدول العربية والإسلامية من خلال هذا النوع من النفوذ، الذي يراه أخطر من السيطرة العسكرية المباشرة.

ويعتقد “رضوان الله عليه” أن ما يفسر حالة الخنوع والضعف والهوان للأمة الإسلامية هو أنهم تحولوا إلى سوق مستهلك غير منتج، حيث بات العرب والمسلمون ينتظرون الغذاء من أمريكا وروسيا وأستراليا، وتعتمد شعوبنا وبلداننا على الاستيراد لكل شيء، لافتاً إلى أنه من الطبيعي أن تظل هذه الأمة ضعيفة، وعاجزة عن مواجهة المخاطر والتحديات، ولا سيما اذا كان عدوها هو المتحكم بمعظم ما تحتاجه وتستهلكه في هذه الحياة.

لقد صار رغيف الخبز، الذي كان يوماً رمزاً للحياة أداة ضغط في لعبة الأمم، حيث تتحكم حفنة من الدول في غذاء المليارات، فالقمح، تلك الحبة الصغيرة، تغذي ثلث سكان الأرض، وتسقط حكومات إذا انقطع تدفقها، فمن يمسك بخيوط الغذاء، يمسك بخيوط القوة.

ويشكل القمح الذي يوصف بأنه [ذهب الأرض] 20% من الطاقة الغذائية العالمية، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة، والقمح وحده يمثل تجارة عالمية بقيمة تتجاوز 120 مليار دولار سنوياً، بحسب تقديرات البنك الدولي، وينتج العالم ما يزيد عن 770 مليون طن من القمح سنوياً، وهو يتحرك في الحقول والموانئ والبورصات، ولا يقتصر أثره على إطعام أكثر من ثلاث مليارات فقط، بل يدعم مباشرة ملايين الوظائف في الزراعة، والنقل، والتخزين، والصناعات الغذائية، ففي الدول النامية، يرتبط أكثر من 40% من الأسر الريفية بإنتاج أو تجارة القمح.

من هنا، فإن الغرب المتوحش وفي المقدمة أمريكا وبعدما جربوا حروب السيطرة العسكرية على الأمم وعلى الشعوب، وجدوا ذلك مكلفاً ومرهقاً لهم، فذهبوا نحو سياسات استعمارية لا تقل خطورة عن الاستعمار العسكري، وهي استخدام الغذاء وحاجات الشعوب كسلاح إخضاع وسيطرة للبلدان والشعوب تحت وطأة الحاجة أو الحصار والتجويع، فعمل الأعداء على إفقار الشعوب وتدمير زراعتها، واخضاعها، ما جعلها تابعة مرتهنة مجردة من عوامل القوى الاقتصادية، والاعتماد على الذات التي أساسها وعمودها، الاكتفاء الذاتي والاهتمام بالزراعة، ولا سيما في المجالات الأساسية كالغذاء الأساسي ورغيف الخبز ولقمة العيش.

لقد انتقلت أمريكا في هذا العصر إلى شكل آخر من أشكال هذه الحرب وهو تحويل الغذاء ورغيف الخبز إلى سلاح يتم بواسطة اخضاع البلدان لاستعباد الشعوب وإذلالها وإبقائها تابعة لصالح دول الاستعمار والاستغلال.

الفيديو: الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر يشير إلى صوامع غلال القمح ويقول من هنا سنحكم العالم وسياسة أمريكا والغرب تجاه العرب

وتسعى أمريكا والدول الغربية لجعل أمتنا مريضة كي يبيعون لها الدواء، وأن تكون فقيرة كي يبيعون لها الغذاء.

وينقل الخبير الزراعي المصري الدكتور محمد فتحي سالم، حقيقة ثابتة، وتصريحاً معروفاً للرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر، ويقول إنه في إحدى المرات، في ما يسمى عيد القمح، أشار إلى إحدى صوامع الغلال في أمريكا وقال من هنا سنحكم العالم، أي من خلال التحكم في الغذاء، سنسيطر على الأمم والشعوب في هذا العالم، لأن القمح متصل بوجود الإنسان

ويتحدث وزير التموين المصري الأسبق الدكتور جودة عبد الخالق عن سياسة أمريكا لتدمير الزراعة في الوطن العربي، وفي المقدمة، الزراعة في مصر، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أوقفت مراكب القمح المتحركة منها إلى مصر في منتصف الستينات من القرن الماضي، في عهد جمال عبد الناصر.

ويلفت الدكتور جودة عبد الخالق إلى أن الأمريكيين في التسعينات من القرن الماضي صرفوا 300 مليون دولار، على مشروع بحثي في مصر اسمه المشروع القومي للبحوث الزراعية ن آي آر بي، موضحاً أن هذا المشروع، في المحصلة الأخيرة، استخدم لتفكيك أوصال الزراعة المصرية، بدءاً بإلغاء الدور الزراعي، وغير وظيفة بنك التنمية والائتمان الزراعي والتوعية، وكذلك انهاء عملية الإرشاد الزراعي

ويؤكد أن أمريكا أنفقت في برنامج واحد من برامج ما يوصف. بالتعاون مع مصر 300 مليون دولار، كمساعدات ومعونة لمصر والزراعة في مصر، ولكن هدفها ونتيجتها هي التدمير للزراعة في مصر.

ويتطرق الوزير المصري إلى أمثلة وشواهد لسياسة وتصرف بلدان أخرى واجهت نفس الضغوط والعروض الأمريكية والغربية فيما يخص الاكتفاء الغذائي، منوهاً إلى أن اليابان في بداية نهضتها عرض عليها رز رخيص مقابل ألا تخصص مبالغ من ميزانيتها لدعم الرز المحلي، أو لزراعة الرز من قبل المزارعين في اليابان الذي يعد أهم المنتجات الزراعية في البلد.

ويعد رفض الحكومة اليابانية لهذا العرض من منطلق حرصهم على أنه سلعة تخص الأمن القومي للبلد، ولا يمكن الارتهان إلى الخارج، فهو يتعلق بالكرامة والحرية والاستقلال للبلد، وبالتالي كان القرار لا يمكن رهن غذاء هذا البلد والشعب للخارج.

وتعد اليابان من أهم وأكثر دول العالم تقدماً وانتاجاً وصناعة في منتجاتها، وقد غزت العالم، وهي مشهورة بأنها الأكثر قوة وجودة ومتانة، ولو لم يكن لديهم حكومة بهذا الوعي والمسؤولية، لما حققوا أي نجاح في أي مجال من مجالات الحياة، ولكان شأن اليابان كأي بلد من البلدان الفقيرة والمستلبة، فإذا كان هذا هو اليابان، فماذا عن الدول العربية؟

وتعد الدول العربية كلها مستوردة للقمح، باستثناء عدد محدود، لكن في المجمل فإن الوطن العربي يعتمد على الخارج من احتياجاته من القمح.

وبحسب الدكتور جودة عبد الخالق فإن أمريكا والدول الغربية تمكنوا من احتكار هذه السلعة وأن يجعلوا منها سلاحاً، على الرغم أن بإمكان الدول العربية الحصول عليها من أي دولة أو سوق غير أمريكية أو غربية، وهو ما يدعو للاستغراب.

ويشير الدكتور جودة إلى أن ما يسمى بالمساعدات الأمريكية، أو برامج التنمية، والخطط والخبرات الأمريكية والإسرائيلية التي تأتي إلى دولنا باسم التعاون الزراعي هدفها القضاء على قدرات الشعوب والبلدان في إنتاج السلع والأصناف الأساسية واستبدالها بمنتجات ثانوية فرعية، بالإضافة إلى أساليب إفساد الأرض وتلويثها، واستيراد بذور مسرطنة، وكل ذلك يؤدي إلى أن يصبح البلد بلا أمن غذائي، ويعتمد بشكل كامل في السلع الأساسية على الخارج وعلى الدول المستغلة والاستعمارية.

و تمنع أمريكا الدول العربية من زراعة القمح بشكل غير مباشر، فعندما تلجأ بعض الدول العربية إلى الاقتراض من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، تفرض عليها شروطاً قد تبدو اقتصادية، لكنها في الواقع تقيد قدرتها على الدعم والزراعة، وتجبرها على التحول إلى استيراد القمح بدلاً من إنتاجه تحت شعار تحرير الاقتصاد.

ولا تقف المشكلة هنا، فبعض القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تلعب دوراً في الضغط السياسي والاقتصادي على الدول، حتى لا تنتج القمح، وحتى تبقى أسواقاً مفتوحة لمنتجاتها، فمصر مثلاً، رغم كونها من أكبر منتجي القمح في العالم العربي، تعد اليوم أكبر مستورد له على مستوى العالم، نتيجة هذه الضغوط غير المباشرة، والأمر نفسه ينطبق على دول مثل سوريا والعراق والسودان، التي تعاني من أزمات سياسية خانقة، أما الجزائر والمغرب فهما ينتجان كميات لا بأس بها من القمح، لكنها لا تكفي لسد الاحتياج المحلي بالكامل، وبالطبع، لا يمكن تجاهل الأسباب الداخلية لشح المياه وتهميش الفلاحين وضعف الدعم الحكومي والفساد الإداري.

من جهته يقدم الخبير الزراعي المصري الدكتور فتحي سالم، خططا ورؤى تضمن اكتفاء مصر من إنتاج القمح والحبوب حتى لا تظل مستوردة ومرتهنة للخارج، في أهم وأبرز سلع غذائية أساسية استراتيجية، وهي القمح، لكنه تفاجأ بمحاربته وتهميشه، وعدم اهتمام المسؤولين في وزارة الزراعة المصرية بالأمر، وكان يذهب إليهم ويعرض عليهم الخطط، فكانت الأبواب توصد أمامه، و لم يجد لديهم حتى الإرادة أو حتى التفكير، بان بلدهم يمكن أن يكتفي ذاتياً في مجال إنتاج القمح الذي كانت مصر شبه مكتفية ذاتياً فيه.

ويرى الكثير من الخبراء والإعلاميين أن استيراد القمح والغذاء من الخارج، يتسبب في كارثة انتشار أمراض السرطانات التي يصاب بها الكثير من المصريين، وذلك لأن القمح المستورد من أمريكا والغرب مزود بمواد تؤدي إلى نشر الأمراض والسرطانات، وهذا مثبت وموجود ومعترف في مصر، وإذا كان هذا في مصر، فعليها يمكن القياس لباقي الدول العربية والإسلامية.

ويعتبر القمح المسرطن من أهم الملفات الخطيرة، وهو كذلك يسبب الصداع، وإجهاد المرأة الحاملة، وفي حال تناوله بشكل مستمر يؤثر على الكبد ويسبب الفشل الكلوي، والتحذير نفسه أطلقته إدارة الحجر الزراعي المصري، لكن ومع ذلك فإن الحكومات المصرية توافق على استلام تلك الشحنات، ولا تعير التحذيرات أي اهتمام.

وتشير الإحصاءات إلى دخول 17 شحنة قمح مسرطن إلى مصر من عام 2004 إلى 2009، وفي عام 2014، دخلت إلى مصر 63 ألف طن قمح فرنسي غير مطابق للمواصفات، ثم عادت الأزمة من جديد عام 2015، بعدما ضبط 25 ألف طن قمح روسي فاسد قبل دخوله البلاد لاستخدامه في إنتاج الخبز الحكومي المدعوم.

وتعرضت مصر بعد تطبيع العلاقات مع كيان العدو الإسرائيلي في عهد أنور السادات إلى التدمير الممنهج للزراعة المصرية، فكان أول ما ركز عليه الصهاينة هو تدمير الزراعة، وفعلاً كان مع مصر أهم سلعتين هي [القمح والقطن طويل التيلة] أهم وأغلى وأجود قطن في العالم.

وبعد التطبيع تم تعيين وزير زراعة يوسف والي يقال إن أصوله يهودية، وقدم تسهيلات للكيان المؤقت، وقد كان التركيز الأمريكي والصهيوني بعد التطبيع على وزارة الزراعة، وبعد أن تولى الوزير يوسف والي هذا المنصب دمرت الزراعة في مصر، وتم إدخال الأسمدة والمبيدات المسرطنة، واستمر الوزير المقرب من الكيان الصهيوني وزيراً للزراعة قرابة 20 سنة كاملة، وكان مدعوماً بشكل كبير من أعلى سلطة في مصر من الرئيسين السادات ومبارك؛ لأنه في زمن الرئيسين استمر، وبرغم أنه انكشف، ومتورط في عدد من القضايا، ومنها إدخال مبيدات ومنتجات مسرطنة وضارة، ورفعت عليه دعاوى قضائية، إلا أن مبارك كان يحميه ويمنع مثوله أمام القضاء.

وفي زمن الوزير المصري يوسف والي، أصبح الاعتماد المصري في استيراد البذور حكرا على الشركات الصهيونية، فكانت تلك البذور تزرع مرة واحدة فقط، وبعدها يضطر المزارع المصري أن يشتري من جديد، كما كانت تحتوي على مواد ضارة بالتربة، بمعنى موسم أو ثلاثة مواسم، تكون التربة قد أصبحت عديمة الإنتاج.

وقام هذا الوزير أيضاً باستيراد المبيدات المسرطنة من الكيان، وبحسب التحقيقات المصرية، فإن مئات الأطنان من المبيدات المحظورة دولياً كانت تدخل من الكيان إلى السوق الزراعي في مصر، و أما الأشياء التي لم يكن يستطيع تنفيذها بشكل مباشر وواضح، باسم التطبيع، فتم التحايل.

وكشفت التحقيقات في مصر، أن الكيان الصهيوني أنشأ شركة فرنسية وهمية تدعى كالليو، وهي واجهة تدار من عاصمة العدو الإسرائيلي، وباسم هذه الشركة وعبرها، كان يتم إرسال الشحنات الصهيونية إلى فرنسا للحصول على شهادة منشأة أوروبية، ومن ثم تسهيل دخولها إلى مصر دون إثارة أية شبهة، وهكذا كانت الدولة المصرية، ووزارة الزراعة في مصر، تتواطأ لإدخال المبيدات والأسمدة والمنتجات الصهيونية المعدة خصيصا للفتك بالزراعة وبالمواطن المصري.

وفي زمن عبد الناصر، استخدمت أمريكا سلاح القمح والغذاء للضغط على هذا البلد، وعلى مواقف مصر القومية في فترة الستينيات تقريباً، ففي نهاية العام 1964، استخدمت إدارة الرئيس الأمريكي ليندون جونسون برنامج المساعدات الغذائية للضغط على مصر، نتيجة قيام عبد الناصر بالتقارب مع المعسكر الاشتراكي، ومعارضة المعسكر الأمريكي والصهيوني، ووقتها ناقش عبد الناصر العقوبات الأمريكية وحظر القمح الأمريكي للضغط على القرار المصري.

وفي عام ألف 1974، أشرف وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسنجر، وكان حينها مستشارا للأمن القومي، على صياغة وثيقة سرية عرفت باسم مذكرة دراسة الأمن القومي رقم 200، وكان عنوانها “آثار النمو السكاني العالمي على أمن الولايات المتحدة ومصالحها الخارجية”، ورفعت السرية عن هذه الوثيقة في عام 1989م، واعتبرت الوثيقة أن النمو السكاني السريع في الدول النامية يمثل تهديداً للأمن القومي الأمريكي، لأنه قد يؤدي إلى اضطرابات سياسية.

وبما أن أمريكا كانت ولا تزال المصدر الأكبر للحبوب والقمح في العالم، فقد بدأت القيادة تفكر علناً في استخدام هذا التفوق الزراعي كأداة ضغط دبلوماسية، وهو ما عرف بعد ذلك تاريخياً “بدبلوماسية الغذاء”.

لم تكن مصر خاضعة كلياً للمعونات الأمريكية، في زمن عبد الناصر كما هي عليها اليوم، ولم تكن حتى الدول العربية كلها في تلك الفترة كما هي عليه اليوم، من الارتهان الشامل للأمريكيين، ومن يوم أخضعوا مصر واخترقوها، أخضعوا وأسقطوا البقية، للأسف الشديد، و هذا للعبرة والفائدة.