خبراء: مشروع “إسرائيل الكبرى” يصطدم بصمود غزة ولبنان واليمن ويتجه نحو الفشل
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
6 يونيو 2026مـ – 20 ذو الحجة 1447هـ
تستعيد ذكرى الخامس من يونيو من كل عام واحدة من أكثر المحطات إحباطا في التاريخ العربي المعاصر، وهي الحرب التي انتهت باحتلال كيان العدو الإسرائيلي مساحات واسعة من الأراضي العربية خلال أيام معدودة، وأعادت رسم خرائط المنطقة وفرضت معادلات سياسية وعسكرية استمرت لعقود.
غير أن المشهد الراهن يطرح تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة كيان العدو على استنساخ نتائج تلك الحرب في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، وصعود قوى المقاومة، واستمرار المواجهات على أكثر من جبهة.
وفي هذا السياق يصف الخبير في شؤون العدو الإسرائيلي الدكتور نزار نزال، حرب يونيو 1967 بأنها محطة مفصلية في طبيعة الصراع العربي مع الكيان الإسرائيلي، موضحاً أن العدو الإسرائيلي تمكن خلال ستة أيام من احتلال ما يقارب 84 ألف كيلومتر مربع من الأراضي العربية، شملت شبه جزيرة سيناء والجولان السوري والضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما منحه تفوقاً جغرافياً واستراتيجياً واسعاً في تلك المرحلة.
ويلفت في مداخلة له على قناة “المسيرة” إلى أن كيان العدو يعيش اليوم حالة من الغضب والإرباك نتيجة إخفاقه في تحقيق الأهداف التي أعلنها في مواجهة حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مبيناً أن العدو لم ينجح في فرض سيطرة كاملة حتى على مساحات محدودة داخل قطاع غزة رغم طول أمد الحرب واتساع نطاق العمليات العسكرية.
ويستعرض جانباً من النقاشات الدائرة داخل الكيان، مبيناً أن مؤرخين صهاينة ما زالوا يتوقفون عند ما تحقق عام 1967، ويتحدثون عن إنجازات تحققت خلال ساعات قليلة قبل أن تكتمل خلال ستة أيام، في وقت مضت فيه سنوات على الحرب الحالية دون أن يتمكن العدو الإسرائيلي من تسجيل إنجاز مماثل.
ويتابع أن العدو لم يفلح في تحقيق نصر حاسم لا في غزة ولا في مواجهة حزب الله، الأمر الذي أبقى حرب 1967 حاضرة في العقل الصهيوني بوصفها معياراً يقاس عليه الأداء العسكري، وأوجد تساؤلات داخلية حول أسباب عجز جيش العدو الإسرائيلي الحالي عن إعادة إنتاج ذلك النموذج.
ويبين أن المؤسسة العسكرية للكيان تمتلك اليوم إمكانات تفوق ما امتلكته خلال ستينيات القرن الماضي، سواء من حيث سلاح الجو أو القدرات المدرعة أو التطور التقني، فضلاً عن الدعم الأمريكي الواسع والتأييد الغربي المستمر، إلا أن تلك الإمكانات لم تنجح في تعويض الإخفاقات الميدانية التي تواجهها في المعارك الراهنة.
ويعزو ما حققه العدو الإسرائيلي عام 1967 إلى جملة من الظروف التي كانت قائمة في البيئة العربية آنذاك، موضحاً أن العقيدة القتالية لدى المقاتل العربي كانت تعاني من اهتزاز واضح، وأن الفساد كان متفشياً في عدد من الدول العربية، إضافة إلى غياب المؤسسات العسكرية القادرة على بناء خطط فعالة وعدم توفر قراءة دقيقة لنوايا العدو الإسرائيلي قبل اندلاع الحرب.
وينوه إلى أن كيان العدو في ذلك الوقت كان أقل حجماً وإمكانات مقارنة بما يمتلكه اليوم، غير أنه استفاد من الظروف العربية السائدة لتحقيق مكاسب استراتيجية واسعة.
ويذهب نزال إلى أن حرب 1967 أسهمت في رسم ملامح أولية للمنطقة بصيغته الحديثة، بينما يسعى العدو الإسرائيلي منذ عام 2023 إلى إعادة تشكيل المنطقة من جديد بصورة تضمن تثبيت مشروع “إسرائيل الكبرى” وترسيخ هيمنتها الإقليمية.
ويحدد القوى التي تعترض هذا المشروع في كل من غزة ولبنان واليمن والفصائل العراقية وإيران، معتبراً أن هذه الأطراف تمثل الحاجز الأساسي أمام مساعي العدو الإسرائيلي لإعادة هندسة المنطقة وفق الرؤية التي يتبناها.
ويرجح وجود توجه أمريكي نحو مواجهة إيران، موضحاً أن واشنطن لا تمتلك مصلحة مباشرة في خوض حرب معها، إلا أنها تنظر إلى إيران باعتبارها رأس المحور الذي تنتمي إليه الحركات الجهادية ذات العقيدة الإسلامية، وتسعى من خلال استهدافها إلى إضعاف هذه الحركات وإنهاء تأثيرها الإقليمي.
ويشدد على أن الظروف التي أحاطت بحرب 1967 لم تعد قائمة، وأن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة كلياً، مرجحاً أن أي مواجهة إقليمية واسعة تشارك فيها أطراف متعددة قد تفضي إلى زوال كيان العدو من الخريطة.
ويتحدث عن مؤشرات متزايدة على التصدع داخل جيش الكيان الإسرائيلي، موضحاً أن المؤسسة العسكرية تشهد حالة من التململ والاحتقان نتيجة الإخفاق في تحقيق إنجازات ملموسة ضد حزب الله أو المقاومة الفلسطينية.
ويذكر أن الحرب دخلت شهرها الرابع دون بلوغ أهدافها المعلنة، وأن خسائر العدو الإسرائيلي تجاوزت 1200 بين قتيل وإصابة، بينما تمكنت المقاومة الفلسطينية من إيقاع نحو 16 ألف جندي صهيوني بين قتيل ومصاب.
وينقل عن الإعلام العبري حديثه عن ضرورة تشكيل فيلق دولي شبيه بالنموذج القائم في أوكرانيا لمواجهة التحديات التي تواجه العدو الإسرائيلي في المنطقة، معتبراً أن هذه الدعوات تعكس وجود أزمة حقيقية في العنصر البشري داخل المؤسسة العسكرية.
ويؤكد أن الكيان بات يواجه تراجعاً في الإقبال على الخدمة العسكرية، نتيجة تنامي القناعة داخل المجتمع الصهيوني بأن الحرب مرشحة للاستمرار لفترة طويلة دون حسم واضح.
ويبين نزال أن غرور العدو الإسرائيلي المرتبط بإنجازات عام 1967 ما زال يحكم سلوك القيادة الصهيونية، ويدفعها إلى محاولة فرض النموذج ذاته على واقع مختلف تماماً، في وقت لم تتمكن فيه من احتلال نصف قطاع غزة أو فرض سيطرة كاملة على مناطق الجنوب اللبناني رغم ما تحظى به من دعم أمريكي وغربي، محملاً القيادات العربية والنخب السياسية التي كانت تدير الدول العربية المسؤولية الأساسية عن هزيمة عام 1967.
بدوره يقدم الكاتب والباحث صالح أبو عزة، مقاربة مختلفة لمفهوم “النكسة”، معتبراً أن هذا المصطلح استخدم للتخفيف من حجم ما تعرض له الشعب الفلسطيني عام 1967.
وفي مداخلة له على قناة “المسيرة” يطرح أبو عزة مقارنة بين حربي 1948 و1967، موضحاً أن الأولى عرفت باسم “النكبة”، بينما جرى توصيف الثانية بـ”النكسة”، رغم أن النتائج التي ترتبت على حرب 1967 كانت أكثر خطورة وأعمق أثراً من نتائج حرب 1948.
ويشرح أن حرب 1948 مهدت لقيام الكيان الإسرائيلي على جزء من فلسطين، في حين أسست حرب 1967 لسيطرة العدو الإسرائيلي على كامل الأرض الفلسطينية إضافة إلى أجزاء من الأراضي العربية، الأمر الذي يجعله يرى أن توصيفاً أكثر حدة كان ينبغي استخدامه لوصف تلك الحرب.
ويستعرض طبيعة الأنظمة العربية التي كانت قائمة آنذاك، موضحاً أنها انقسمت إلى أربعة نماذج رئيسية.
ويضع النظام الأردني ضمن النموذج الأول المرتبط ببريطانيا والعدو الإسرائيلي، قائلاً إن هذا النموذج عمل على تمكين الكيان من السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي العربية، وإنه شكل جزءاً من منظومة الحماية المحيطة بالكيان الإسرائيلي.
ويورد في هذا السياق وثائق تحدثت عن أموال تلقاها الملك حسين من أجهزة استخبارات أجنبية، وعن اتصالات أجراها مع الصهاينة، وعن لقب منحته له مخابرات العدو الإسرائيلي، إضافة إلى كشفه بعض الخطط العربية الرامية إلى التصدي للهجمات الصهيونية، ولا سيما الخطط المصرية والسورية.
أما النموذج الثاني، فيتمثل في الأنظمة الشعاراتية التي رفعت شعارات اللاءات الثلاث ورفض الاحتلال والدعوة إلى تحرير فلسطين، لكنها لم تنجح في بناء قوة عسكرية أو إيمانية أو بشرية قادرة على خوض معركة التحرر.
ويتناول النموذج الثالث بوصفه نموذج “النكاية السياسية”، موضحاً أن أصحابه رفعوا شعارات داعمة للقضية الفلسطينية دون تبني مشاريع فعلية للتحرر من الاحتلال، مشيراً إلى السعودية باعتبارها المثال الأبرز على هذا النموذج، ومعتبراً أن جانباً من مواقفها كان موجهاً لمناكفة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أكثر من ارتباطه بمشروع تحرري حقيقي.
ويخصص أبو عزة النموذج الرابع للأنظمة التي اتخذت مواقف رافضة للصهيونية ومارست بعض الأدوار التحررية، لكنها أخفقت في حسم معركة 1967، محدداً سوريا ومصر باعتبارهما النموذج الأبرز لهذا الاتجاه.
ويستنتج أن انقسام الواقع العربي بين هذه النماذج الأربعة أضعف القدرة على الصمود في مواجهة العدو الإسرائيلي، وأعاق نشوء مشروع عربي تحرري قادر على الدفاع عن الأرض الفلسطينية والعربية.
ويعتبر أن هذا الواقع أفضى إلى التخلي عن أراضٍ عربية في بعض الحالات والعجز عن الدفاع عن أراضٍ أخرى، الأمر الذي قاد إلى مزيد من خسارة الأرض الفلسطينية والعربية، وأوصل المنظومة العربية إلى المأزق الذي واجهته في حرب 1967.
ويختتم أبو عزة بالتأكيد على وجود فروقات جوهرية بين مرحلة 1967 والمرحلة الراهنة، متحدثاً عن تحولات واسعة شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وعن حالة انحدار أصابت عدداً من الأطراف الإقليمية مقارنة بالمراحل السابقة.
