العدوان على لبنان يفضح نكث أمريكا للتفاهمات ويؤكد أن المقاومة ما زالت تمسك زمام الميدان

4

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 يونيو 2026مـ – 4 محرم 1448هـ

تكشف التطورات المتسارعة في لبنان والمنطقة أن المعركة باتت اختباراً حقيقياً لمدى صدقية الالتزامات الأمريكية وقدرتها على فرض ما تعهدت به على الكيان الإسرائيلي، فبينما تتحدث واشنطن عن تمسكها بالتفاهمات والاتفاقات الأخيرة، تواصل آلة العدوان الإسرائيلي اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية، في مشهد يكشف التناقض بين الخطاب الأمريكي والسلوك الفعلي على الأرض.

وفي الوقت الذي يسعى فيه العدو الصهيوني إلى تحقيق إنجازات ميدانية تعوض إخفاقاته المتراكمة، تتواصل محاولاته العسكرية في الجنوب اللبناني وسط مقاومة صلبة أفشلت التوغل وأوقعت خسائر متكررة في صفوف قواته، لتتبدد رهانات العدو مع كل اعتداء، فيما تتكرس معادلات الردع التي فرضتها المقاومة خلال المواجهات الماضية.

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد الحديث عن مستقبل التفاهمات القائمة، في ظل مؤشرات متزايدة على أن استمرار العدوان الإسرائيلي يضع المسارات السياسية برمتها أمام اختبار بالغ الحساسية، خصوصاً مع تأكيد قوى المقاومة وحلفائها أن حماية لبنان والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية يظلان أولوية لا يمكن التراجع عنها.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الشؤون الإيرانية سعيد شاوردي أن الولايات المتحدة وقعت على مذكرة التفاهم لكنها بدأت منذ البداية بانتهاكها وعدم الالتزام بالبند الأول منها، مشيراً إلى أن إيران كانت واضحة في أن تنفيذ البنود الأربعة عشر يجب أن يتم بالتدرج، بنداً بعد آخر.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح شاوردي أن البند الأول ينص على ضرورة إنهاء الكيان الإسرائيلي عدوانه على الشعب اللبناني، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق، إذ ما زالت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، الأمر الذي دفع كثيرين داخل إيران إلى انتقاد المذكرة واعتبار أن الولايات المتحدة لم تلتزم بها منذ اللحظة الأولى.

ويشير إلى أن هناك من تحدث عن أسباب لوجستية أثرت على انطلاق المفاوضات، لكنه يرى أن السبب الأساسي لتعثرها يتمثل في استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، لافتاً إلى تحذيرات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي من أن هذه الاعتداءات ستكون لها تبعات سلبية على مذكرة التفاهم.

ويضيف أن سلوك الأمريكيين وتصريحاتهم تدل على أنهم غير صادقين في نواياهم، وأن إيران لا تملك أي ثقة بالولايات المتحدة، لكنها وافقت على اختبار مسار المفاوضات مجدداً لمعرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة للالتزام بالشروط والبنود الواردة في مذكرة التفاهم أم أنها تسعى فقط إلى كسب الوقت.

ويؤكد شاوردي أن المفاوضات أصبحت متعثرة نتيجة الجرائم الإسرائيلية وعدم قيام الولايات المتحدة بإيقاف كيان العدو، رغم أنه ـ وفق التفاهمات الأولية ـ الجهة المسؤولة عن وقف العدوان على لبنان.

ويشدد على أن رسالة السيد مجتبى خامنئي كانت واضحة في تأكيد استمرار الدعم الإيراني لجبهة المقاومة وعدم التخلي عنها، موضحاً أنه طالب الرئيس الإيراني والمفاوضين بالاهتمام بهذه القضية وضمان استمرار الدعم للمقاومة في لبنان وفي أي ساحة أخرى.

وفي ختام مداخلته، ينوّه شاوردي إلى أن إيران واضحة في سياساتها وتمتلك القوة الكفيلة بردع الاحتلال الإسرائيلي ووقف جرائمه، مضيفاً أنه لا يستبعد اتخاذ قرار عسكري إيراني خلال الساعات أو الأيام المقبلة.

من جهته، يتناول الخبير العسكري العقيد أكرم كمال سيروي التطورات الميدانية في جنوب لبنان، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي يحاول منذ مدة طويلة التقدم نحو موقع علي الطاهر الذي يعتبره حصناً أساسياً للمقاومة، وقد تعرض الموقع لقصف متكرر، إلا أن كل المحاولات الإسرائيلية انتهت بخسائر كبيرة في القتلى والجرحى والآليات والدبابات.

وفي مداخلة على قناة المسيرة، ينوّه العقيد سيروي إلى أن الكيان الصهيوني بنى روايته على أساس أنه اجتازت نهر الليطاني وتقدم نحو طلعة شقير، إلا أن الوقائع أظهر أن قواته وقعت في فخ المنطقة الجبلية الوعرة، حيث تواجه صعوبات كبيرة في إيصال الدعم اللوجستي إلى قواتها وكذلك في سحب قتلاها وجرحاها.

ويلفت إلى أن حالة من الانهيار المعنوي بدأت تظهر داخل جيش العدو، لدرجة أن القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية باتت تبث رسائل دعم وأغانٍ وخطابات تحفيزية للجنود والضباط العاملين في لبنان بهدف رفع معنوياتهم بعد الضربات المتواصلة التي يتعرضون لها.

ويتطرق سيروي إلى نموذج بلدة حداثا في القطاع الأوسط، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي حاول على مدى أكثر من شهر الدخول إلى هذه القرية الصغيرة، ونفذ أكثر من ثلاثين هجوماً ومحاولة توغل، إلا أن جميعها فشلت، وتم خلالها تدمير آليات إسرائيلية وإحباط الهجمات وإيقاع قتلى وجرحى ووقوع القوات المتقدمة في كمائن عديدة للمقاومة.

ويعتبر أن صمود حداثا يعكس حقيقة المشهد الجنوبي بأكمله، وهو مشهد صمود المقاومة على مختلف المحاور، بما فيها محور علي الطاهر، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي بشكل متواصل الوصول إلى التلة المكشوفة الواقعة في منطقة جبلية بهدف الادعاء بتحقيق إنجاز ميداني، رغم أن مجرد الوصول إليها لا يمثل إنجازاً حقيقياً.

ويضيف أن المحاولات الصهيونية تكثفت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، خصوصاً قبل فرض وقف إطلاق النار الشامل وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، مشيراً إلى أن الاتفاق نص بوضوح على أن وقف الحرب يجب أن يشمل لبنان بصورة أساسية.

ويشدد سيروي على أن الموقف الإيراني واضح وصريح ولا لبس فيه، ويتمثل في عدم التخلي عن حزب الله، مؤكداً أن الحزب لن يخوض المعركة منفرداً وأن المواجهة هي مواجهة تخص محور المقاومة بأكمله.

ويشدّد على أن إيران التي نجحت في مواجهة الولايات المتحدة وإجبارها على توقيع الاتفاق، ليست عاجزة عن إجبار كيان العدو على تنفيذ الشروط ووقف الاعتداءات على لبنان.

ويرى أن التصعيد الإسرائيلي الحالي يمثل محاولة أخيرة لتخريب الاتفاق وفرض وقائع جديدة داخل لبنان، موضحاً أن العدو يحاول الضغط ليس فقط على حزب الله بل على الدولة اللبنانية أيضاً، ويسعى إلى الإيحاء بأن وقف إطلاق النار غير مرتبط بالتفاهم القائم وأنه ليس جزءاً منه.

وفي ختام مداخلته، يجزم العقيد سيروي بأن هذه المحاولات لن تنجح، معتبراً أنها تمثل رهانات نتنياهو الأخيرة، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي ليس في أفضل حالاته، وأن زيادة التوغل داخل الأراضي اللبنانية تمنح المقاومة فرصاً أكبر للانقضاض على الجنود الإسرائيليين وإيقاع المزيد من القتلى وتدمير المزيد من الآليات العسكرية.