“الأورومتوسطي”:حملة “إسرائيل” ضد نيويورك تايمز محاولة لطمس جرائم التعذيب بحق الفلسطينيين

4

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
23 مايو 2026مـ – 6 ذو الحجة 1447هـ

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنه يتابع بقلق بالغ الحملة الإسرائيلية الرسمية المنظمة التي بلغت ذروتها بتصريحات وبيانات صادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر، عقب نشر صحيفة نيويورك تايمز مقالًا للصحفي الحائز على جائزة بوليتزر مرتين نيكولاس كريستوف، بعنوان “الصمت أمام اغتصاب الفلسطينيين”، تناول فيه شهادات 14 رجلًا وامرأة قالوا إنهم تعرضوا للاغتصاب وغيره من أشكال التعذيب والعنف الجنسي داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

وأكد المرصد الأورومتوسطي في تقرير نشر على حساب المرصد على منصة “إكس”،اليوم السبت، رصدته وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) أن رد الحكومة الإسرائيلية لم يتجه إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في هذه الادعاءات الخطيرة، أو السماح لمحققين دوليين وخبراء طب شرعي ومراقبين أمميين واللجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول إلى مراكز الاحتجاز، بل انصرف إلى مهاجمة الصحفي والصحيفة والمنظمات الحقوقية التي وثقت هذه الانتهاكات أو ساهمت في كشفها، في محاولة واضحة لتحويل النقاش من مضمون الشهادات والأدلة إلى تشويه مصادرها.

وشدد على أن الجرائم التي تناولها تحقيق نيويورك تايمز ليست رواية صادرة عن المرصد الأورومتوسطي وحده، ولا عن الصحفي نيكولاس كريستوف وحده، بل تأتي ضمن مسار توثيقي واسع ومتراكم سبق أن شاركت فيه جهات أممية ودولية وإسرائيلية وفلسطينية مستقلة، بينها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ومقررون وخبراء أمميون مستقلون، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية و”إسرائيل”، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة بتسيلم الإسرائيلية، وأطباء من أجل حقوق الإنسان في “إسرائيل”، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فضلًا عن شهادات وثقتها جهات مهنية معنية بحماية الصحفيين ومتابعة أوضاع المعتقلين.

وأضاف أن محاولة التشكيك في هذه المؤسسات الأممية والدولية تتجاهل طبيعتها واختصاصها؛ فالمفوضية السامية، والمقررون الخاصون، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، والمنظمات الحقوقية الدولية والإسرائيلية والفلسطينية ليست منصات رأي، بل جهات توثيق ورصد وتحقيق تعمل منذ سنوات ضمن ولايات ومعايير دولية واضحة، وتخضع نتائجها لاختبارات مهنية تتعلق باتساق الشهادات، واستقلال المصادر، وتكرار النمط، والقرائن الطبية والقانونية، وتقييم المخاطر الواقعة على الضحايا والشهود. ولذلك فإن تقاطع خلاصاتها حول أنماط متكررة من التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والجندري داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية لا يمكن التعامل معه كادعاءات متفرقة أو روايات معزولة، بل كمؤشرات جدية على سياسة ممنهجة، بلغت حد تحذير المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 من أن التعذيب أصبح بمثابة “عقيدة دولة” في تعامل “إسرائيل” مع الفلسطينيين.

وشدد على أن تمكّن هذه الجهات من الوصول إلى الضحايا وجمع شهادات متقاطعة، رغم الحصار غير القانوني المستمر على قطاع غزة، ومنع السفر، وحجب مراكز الاعتقال والسجون، ومنع الزيارات المستقلة، وغياب الشفافية، لا يضعف مصداقية التوثيق، بل يدين “إسرائيل “التي تحتكر السجلات والكاميرات والملفات الطبية وتصر على إبقائها مغلقة، ثم تطالب العالم بتصديق إنكارها ومهاجمة من تمكنوا من توثيق ما حاولت حجبه، دون أن تقدم أي تفنيد مادي أو قانوني للوقائع الموثقة.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن توثيقه لجرائم التعذيب والعنف الجنسي داخل مراكز الاعتقال والسجون الإسرائيلية يستند إلى مسار مستقل وممتد من الرصد والمقابلات والتحليل القانوني، لا إلى روايات منقولة أو غير مفحوصة؛ إذ اعتمد على عشرات الإفادات المباشرة لمعتقلين فلسطينيين مفرج عنهم، جُمعت وفق منهجية حقوقية تراعي مبادئ عدم الإضرار، والسرية، والموافقة المستنيرة، وتقييم المخاطر الواقعة على الضحايا والشهود، ولا سيما في قضايا التعذيب والعنف الجنسي التي تتطلب حساسية مهنية خاصة وتدابير حماية مشددة.

وبيّن أن هذه الإفادات خضعت لفحص اتساق الروايات، ومقارنتها بالسياق العام وبأنماط الانتهاكات المتكررة وبالمعلومات المتاحة من مصادر أممية وحقوقية أخرى، قبل أن يتوّج هذا المسار بتقريره الصادر في أبريل 2026 بعنوان “إبادة جماعية أخرى خلف الجدران”، الذي وثق أنماطًا واسعة النطاق من التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي، وخلص إلى أن تكرار الأساليب ذاتها بحق معتقلين متعددين وفي سياقات احتجاز مختلفة يكشف نمطًا ممنهجًا لا يمكن التعامل معه بوصفه حوادث فردية أو معزولة، بل يستوجب تحقيقًا دوليًا مستقلًا ومساءلة جنائية بموجب القانون الدولي، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أن خطورة هذا التوثيق لا تنبع فقط من تعدد المصادر الدولية التي أكدته، بل من كونه يتقاطع أيضًا مع ما نشرته منظمات إسرائيلية مستقلة لا يمكن اتهامها بالانحياز للفلسطينيين.
فقد أصدرت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية تقريرها “مرحبًا بكم في الجحيم” في أغسطس 2024، ثم تقريرها “جحيم حي” في يناير 2026، ووثقت فيهما شهادات لمفرج عنهم تكشف تحول السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة تعذيب منظمة، شملت الاغتصاب باستخدام أدوات، والاعتداء على الأعضاء التناسلية، والهجمات بالكلاب، وإجبار محتجزين على مشاهدة آخرين يتعرضون لاعتداءات جنسية.

كما نشرت منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان في “إسرائيل”” تقارير عن الانتهاكات المنهجية بحق المحتجزين الفلسطينيين، بما في ذلك التعذيب، والإخفاء القسري، والحرمان من الرعاية الطبية، وتوثيق إساءات جنسية بحق كوادر طبية فلسطينية من غزة.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أن منظمات فلسطينية ذات خبرة ميدانية طويلة، من بينها مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وثقت منذ الأشهر الأولى بعد 7 أكتوبر أنماطًا متكررة من العنف الجنسي والجندري داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، بما في ذلك التحرش الجنسي، والتهديد بالاغتصاب، والتفتيش العاري، والتصوير المهين، والاعتداء على الأعضاء التناسلية.

كما وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في تقريره الصادر في مايو 2025 شهادات أكثر تفصيلًا عن العري القسري، والإهانات الجنسية، واللمس الجنسي، والاغتصاب أو التهديد به، والعنف ضد الثديين والأعضاء التناسلية، واستخدام الكلاب في اعتداءات ذات طابع جنسي.

وأشار إلى أن الوقائع العلنية المحيطة بقضية “سدي تيمان” ، إذ لم تتعامل “إسرائيل” مع الاشتباه باغتصاب معتقل فلسطيني وتعذيبه جنسيًا داخل مرفق احتجاز تابع لها بوصفه جريمة خطيرة تستوجب إدانة رسمية واضحة وتحقيقًا مستقلًا وشفافًا، بل تحوّلت القضية إلى مناسبة للدفاع عن الجنود المشتبه فيهم، واقتحام قواعد عسكرية احتجاجًا على توقيفهم، والتحريض السياسي والإعلامي ضد مساءلتهم، وفتح نقاش علني صادم حول ما إذا كان يحق للسجان أو الجندي الاعتداء جنسيًا على أسير فلسطيني، قبل أن ينتهي المسار إلى إسقاط الاتهامات بحق المشتبه فيهم، رغم وجود تسجيلات مصورة للواقعة، بينما جرى تحويل مسار المساءلة نحو المدعية العسكرية العامة السابقة يفعات تومر يروشالمي بعد إقرارها بمسؤوليتها عن تسريب التسجيل، بما يعكس بنية إفلات من العقاب لا تكتفي بحماية المتهمين، بل تستهدف من يكشف الانتهاك أو يسهم في مساءلته.

وقال المرصد الأورومتوسطي إن جرائم العنف الجنسي ضد الفلسطينيين داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية ليست وليدة المرحلة التي أعقبت 7 أكتوبر 2023، بل تعود إلى سنوات سابقة جرى خلالها إحاطة هذه الانتهاكات بالإنكار والحجب والإفلات من العقاب؛ مشيرًا إلى واقعة كاشفة تمثلت في توثيق الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، فرع فلسطين، لاغتصاب طفل فلسطيني يبلغ من العمر 13 عامًا داخل مرفق احتجاز إسرائيلي، وإبلاغ الجهات الأمريكية المختصة بذلك، ليكون الرد الإسرائيلي مداهمة مقر المنظمة ومصادرة أجهزتها الإلكترونية، ثم تصنيفها لاحقًا كيانًا إرهابيًا، قبل أن تضطر مؤخرًا، تحت وطأة هذه الإجراءات وغيرها من القيود، إلى إنهاء عملها في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي مجلس حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، والمقررين الخاصين، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، باتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تحقيق دولي مستقل وفوري في جرائم التعذيب والعنف الجنسي والجندري داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية، بما يشمل تمكين آليات التحقيق الدولية وخبراء الطب الشرعي من الوصول غير المقيد إلى أماكن الاحتجاز، ومقابلة الضحايا والشهود والمعتقلين المفرج عنهم بصورة آمنة ومستقلة، وفحص السجلات الطبية وملفات التحقيق وأوامر الاحتجاز والنقل وتسجيلات المراقبة، والكشف عن جميع حالات الوفاة داخل الاحتجاز، وضمان حفظ الأدلة ومنع العبث بها أو إتلافها.

كما طالب المرصد الأورومتوسطي المحكمة الجنائية الدولية بإدراج هذه الجرائم ضمن نطاق تحقيقها الجاري في الحالة في فلسطين، باعتبارها جرائم قد ترقى، بحسب الوقائع والسياق، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فضلًا عن كونها قد تشكل جزءًا من الأفعال والأنماط الدالة على جريمة الإبادة الجماعية، ولا سيما عندما تُرتكب في سياق أوسع من التدمير الجسدي والنفسي للفلسطينيين وإخضاعهم لظروف تستهدف وجودهم كجماعة.

و دعا إلى تقديم هذه الوقائع أمام محكمة العدل الدولية في إطار النظر في مسؤولية “إسرائيل” الدولية عن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، بوصف التعذيب والعنف الجنسي والجندري داخل الاحتجاز من الوقائع ذات الصلة بإثبات أفعال الإبادة الجماعية، والقصد الخاص بالتدمير، وفشل “إسرائيل” في منع الأفعال المحظورة والمعاقبة عليها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.