تصدّع التحالف الأمريكي الصهيوني وثبات معادلات الردع.. “المحور” يعيد رسم توازنات المنطقة
ذمــار نـيـوز || متابعات ||
3 يونيو 2026مـ – 17 ذو الحجة 1447هـ
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتبدل خرائط النفوذ وموازين القوة بصورة غير مسبوقة، بعدما فشلت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في فرض معادلاتهما بالقوة العسكرية والضغوط السياسية.
الاعتداءات التي أريد لها أن تكون بوابة لإخضاع شعوب المنطقة، تحولت إلى استنزاف استراتيجي كشف حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية، وأدخل المنطقة في مرحلة جديدة؛ فمع تصاعد أدوار قوى محور الجهاد والمقاومة واتساع دائرة تأثيرها الإقليمي والدولي، باتت واشنطن تواجه واقعاً مختلفاً عمّا كانت تراهن عليه لعقود، خصوصاً بعد تعاظم القدرات العسكرية والأمنية للمحور، وسيطرته على أوراق استراتيجية حساسة تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في ملفات الحرب والتفاوض والطاقة والأمن الإقليمي.
وفي مقابل هذا التحول، تتكشف داخل الولايات المتحدة نفسها مؤشرات انقسام وتناقض في الرؤية تجاه إدارة الصراع، وسط تصاعد الخلافات مع الكيان الصهيوني بشأن نتائج الاعتداءات الأخيرة على إيران ولبنان، بعدما أخفقت في تحقيق أهدافها، وفشلت في كسر إرادة قوى المقاومة أو تغيير المعادلات الميدانية التي فرضتها خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير والباحث في الشؤون الاستراتيجية والسياسية الدكتور علي حمية أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تغيرت فيها كل المعادلات بعد تصاعد قوة محور المقاومة، مشيراً إلى أن الصمود الذي أظهره حزب الله في جنوب لبنان عزز وحدة المسار والمصير بين قوى المقاومة، وكرّس معادلات ردع جديدة في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يوضح حمية أن إيران باتت تمتلك أوراق قوة استراتيجية كبرى، من بينها التحكم بمعادلات مضيق هرمز، مقابل سيطرة أنصار الله على معادلات باب المندب، مؤكداً أن هذه الأوراق لم تعد ذات تأثير إقليمي فحسب، بل أصبحت ذات أبعاد عالمية ترتبط بأمن الطاقة والتجارة الدولية.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة أصبحت تتفاوض اليوم على ما خسرته، وليس على مكتسبات جديدة، موضحاً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تدخل أي مفاوضات من موقع القوة للحفاظ على الإنجازات التي حققتها، في حين تسعى واشنطن إلى الحد من خسائرها المتراكمة في المنطقة.
ويبيّن حمية أن الردع الإيراني أدى إلى تراجع الأولويات الإسرائيلية لمصلحة الأولويات الأمريكية، لافتاً إلى أن الضربات الإيرانية الأخيرة أحدثت أضراراً واسعة داخل الكيان الصهيوني، شملت تدمير أكثر من 10% من المباني وأكثر من 50% من القدرات العسكرية، مؤكداً أن بقاء الكيان كان مرهوناً بالتدخل الأمريكي المباشر.
ويضيف أن الولايات المتحدة باتت تدرك استحالة تحقيق نتائج أفضل عبر التصعيد العسكري، بعدما فشلت خلال الحرب الأخيرة في تحقيق أهدافها، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو الأمني، مشيراً إلى أن الضغوط الاقتصادية، وحساسية ملفات الطاقة، وتراجع المخزون الاستراتيجي الأمريكي من النفط، جميعها عوامل تدفع واشنطن إلى تجنب أي مواجهة واسعة جديدة في المنطقة.
وفي ختام مداخلته، ينوّه حمية إلى أن إيران كانت واضحة في تهديداتها الأخيرة، وأنها نقلت المعادلة من مرحلة التهديد الأمريكي لإيران إلى مرحلة الردع الإيراني للولايات المتحدة، مشيراً إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة جاءت عقب الرسائل الإيرانية المباشرة، وهو ما كشف حجم التحول في ميزان القوة بين الطرفين.
من جهته، يقول الكاتب والباحث الإيراني الدكتور حسين رويوران إن العدوان الأمريكي الصهيوني الأخير فشل في تحقيق جميع أهدافه، سواء إسقاط النظام الإيراني، أو ضرب البرنامجين النووي والصاروخي، أو تحريك الشارع الداخلي، أو إنشاء مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، مؤكداً أن هذا الفشل أدى إلى تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وفي مداخلة على قناة المسيرة، يلفت الدكتور رويوران إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعرض للتضليل من قبل المجرم بنيامين نتنياهو، الذي وعده بأن الحرب ستكون “نزهة لثلاثة أيام”، إلا أنها امتدت لأربعين يوماً وانتهت بفشل الطرفين في تحقيق أهدافهما، ما خلق حالة من فقدان الثقة داخل التحالف الأمريكي الصهيوني.
ويشدّد على أن الإدارة الأمريكية باتت تدرك استحالة استئناف الحرب لتحقيق نتائج مختلفة، مؤكداً أن خيار الحرب استنفد بالكامل بعد العجز الأمريكي والإسرائيلي عن فرض الوقائع الميدانية التي سعيا إليها خلال المواجهة الأخيرة.
ويؤكد رويوران أن إيران تتعامل مع المفاوضات من موقع القوة، وترفض أي إملاءات أمريكية مهما كانت الضغوط، مشيراً إلى أن طهران لن تتعامل بجدية مع التصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين الأمريكيين، وأن أي تفاهم لن يكون ذا قيمة ما لم يتم التوافق عليه بشكل رسمي ومباشر بين الطرفين.
وفي ختام مداخلته، يعتبر الدكتور رويوران أن التناقضات داخل الموقف الأمريكي، سواء في تصريحات ترامب أو وزير الخارجية ماركو روبيو أو غيرهما من المسؤولين، تعكس حجم الارتباك داخل الإدارة الأمريكية، في ظل العجز عن حسم الخيارات بين التصعيد العسكري والبحث عن تسويات تحفظ ماء الوجه بعد الفشل الاستراتيجي الذي مُنيت به واشنطن وكيان العدو الصهيوني.
