خفايا الصفقات الفاسدة لشركة “هانت”.. مأرب 1984 من حلم وطني للبناء إلى مصيدة نهب أمريكية

42

 

كان إعلان الاكتشافات النفطية في اليمن مطلع ثمانينيات القرن الماضي يمثل نافذة أمل تطلع من خلالها الشعب اليمني إلى بناء دولة قوية ومستقلة الاقتصاد. غير أن هذا الحلم الوطني سرعان ما تبخر على صخرة الأطماع والتواطؤ؛ إذ تحولت ثروات البلاد السيادية إلى غنيمة باردة تقاسمتها الهيمنة الأمريكية عبر أذرعها الشركاتية، والفساد المنظم للنظام الحاكم آنذاك.

وفي هذا التقرير المستند إلى الحقائق والوثائق الواردة في فيلم “الملف الأسود” الذي أنتجته قناة المسيرة، نكشف الهندسة الخفية للاتفاقيات المشبوهة، وكيف وظفت شركة “هانت” الأمريكية ثغرات القانون وغياب الخبرة الوطنية لتلتهم الجغرافيا اليمنية، وتقلب نسب الأرباح لصالحها في واحدة من أكبر عمليات الغبن الفاحش والنهب الممنهج لثروات اليمن.

وفي هذا السياق، تتوزع الخارطة النفطية في الجمهورية اليمنية على ثلاثة عشر حوضاً رسوبياً، يزيد إجمالي القطاعات فيها عن مئة قطاع. وفي حين يقتصر الإنتاج الفعلي على ثلاثة عشر قطاعاً فقط تتوزع في ثلاث محافظات، فإن أغلب قطاعات اليمن النفطية تقع تصنيفياً بين قطاعات استكشافية ومفتوحة، مؤكدةً بالمعلومات الجيولوجية امتلاكها إمكانات بترولية هائلة ومؤشرات حتمية لعناصر تراكماتها الهيدروكربونية.

غير أن هذا المورد الحيوي ظل لعقود طويلة محور صراع سيطرة محموم، دائمًا ما حُسم على طاولة مساومات سياسية مشبوهة لا مكان فيها للمصلحة الوطنية. ومع تعقيدات المشهد وتشعباته وتداخلاته، تكشف الأدلة المادية الحصرية كيف وقع ذهب اليمن الأسود بين مصائد الشركات الأجنبية، وأطماع الجوار، وفساد فرق الحكم المتعاقبة.

هندسة التعديلات الفاسدة: التلاعب بالجغرافيا والنسب

بدأت فصول المأساة الاقتصادية في يوليو من العام 1984، حين أعلنت شركة “هانت” الأمريكية عن أول اكتشاف للنفط بكميات تجارية في منطقة “صافر” بمحافظة مأرب. لكن الشركة الأمريكية وهي تواصل أنشطتها كانت تسير عمداً في اتجاه مغاير تماماً لاتفاقية المشاركة في إنتاج النفط (PSA)، مستغلةً غياب الخبرة الوطنية، وخضوع السلطة العميلة.

وفي السياق، يفكك مستشار شركة النفط اليمنية، عبد الله العواوي، الخديعة القانونية الأولى التي مارستها الشركة الأمريكية بتواطؤ من النظام الحاكم آنذاك؛ حيث يشير إلى “الباب الخامس” من الاتفاقية الأصلية والذي ينص صراحة على بند “التخليات الالتزامية”. وبموجب هذا البند، يتوجب على الشريك الأجنبي أن يتخلى عن 25% من مساحة القطاع بعد السنتين الأوليين من الاستكشاف، ويتخلى عن 25% أخرى بعد السنتين التاليتين، مما يعني عودة 50% من مساحة القطاع الإجمالية إلى ملكية الدولة اليمنية.

لكن ما حدث كان التفافاً خطيراً؛ فبعد أن أجرت “هانت” المسوحات السيزمية (الزلزالية) وأظهرت النتائج وجود تراكيب واعدة تحتوي على تراكمات هيدروكربونية ذات جدوى اقتصادية عالية، سارعت إلى تعديل الاتفاقية للمرة الأولى ثم المرة الثانية.

هذا التجاوز يرجعه وكيل هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عبد اللطيف الظفري، إلى كونه حدث في بداية الإنتاج وضمن اتفاقية بدائية صِيغت في وقت لم تكن اليمن تمتلك فيه أي خبرة في مجال المشاركة في الإنتاج، أو آلية توزيع الحصص، ومشاركة العائدات وحساب كلفة التشغيل.

ويضيف المستشار العواوي أن التعديل فرض صفقة مجحفة لصالح “هانت”، تمثلت في توجيه ضربة قاصمة للحق السيادي اليمني عبر قلب نسب تقاسم العائدات، لتصبح حصة الدولة اليمنية 40% فقط مقابل 60% للشركة الأمريكية، واصفاً إعطاء هذه الاتفاقية للجانب الأمريكي بأنه “مغامرة كبرى وغبن فاحش في حق اليمن”.

التعديل الثالث: مساحة امتياز تفوق مساحات دول

مع إدراك شركة “هانت” الأمريكية أن مكاسب هذه الصفقة المجحفة ستمتد لعشرين عاماً، دفعت بكل ثقلها نحو فرض “تعديل ثالث” للاتفاقية. هذا التعديل لم يقف عند حدود النهب المالي، بل التهم الجغرافيا اليمنية ليوسع مساحة الامتياز الممنوحة للشركة إلى نحو سبعة عشر ألف كيلومتر مربع (17,000 كم²)، وهي مساحة ضخمة تفوق مساحة دولة قطر (ثالث أكبر منتج للغاز عالمياً)، وتقارب مساحة دولة الكويت (أحد أكبر منتجي النفط في العالم).

ويشرح وكيل هيئة استكشاف وإنتاج النفط، المهندس عادل الحزمي، الأبعاد الفنية لهذا التعديل، موضحاً أن مساحة القطاع الأصلية كانت في حدود 12 ألف وكسور كيلومتر مربع، لترتفع بموجب التعديل الثالث بنسبة تقارب 30% وتصل إلى حدود 16 ألف وبعض مئات الكيلومترات المربعة.

ويؤكد المهندس الحزمي أن المتعارف عليه دولياً في الصناعة البترولية هو أن مساحة القطاعات الممنوحة للشركات تبدأ في التناقص التدريجي بعد تحقيق أي اكتشاف تجاري بموجب اتفاقيات تقاسم الإنتاج (PSA)، لكن ما حدث مع “هانت” كان تجاوزاً صارخاً وضارباً بعرض الحائط لكل الأعراف والقوانين البترولية العالمية.

ويكشف المستشار العواوي الخلفية السياسية لهذا التوسع، مؤكداً أن “هانت” حسبت بدقة خطوتها؛ فبحصولها على السيطرة المطلقة على كامل المنطقة منعت دخول أي شركاء وطنيين أو أجانب، وأصبح الجانب اليمني خارج الحسبة تماماً. هذه المساحة الشاسعة منحت الشركة الأمريكية أوراق قوة إضافية في التفاوض، وعقد صفقات جانبية وإدخال شركات أخرى كأدوات استثمارية تابعة لها.

وفيما يتعلق بالاحتياطيات النفطية، يربط المهندس الحزمي بين زيادة المساحة وزيادة الاستثمار بشكل دوري ودائري، كاشفاً أن المساحة الإضافية جرى اقتطاعها وإضافتها تحديداً في الشريطين الشمالي والجنوبي من القطاع. وتلا ذلك عمليات استكشافية متواصلة حققت فيها الشركة عدداً كبيراً من الاكتشافات بعد “حقل ألف”، لتنتقل المادة النفطية بعدها مباشرة إلى مرحلة التطوير والإنتاج التجاري وسط غياب كامل للرقابة الوطنية.

تثبت هذه الأرقام والوثائق الدامغة أن حرمان اليمنيين من ثرواتهم الوطنية كان سياسة ممنهجة قادتها واشنطن بتواطؤ داخلي لتجريد البلاد من عناصر قوتها الاقتصادية، في حين أن فصول التلاعب بالحدود الجغرافية للقطاعات النفطية وتزوير نسب الأرباح تؤكد اليوم، وبما لا يدع مجالاً للشك، أن استعادة القرار السيادي على المنشآت والثروات هو أولى الخطوات نحو التحرر الحقيقي، وأن عهد الصفقات المشبوهة والعبث بمقدرات الشعب خلف ظهره قد انتهى إلى غير رجعة بفعل الوعي والسيادة الوطنية المستعادة.