المقاومة تُهندس الدفاع النشط وتُحيل الجنوب اللبناني إلى مصيدة استنزاف كبرى للعدو الصهيوني

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
16 مايو 2026مـ – 29 ذو القعدة 1447هـ

شهدت جبهة الجنوب اللبناني والمحاور المتاخمة للحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، خلال الساعات الـ 24 الماضية، تصعيدًا عسكريًّا استثنائيًّا، نَسَف كليًّا مفاعيل ما يُسمى التفوق الصهيوني، وأسقط مفاهيمه النظرية تحت وطأة عمليات الميدان وحقائقه الصادمة، وبات العدو عالق في مأزقٍ مركب؛ فقواته البرية تستنزف، ومستوطناته الشمالية لا تزال تحت رحمة المقاومة، وجبهته الداخلية تعاني من انعدام الثقة.

ويأتي هذا المأزق والانفجار الميداني في جولة القتال الحالية ضمن معركة “العصف المأكول” ضد كيان العدو الإسرائيلي، كتعبيرٍ صريح وعملي عن نجاح المقاومة الإسلامية في لبنان بقيادة حزب الله في تكريس معادلة الدفاع النشط والردع الميداني المباشر، ردًّا على الإمعان الصهيوني في خرق الهدنة المثقوبة، واستهدافه المتواصل للمدنيين والبنى التحتية.

ومن منظور قراءة المشهد العام، يعيش الكيان المؤقت حالة حادة من الفصام والارتباك البنيوي؛ فبينما تجهد النخب الدبلوماسية والسياسية للعدو، وعلى رأسها سفير الاحتلال في واشنطن “يحيئيل لايتر”، لترويج أجواء تفاؤلية وإيجابية مضللة حول محادثات الإدارة الأمريكية مع السلطة اللبنانية، يغرق جيشه على الأرض في وحل الاستنزاف القاتل بجنوب لبنان، وتتعالى صيحات الإحباط الداخلي من تآكل الردع وسياسة الاحتواء الفاشلة، في وقتٍ تحولت فيه مغتصبات الشمال بأكملها وشريطها الساحلي الحيوى إلى مناطق عسكرية مغلقة خاوية من أيّ مظاهر للحياة البشرية والاقتصادية.

التدقيق والتحليل المعمق في المشهد العملياتي للساعات الـ 48 الماضية، يكشف بوضوح أن المقاومة الإسلامية أدارت المعركة بكثافة نارية غير مسبوقة اتسمت بالدقة العالية والتركيز الشديد على حشود القوات البرية وآليات الهندسة الصهيونية المتوغلة، من خلال (36) عمليّة نوعيّة موثقة، حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

ووفقًا للمعطيات الميدانية؛ فقد تجلت هذه الإدارة في 4 مسارات مترابطة؛ أولها هندسة الميدان والكمائن الاحترافية، حيث برز تفجير العبوات الناسفة كعائقٍ بنيوي حاسم شل حركة قوات ما يُسمى “النخبة” الصهيونية، وتمثّل ذلك بإحباط محاولة تسلل راجلة نحو مضخة مياه بلدة “الطيبة” عبر تفجير عبوة موجهة أعقبتها رمايات مدفعية مركزة، ما أجبر القوة المتسللة على الانكفاء السريع وسحب جرحاها وقتلاها تحت غطاء كثيف من الدخان، بالتوازي مع اصطياد جرافتين عسكريتين من طراز “دي9” بعبوات مدمرة أثناء محاولتهما التوغل بين بلدتي “رشاف وحدّاثا”.

أمّا المسار الثاني؛ فتمثل في الاعتماد المكثف على تكتيك الأسراب والمحلّقات الانقضاضية (FPV) التي لاحقت التجمعات البشرية والآليات المدرعة من نوع “ميركافا” وناقلات الجند “نميرا” في محاور “الخيام، ورشاف، والبياضة، والناقورة، ودير سريان”، محققةً إصابات قاتلة ومباشرة.

وحل ثالثًا تفعيل منظومات الدفاع الجوي “أرض – جو” التي تصدّت مرارًا للطائرات الحربية والمروحية والمسيّرة في أجواء “البياضة” جنوبي لبنان وأجبرتها على الفرار، ليأتي مسار الردع الاستراتيجي رابعًا عبر توسيع بيكار القصف -زيادة نطاق أو مساحة العمليات العسكرية- باتجاه ثكنة ليمان ومقر قيادة اللواء 300 الإقليمي، وصولاً إلى دك ثكنة في “كريات شمونة” بأسرابٍ من المسيّرات الانقضاضية كردٍّ مباشر وحتمي على استهداف المدنيين على خط الساحل.

في المقابل، عكس السلوك العسكري الصهيوني عجزًا تكتيكيًّا ومحاولة بائسة لتعويض الفشل البري عبر انتهاج سياسة الأرض المحروقة؛ حيث شن الطيران الحربي والمسيّر غارات وحشية طالت أكثر من 40 بلدة وقرية في أقضية “صور والنبطية وبنت جبيل” في محاولةٍ يائسة لكسر الحاضنة الشعبية للمقاومة.

وتزامن ذلك مع قصف مدفعي عنيف وغير مسبوق طال البلدات المتاخمة لخطوط التماس، تخلله استخدام محرم دوليًّا للقذائف الفوسفورية الحارقة في بلدة” زوطر الشرقية”، بينما تركز النشاط البري الفاشل على محاور “البياضة – الناقورة”، و”رشاف – حدّاثا”، و”الخيام”، و”الطيبة – العديسة”، بالاعتماد الكلي على الجرافات الثقيلة وآليات الحفر “بوكلين” لتدمير البنى التحتية والمنازل السكنية، تنفيذًا للاستراتيجية التي أعلنها وزير الحرب الصهيوني المجرم “كاتس” جهارًا بأن هدف المرحلة هو “تدمير منازل الخط الأول”.

وبناءً على هذه المعطيات، يظهر التفوق الاستخباراتي الميداني والمرونة التكتيكية للمقاومة الإسلامية في أرقى مستوياتها، من خلال الرصد المسبق لآليات العدو والتتبع الدقيق لمسارات تقدمه، ناهيك عن الاعتماد الذكي على المحلّقات الانقضاضية كأداةٍ لا مركزية فعالة تتجاوز بنجاح منظومات التشويش والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي الصهيونية، محققةً إصابات دقيقة في أكثر النقاط تدريعًا وتحصينًا لدى العدو، فضلاً عن النجاح في ربط النزاع التكتيكي بقواعد الاشتباك الصارمة، بحسب مراقبين.

وفي المقابل، يعاني جيش الاحتلال من عقمٍ تكتيكي مطبق؛ إذ يعتمد كليًّا على القوة النارية المفرطة للتعويض عن عجزه في تثبيت وتأمين نقاط سيطرته البرية، ما جعل قواته الراجلة والمدرعة في حالة انكشافٍ تام، تدفعها للتحرك الحذر تحت جنح الظلام أو التستر خلف الآليات الهندسية، والانسحاب المذعور والمحموم بواسطة المروحيات فور الوقوع في كمائن المقاومة، ما دفع قيادة العدو لتبني حلول بدائية ومضحكة في آن، كاستيراد وتوزيع نحو 158 ألف متر مربع من الشباك السلكية والمعدنية لحماية التجمعات والجنود من ضربات المسيرات التكتيكية.

وفي سياق هذا التخبط العملياتي، جاء إعلان جيش الاحتلال عن تحويل المنطقة الخلفية الملاصقة لخطوط الجبهة في قطاع “أخزيف – رأس الناقورة” بعمق 5 كيلومترات إلى منطقة عسكرية مغلقة ليطرح دلالات عسكرية بالغة الأهمية؛ فهذا الإجراء يمثل مؤشرًا عمليًّا وقويًّا على التحضير لخطوات هجومية أو لوجستية كبرى.

ومن منظور التكتيك العسكري؛ فيمكن تفسيرها بالسعي لإنشاء مناطق حشد وتجمع آمنة خلف خطوط التماس لاستقدام ألوية جديدة وتخزين الذخائر بعيدًا عن أعين المستوطنين لمنع تسريب صور الحشود، ومحاولة بائسة لكسر حالة الاستعصاء الميداني في محور “الناقورة – البياضة” بعد تعرض قوات “الفرقة 146” احتياط واللواء “300” لاستنزافٍ شديد وفقدانها للزخم الهجومي، ما جعل العدو بحاجة لضخ دماء جديدة تحدث اختراقًا نحو الساحل اللبناني، وهو ما تدركه المقاومة من خلال تتبعها لتفاصيل أمدادات العدو من الحافة الأمامية وخارجها.

ويرى مراقبون أن الإغلاق يهدف إلى التغطية على العمليات المعقدة والخطيرة لتبديل القوات المنهكة لحمايتها من نيران المقاومة، فضلاً عن احتمال التحضير لعمليات مشتركة برية – بحرية بالتنسيق مع الزوارق الحربية لتأمين تقدم الدروع.

غير أن هذا الإجراء الصهيوني، وبالرغم مما يوحي به من نوايا لتوسيع العدوان، يحمل في طياته فخًا مميتًا للقوات إذا ما قُرئ من منظور التقدير العملياتي المعاكس للمقاومة؛ فحشر قوات جديدة وآليات ومراكز قيادة في بقعة جغرافية ضيقة ومكشوفة مثل “أخزيف – ليمان – الناقورة” سيخلق فورًا بنك أهداف دسم ومجمّع، لأسراب مسيّرات المقاومة وصواريخها الثقيلة ذات القدرة التدميرية الهائلة كـ “بركان” و”جهاد”، وهو ما تبرهن عمليًّا باستهداف ثكنة ليمان بعمليات دقيقة.

كما أن هذا الإجراء لن يفلح في إعماء المقاومة التي أثبتت امتلاكها لسيطرة بصرية ونارية كاملة، عبر الرصد البشري، وطائرات الاستطلاع، والنيران الموجهة، على طول المحور الساحلي، ما يعني أن أيّ حشود جديدة ستكون مستنسخة للفشل السابق ولن تحل معضلة المحلقات والعبوات، وإنّما ستضع المزيد من جنود الاحتلال في منطقة قتل محققة أثبتت المقاومة علو كعبها في السيطرة عليها وتدمير القوات الوافدة إليها.

وبالتالي؛ فإنّ الأزمة العسكرية المستعصية للعدو الإسرائيلي تتجذّر في عجزه المطلق عن تحييد سلاح المحلّقات التكتيكية للمقاومة، والتي تحولت إلى كابوسٍ حقيقي يحيل “الميركافا والنميرا” إلى أهداف طيعة، وتجلى هذا العجز الفاضح في نقل مسؤولية التعامل مع هذا التهديد من القوات البرية المذعورة إلى سلاح الجو دون جدوى، واللجوء لشباك الأسلاك البدائية.

ويكتمل مشهد الإخفاق الصهيوني بالشهادات الصادمة الصادرة عن جنرالات ومحللي العدو؛ حيث أقرت قناة “كان” الصهيونية بالورطة قائلة: إنّ “حزب الله الذي زعموا أنه ضعيف يجر” الكيان إلى “حرب لا يعرف أحد كيف ينهيها”، بينما أكّدت الملازمة “س” (قائدة سرية في لواء غيفعاتي) خطورة وتطور تكنولوجيا المحلقات المتفجرة للمقاومة وتأثيرها القاتل، في حين اعتبر المحلل العسكري لصحيفة “إسرائيل هيوم” “يوآف ليمور” أن الضرر القاسي في الشمال يمثل ضربة استراتيجية صعبة وإنجازًا هائلاً للمقاومة.

وجاء اعتراف القناة الـ 12 الصهيونية ليكشف عن حجم الإحباط والنزيف الداخلي بقوات الكيان معلنًا مصرع 7 و34 جريحًا بحالةٍ خطيرة ومتوسطة منذ بدء التهدئة المزعومة، بينما أكّد مصدر أمني صهيوني لصحيفة “معاريف” العبرية أن هذا اليوم هو “أعنف يوم قتال بفعل تكثيف المقاومة لنيرانها وشدتها وأهدافها”.

وفي خلاصة المشهد والتقدير العام؛ فإنّ المقاومة الإسلامية في لبنان نجحت بالحديد والنار والدم والميدان في إسقاط الأوهام الصهيونية والأمريكية التي حاولت فرض وقائع سياسية أو تمرير نموذج تجريبي لنزع السلاح، تحت وطأة الضغط العسكري؛ فالعدو بات عالقًا في مأزقٍ مركب وشديد التعقيد، بين مقتلة استنزاف يومية لقواته البرية في الجنوب والتي قطفت مؤخرًا رأس الرقيب أول “نيغف داغان” وملأت مستشفيات الشمال بالجرحى، وبين جبهة داخلية منهارة ومستوطنات تعيش تحت رحمة المسيّرات والصواريخ.

وبناءً على ذلك؛ فإنّ تقدير الموقف العملياتي يتجه نحو مواصلة المقاومة لسياسة التصعيد المدروس والمتدرج لرفع كلفة بقاء العدو في قرى الحافة الأمامية حتى تصبح فوق قدرته على الاحتمال، مع تثبيت معادلة حماية المدنيين، ورغم أن الاحتلال قد يلجأ للتدمير الجوي التعويضي والانتقامي، إلا أنه أضحى عاجزًا عسكريًّا عن تطوير مناورته البرية ومجبرًا على البحث عن مخارج سياسية تقيه حرب استنزاف تتفوق فيها المقاومة الإسلامية تكتيكيًّا واستراتيجيًّا بامتياز.