“الملف الأسود” يكشف “سياسة الحدود المتحركة”.. الأطماع السعودية التاريخية ومخططات حرمان اليمن من ثروته

8

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
25 مايو 2026مـ – 8 ذو الحجة 1447هـ

مثّلت الأطماع السعودية في الجغرافيا اليمنية استراتيجية توسعية ممنهجة صِيغت هندستها في غرف التخطيط المشترك بين الرياض وواشنطن؛ لإبقاء اليمن رهينة التبعية المطلقة والفقر المفروض.

ومع كل بادرِ أملٍ يلوح لليمنيين لامتلاك ناصية قرارهم الاقتصادي عبر استغلال ثرواتهم السيادية من النفط والغاز، كان “الفيتو” السعودي الجاهز يتحرك سرياً وعلناً لفرض الوصاية وحظر التنقيب، مستخدماً لغة التهديد العسكري المباشر والابتزاز السياسي، تارة بدعاوى “الحقوق التاريخية” الزائفة، وتارة أخرى عبر رسم خرائط وهمية تلتهم باطن الأرض اليمنية.

وفي هذا الجزء المستند إلى وثائق وحقائق الفيلم الاستقصائي “الملف الأسود” الذي أنتجته قناة المسيرة، نزيح الستار عن واحدة من أخطر الوثائق السرية لشركة “هانت” الأمريكية، والتي تكشف كيف تمددت الادعاءات السعودية لتصل إلى عمق محافظتي مأرب والجوف.

كما يسلط التقرير الضوء على سياسة “الحدود المتحركة” للرياض، والتي نجحت لسنوات طويلة – بتواطؤ من النظام البائد – في فرض طوق من الحظر الشامل على الأحواض الرسوبية الكبرى في الجوف، والربع الخالي، وحوض تهامة في البحر الأحمر، وحرمان الشعب اليمني من أبسط حقوقه المشروعة لبناء اقتصاد وطني قوي ومستقل.

استنفار الرياض: الفزع من استقلال القرار اليمني:

في غضون عام ونصف فقط من تاريخ اكتشاف أول بئر نفطية في صافر، وصلت شركة “هانت” الأمريكية إلى عتبة الإنتاج التجاري. ومع إيقاع ذهب اليمن الأسود في شراك الاستغلال الأمريكي، كانت سلطة الخائن عفاش في صنعاء سعيدة جداً بهذا الإنجاز الضيق.

ويؤكد وكيل هيئة استكشاف النفط، المهندس عبد اللطيف الظفري، أن اليمن تعرضت منذ الوهلة الأولى لضغوط هائلة ووصاية مباشرة من قبل الدولة المجاورة (المملكة العربية السعودية)؛ حيث مارست الرياض ضغوطاً على أعلى المستويات السياسية لمحاولة عرقلة العمل النفطي، وحظر الاتجاه اليمني نحو التحول إلى دولة بترولية، وهو أمر يرى الظفري أنه بات حقيقة تاريخية لا شك فيها.

تمثلت هذه الضغوط السعودية بدعوى امتلاك الرياض “حقاً تاريخياً” في مساحة الامتياز الممنوحة لشركة “هانت” في عمق الأرض اليمنية منذ الأزل، بناءً على وثائق رسمية ثلاثية (يمنية وسعودية وأمريكية).

وثيقة نوفمبر 1984: التعدي السعودي على مأرب والجوف:

يكشف وثائقي “الملف الأسود” ولأول مرة عن وثيقة سرية صادرة عن شركة “هانت” الأمريكية مطلع نوفمبر 1984 ميلادي، تؤكد تلقي الشركة مذكرة رسمية من وزارة البترول والثروة المعدنية السعودية باللغتين العربية والإنجليزية، تنطوي على مواضيع ذات حساسية سيادية بالغة.

تعمدت شركة “هانت” ترك التفاصيل الحساسة للدعوى الحدودية في النسخة العربية من المذكرة السعودية، وجاء فيها تأكيد الرياض على علمها بالنشاط النفطي اليمني الممتد إلى جوار منطقة مأرب، مع لفت انتباه الشركة إلى أن هذه البقعة تشكل جزءاً من إقليم المملكة العربية السعودية! وفي تفاصيل الإحداثيات الجغرافية الواردة في المذكرة، تجاوزت الادعاءات السعودية مناطق أنشطة “هانت” في محافظة الجوف لتصل إلى عمق محافظة مأرب نفسها.

ويفسر رئيس المركز الوطني للوثائق، عبد الله هاشم السياني، هذا السلوك السعودي المتنمر بالقول: “السعوديون شعروا بأن اليمن تريد أن تخرج عن الوصاية، وأن يكون لها قرار اقتصادي مستقل وثروة نفطية خاصة، والسعودية تعاني من عقدتين أساسيتين تجاه اليمن: مشكلة قوتها الاقتصادية، واستقرارها السياسي”.

من جانبه، يرى المهندس عادل الحزمي أن الهدف الأساسي كان تعطيل الاقتصاد اليمني ومنعه من التطور، مؤكداً أن تقديم الرياض لوثائق تزعم فيها أن مناطق في مأرب تتبعها هو مجرد وسائل ابتزاز وضغوط وتحقيق مصالح خاصة، فالمنطقة يمنية منذ الأزل تاريخياً وسياسياً وشعبياً.

سياسة الحدود المتحركة والتوسع المالي:

إزاء هذه الضغوط، بعثت سلطة الخائن عفاش بمذكرة احتجاج للرياض، وانتظرت معالجة الخلاف بالطرق الودية، لكنها صُدمت برد سعودي صارم وسافر ذكّرها بقدم الدعوى المرتبطة بملكية جزء من منطقة الامتياز، وسجلت الخارجية السعودية دعوى جديدة ضد توسيع المساحة.

وكما تكشف الوثيقة الصادرة عن الخارجية السعودية في 14 صفر 1405 هجرية، فإن الموقف كان تعبيراً فجاً عن “سياسة الحدود المتحركة” للنظام السعودي.

ويعلق عبد الله السياني على ذلك قائلاً: “النظام السعودي هو دولة ناشئة بلا حدود تاريخية ثابتة، وبالتالي فإن هذه الدولة الناشئة المستندة إلى الدعم الأمريكي والمال النفطي تعتمد طبيعة توسعية قائمة على ابتلاع أراضي الجيران”.

مأساة حظر قطاعات الجوف والربع الخالي وبحر تهامة:

تجاوزت الأطماع السعودية مأرب لتمتد إلى الأحواض الرسوبية الكبرى؛ حيث يشير المستشار عبد الله العواوي إلى أن شركة هندية حصلت لاحقاً على حق الامتياز في محافظة الجوف في ثلاثة قطاعات واعدة هي: (57، 58، و59)، لكن المفارقة الصادمة أن الشركة لم تستطع حتى مجرد زيارة الحقل أو الموقع في ذلك الحين بسبب التهديدات.

وبعد جولات من المحاولات والضغوط، انسحبت الشركة الهندية، وظلت محافظة الجوف بالكامل “خطاً أحمر” يحظر على اليمنيين الاقتراب منه، نتيجة تعهد سري قدمته السعودية لشركة هانت لمنع دخول أي شركة منافسة.

هذا التعطيل الممنهج زادت حدته بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990؛ حيث بدأت السعودية تشعر بأن اليمن خرج كلياً من عباءة الهيمنة المباشرة وبات يمتلك مقومات دولة كبرى وعظمى في المنطقة (كثافة سكانية، مساحة تتجاوز 500 ألف كم²، شواطئ تمتد لأكثر من 2000 كم تطل على البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي).

وفي أبريل 1992 (شوال 1412 هـ)، عُقد اجتماع طارئ لمجلس الرئاسة والمجلس الاستشاري والوزراء والدفاع الوطني برئاسة الخائن عفاش لمناقشة مذكرة تهديد سعودية وُجهت للشركات النفطية العالمية العاملة في اليمن.

وجاء في المذكرة السعودية أن الشركات تجاوزت في بحثها وتنقيبها إلى مناطق تعتبرها المملكة داخلة في إقليمها، مهددةً بعدم الاعتراف بأي أثر قانوني واللجوء إلى “القوة القاهرة” لضرب أنشطتها، وقامت الرياض بتوزيع خارطة معدلة ومزورة تقتطع أجزاء واسعة من مناطق الامتياز اليمنية.

ونتيجة لذلك، جمدت تسع شركات عالمية أنشطتها في تسعة قطاعات حيوية تمتد من جنوب سناو بالمهرة، وحواريم، وهود، والفرض، والمسيلة بحضرموت، وعساكر، والبرقاء، والعقلة بشبوة، وصولاً إلى جزيرة أنطوفاش في البحر الأحمر.

ويؤكد المهندس عادل الحزمي أن تلك الشركات تعرضت لضغوط مباشرة من السعودية لإجبارها على الانسحاب.

وفي ذات السياق، يؤكد رئيس هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عبد العزيز الغفاري، أن حوض تهامة في البحر الأحمر حظي باهتمام كبريات الشركات العالمية (حيث دخلت سبع شركات في قطاع واحد لشدة واعديته وتوفر نظامه البترولي بنسبة 100%)، إلا أن الطرف الأساسي الذي منع الاستكشاف والإنتاج في حوض تهامة بالكامل هو السعودية.

وبهذه المعطيات، فإن سياسة “الحدود المتحركة” والتهديد بضرب الشركات العالمية بـ “القوة القاهرة” كانت تجسيداً حياً لعمق الفزع السعودي من نهوض اليمن واستقلال قراره الاقتصادي والسياسي.

كما أن هذه الحقائق الموثقة التي كشفها “الملف الأسود” تبرهن بوضوح على أن الحصار والعدوان الحالي هو امتداد تاريخي لمؤامرة مستمرة تهدف إلى إبقاء ثروات الشعب اليمني مدفونة تحت بند المنع والوصاية الخارجيين.