خيانة الحكام العرب تنتصر للصهاينة.. كيف أجهض التطبيع مسار المقاطعة للعدو الإسرائيلي؟

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
2 يونيو 2026مـ – 16 ذو الحجة 1447هـ

تقريــر || أحمد داوود

شكلت المقاطعة العربية منذ عقود مضت أهم هاجس لكيان العدو الإسرائيلي، وبدأت فكرتها كأحد أهم الأسلحة للعرب في مواجهة الصهاينة.

ولجأ العرب في البدايات الأولى للوجود الصهيونية على الأراضي الفلسطينية إبان الحكم العثماني إلى كل أساليب الكفاح السياسي والقانوني، بما فيها المقاطعة لمحاربة الأعداء، فتم تشكيل منظمة محلية سنة 1909م تكمن مهمتها في الحيلولة دون بيع الأراضي العربية لليهود، كما شهد عام 1910م دعوة إلى مقاطعة البضائع اليهودية رداً على مقاطعة الصهاينة للبضائع والأيدي العاملة العربية.

وعندما رأت الحكومة العثمانية اشتداد مقاومة العرب للصهاينة وتوتر العلاقات قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى، قامت باتخاذ إجراءات تعسفية ضد العرب لإخماد نيران المقاومة وشل فاعلية المقاطعة بمقولة إنها أزعجت السلطة العثمانية ونشرت الفرقة بين رعايا السلطان، ثم لجأت إلى إبعاد نفر غير قليل من العرب خوفاً من أن تنقلب تلك المقاومة وبالاً على الحكم العثماني.

وخضعت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى للاحتلال البريطاني الذي ارتبط بتنفيذ “وعد بلفور” وقيام الدولة الصهيونية، فهيأت حكومة الانتداب البريطاني المناخ الملائم لإقامة الوطن اليهودي، وبدأ القادة المحليون في فلسطين حملة لمقاومة اليهود ومقاطعة منتجاتهم وخدماتهم في العشرينيات والثلاثينيات من القرن المنصرم، كما أقدمت البورجوازية الوطنية العربية على تبني المقاطعة وتنظيمها حتى يسمع العالم صوتها ويرهب اليهود حماسها، فشكلت لجاناً عربية لمقاطعة التجار اليهود وعدم التعامل معهم، وانتشرت هذه اللجان حتى شملت جميع البلدان الفلسطينية.

لقد كانت المقاطعة استراتيجيةً رسميةً عربيةً؛ إذ صدر عن جامعة الدول العربية عددٌ من القرارات، كان أولها القرار رقم 16 في 2 ديسمبر 1945م، الذي طالب دول الجامعة بمنع منتجات المؤسسات التجارية الصهيونية من دخول أراضيها، كما طالب القرار كافة المؤسسات والمنظمات والتجار والأفراد العرب برفض التعامل بالبضائع الصهيونية أو توزيعها أو استهلاكها.

ومنذ بداية الخمسينيات أصبح الإشراف على المقاطعة العربية من قبل جامعة الدول العربية، حيث قامت الجامعة منذ ذلك التاريخ بشهر سلاح المقاطعة في مواجهة العدو الإسرائيلي، بالإضافة إلى الأسلحة الأخرى، حتى يتم تطويقها وهدم معنوياتها وكشف خططها أمام الرأي العام العالمي، وهذا ما اعترف به رجال السياسية والقانون والصهاينة أنفسهم الذين لمسوا في المقاطعة جحيماً لا يطاق ونيراناً لا يستطيع المرء أن يقاوم حسيسيها، وذلك بفضل القيادات العربية التي وقفت إلى جوار المقاطعة العربية وخططها وجهزت لها إمكاناتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على أسس استراتيجية محددة الملامح واضحة الأهداف.

وفي هذا الجانب، أصدر مجلس الجامعة عام 1957م قراراً بمقاطعة خطوط (طيران إيرفرانس) بسبب استثماراتها في مشروعات التنمية الصهيونية، فكان من نتائجها أن توقفت أعمالها في القاهرة ودمشق، ثم صدعت في النهاية للمطالب العربية.

ويعد أبرز حدث في تاريخ المقاطعة العربية هو القرار الذي اتخذته الدول العربية في أكتوبر سنة 1973م بمناسبة حرب رمضان بتخفيض إنتاج البترول العربي وحرمان الدول التي تساعد العدو الإسرائيلي منه، وقد اعتبرت هولندا والولايات المتحدة الأمريكية من الدول التي تستحق أن يقطع عنها البترول.

وفي مايو سنة 1951م أقر مجلس جامعة الدول العربية توصية اللجنة السياسية بشأن تأسيس مكاتب للمقاطعة العربية في البلاد العربية، ليقينه بأن سلاح المقاطعة لا يقل فاعلية عن أسلحة القتال، وكان من نتائجه انشاء مكتب مركزي بدمشق يرأسه المفوض يعمل على تأمين الاتصال بالمكاتب المختصة بشؤون المقاطعة في كل دولة لتنسيق أعمالها وتأمين اطراد نشاطها.

ويدعو المفوض ضباط الاتصال لعقد اجتماعات برئاسته كلما اقتضت الظروف في المكان الذي يحدده، كما ينشأ بكل دولة عربية مكتب يعنى بشؤون المقاطعة ويكون مجهزاً بالموظفين والوسائل اللازمة بما يمكنه من القيام بواجباته على أكمل وجه، وتكون المكاتب الإقليمية على اتصال وثيق بالمكتب المركزي لتزويدها بالمعلومات اللازمة وتقوم بأعمالها وفقاً لتوجيهات وتحت اشراف المفوض العام.

ومرت المقاطعة العربية بعدة مراحل:

المرحلة الأولى: (1951-1956م):

أقر مجلس جامعة الدول العربية في 11 ديسمبر 1954م مشروع القانون الموحد الذي ناشد فيه الدول العربية قاطبة بالعمل على مقاطعة “إسرائيل”؛ لأن هذه المقاطعة ستكون ردعاً للبغاة المعتدين، وقد أيدت الدول العربية الموقف الذي تمسك به الشعب العربي الفلسطيني القائم على أساس أن مقاطعة العدو بشتى صورها تعتبر أمراً مقضياً.

المرحلة الثانية: (1956-1967م):

بدأت تلك المرحلة بالعدوان الثلاثي على مصر في أواخر 1956م، وامتدت إلى نشوب حرب يونيو 1967م، وقد أسفر العدوان الثلاثي عن ضغوط استعمارية وصهيونية ضد مصر اضطرها إلى فك الحصار البحري عن خليج العقبة والسماح للبواخر التابعة للعدو الإسرائيلي والأجنبية بحرية الملاحة في مياه الخليج بعد أن كان مغلقاً في وجه تكل السفن ولا يسمح لها بالمرور إلا أذا تبين أنها لا تحمل مواداً استراتيجية تفيد المجهود الحربي للعدو.

ورأى البعض أن من أهم أهداف حرب عام 1956م فتح البحر الأحمر بوجه الملاحة “الإسرائيلية” ليلعب ميناء أم الرشراش [ايلات] التابع للعدو الإسرائيلي دوراً حيوياً في تجارة الكيان الخارجية تصديراً واستيراداً، وبخاصة مع شرقي أفريقيا وجنوب شرقي آسيا، وذلك للتخفيف من حدة آثار المقاطعة العربية السلبية على اقتصاديات الكيان.

وأدت هزيمة العرب في حرب أكتوبر 1976م، وقد تملك قادة إسرائيل إحساس بالزهو والغطرسة، واستطاعت إسرائيل ملاحظة أن أداء القوات العربية يزداد سوءاً فحاولت أن تزرع في العرب مشاعر الخوف والهزيمة عند مواجهة قواتها، فاستغلت انتصاراتها المتواصلة وقدرة جيشها على البطش وآلاف الأسرى الذين وقعوا في قبضتها خلال حرب 1976م، وشنت حملة ضارية لتأكيد هذه المفاهيم في أداء البلاد العربية وفي أعماق شعوبها، وقامت إسرائيل بجهود مكثفة لإحباط مفعول المقاطعة وشل حركتها، وسخرت المنظمات الصهيونية للتصدي للمقاطعة ومحاربتها.

وبدأت الكيان الصهيوني حملة إعلامية معادية للعرب عام 1960م بغية الحد من نشاط المقاطعة العربية والحيلولة دون تغلغل وتحقيق أهدافها ووصفها بأنها أكبر التحديات للوجود اليهودي في الشرق الأوسط، حيث عبأت تلك الحملة الجهود وشحذت الهمم لدى العمال في ميناء نيويورك على الإضراب عن العمل احتجاجاً على المقاطعة العربية، وحرضت الشركات الاحتكارية التي يمتلكها اليهود على الحملات العدوانية ضد أنظمة المقاطعة.

المرحلة الثالثة:( 1976-1973م):

قرر وزراء البترول العرب المجتمعون في بغداد في الخامس من يونيو 1967م قطع النفط العربي ومنع وصوله بطريقة مباشر أو غير مباشر إلى الدول التي تعتدي أو تشارك في الاعتداء على سيادة أي دولة عربية أو على أراضيها أو مياهها الإقليمية.

ففي مؤتمر القمة الذي عقد بالخرطوم في الفترة من 29 أغسطس حتى أول سبتمبر 1967م قرر الملوك والرؤساء العرب أن مؤتمر وزراء البترول والاقتصاد والمالية العرب أوصى بإمكانية استخدام وقف ضخ البترول كسلاح في المعركة، ولكن مؤتمر القمة رأى بعد دراسة الأمر أن الضخ نفسه يمكن أن يستخدم سلاحاً ايجابياً في المعركة، باعتبار أن البترول طاقة عربية توجه لدعم اقتصاد الدول العربية التي تأثرت بالعدوان مباشرة لتمكينها من الصمود.

وتعد عملية فتح الجسور من أكبر نتائج حرب يونيو ضرراً للمقاطعة العربية على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، بل لعلها أخطر ضربة سددتها كيان العدو الإسرائيلي للمقاطعة منذ بدايتها؛ لأن فتح الجسور على نهر الأردن يعمل على تحقيق حلم الكيان في إقامة علاقة وطيدة مع العرب وفتح المنطقة العربية أمام طموحاتها غير المشروعة، ويمثل تجربة سياسية بعيدة عن الحقيقة.

ولقد تمت عملية فتح الجسور الأردنية أمام التبادل التجاري وانتقال الأشخاص بين ضفتي نهر الأردن على مراحل ثلاث، بدأت الأولى إثر حرب يونيو 1976م حيث سمحت سلطات الاحتلال بانتقال السلع وتبادل الخدمات باتجاه واحد من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، وكانت المرحلة الثانية 1968م حيث أباحت سلطات الاحتلال نظام استيراد وتصدير السلع والمنتجات بين ضفتي نهر الأردن، وظهرت المرحلة الثالثة عندما سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بقدوم الزائرين العرب من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية منذ منتصف يونيو 1968م.

المسمار الأول في نعش المقاطعة

وتعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى الكيان المحتل في 19 نوفمبر 1977م أول مسمار دقه الأمريكيون بإتقان في نعش المقاطعة العربية لكيان العدو، وفتح الباب على مصراعيه للتطبيع مع الكيان بكافة أشكاله.

وكانت زيارة السادات إلى الكيان، والتوقيع على اتفاقية “كامب ديفيد” كما يقول الصهاينة: “نعمة من الله”، وقد فتحت الباب للدول العربية للمسارعة نحو التطبيع بدفع وإيعاز أمريكي متواصل، وكان من أول المكاسب الصهيونية بعد هذه الاتفاقية هو اضعاف خيار المقاطعة الذي استخدمته الدول العربية في بداية مواجهتها مع الكيان ومنها، اغلاق الحدود الجوية والبرية والبحرية مع مصر.

ثم وقعت الأردن اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني في 26 أكتوبر عام 1994م، لتكون ثاني دولة عربية تقيم علاقات رسمية مع الكيان الصهيوني بعد مصر، وفتحت المعاهدة ولأول مرة الباب أمام مشاريع التعاون بين الأردن والكيان في قطاعات المياه والطاقة حيث وردت كلمة “تعاون” 20 مرة في المعاهدة، وتعهد الأردن وفقاً للمعاهدة بإنهاء المقاطعة للكيان الصهيوني.

وتعد الإمارات العربية المتحدة الغنية بالنفط أول دولة خليجية وثالث دولة عربية تعلن رسمياً عن تطبع العلاقات بشكل كامل مع الكيان الصهيوني في 13 أغسطس 2020م، وقد أصدرت بعد ذلك مباشرة مرسوما بإلغاء قانون “مقاطعة إسرائيل” الذي صدر سنة 1972م، كما سمحت الإمارات للصهاينة بدخول أراضيها، ووقعت العديد من الاتفاقيات الاقتصادية، والأمنية، والعسكرية، والاستخباراتية، وكانت رأس حربة للكيان في الحرب على الدول العربية وإثارة القلاقل والنعرات في عدة دول عربية.

وأعلن البيت الأبيض في 26 أكتوبر 2020م عن اتفاق السودان و”إسرائيل” على البدء في علاقات بينهما، واتفقا على بدء علاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز مبدئياً على الزراعة، وبهذا تخلى السودان عن مبادئه التي كانت ترفض فتح أي قنوات اتصال بين الكيان الصهيوني والخرطوم.

ويطمح العدو الإسرائيلي وبضغط أمريكي في دفع بقية الدول العربية نحو التطبيع، والقضاء نهائياً عن حلم “المقاطعة” ليتسنى له السيطرة الكاملة على المنطقة، وتحقيق حلم “إسرائيل الكبرى”، ليتمكن الكيان من السيطرة على الأراضي العربية ونهب خيراتها وثرواتها دون أن يكون للأمة أي موقف أو صوت مسموع.

وبناء على ما سبق، فإن العودة إلى خيار المقاطعة من أهم الأولويات في مواجهة العدو الإسرائيلي، فالمقاطعة سلاح استراتيجية بيد العرب، ولولا التطبيع العربي لكان كياناً منبوذاً لا قيمة له في منطقتنا.