جوعى تحت راية الخيانة.. كيف تذل السعودية الجنود المرتزقة في الحدود مع اليمن؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
4 مايو 2026مـ – 17 ذو القعدة 1447هـ
تقريــر || عباس القاعدي
يقف المجندون اليمنيون المرتزقة خلف أسلاك شائكة صدئة بوجوه شاحبة وعيون غائرة لا يطلبون سوى الحصول على رواتبهم المنقطعة منذ أكثر من عام.
ويظهر شباب في مقاطع مصورة لا يتجاوزون التاسعة عشرة، يرتدون بدلات عسكرية ممزقة، ويقولون بأصوات مكلومة: ” لقد خدعنا من قبل السعودية، قاتلنا تحت رايتها، ودافعنا عن حدودها، والآن يتركوننا نموت جوعاً”، وخلف هذا الشباب زميله يجلس على الأرض، ورأسه بين ركبتيه، ويبكي بصمت.
وكتب أحد الجنود منشوراً مؤثراً على مواقع التواصل الاجتماعي: “أبي مريض. أمي تنتظر الدواء، كنت أقاتل لأجلهم، والآن أقاتل لأجل رابط جوع لا يرد.. أين العدل؟”
وتكشف المشاهد عن أعمق طبقة في المأساة، فهؤلاء الشباب لم يعودوا مقاتلين، ولا حتى متظاهرين، بقدر ما صاروا أشباحاً تائهة بين خيانة ارتكبوها وجوع يعاقبهم عليه من استأجرهم، فالتحول من “جندي مرتزق” إلى “إنسان يتسول راتبه” هو التحول الأكثر إيلاماً في هذا المشهد.
وفي زاوية أخرى من معسكر علب الحدودي، يعتاش ثلاثة أشقاء من محافظة الضالع على تمر جاف وجدوه في إحدى السيارات المهجورة.
ويروي الأخ الأكبر بصوت مبحوح: ” وعدنا براتب ألفي ريال سعودي، وأول شهر أخذناه، وبعدها صمت.. اتصلنا بقائدنا، قال لنا: اصبروا. نصبر على ماذا؟ على الموت جوعاً؟”.
الصورة الأكثر تأثيراً نشرها أحد المرتزقة، تظهر طفلاً لا يزيد عن الثانية عشرة، يرتدي سترة عسكرية ضخمة، يحمل بندقية أثقل من ذراعه، ومكتوب عليها التعليق التالي: “أخي الصغير. جندوه قبل أن يتعلم القراءة. اليوم ليس لديه حذاء ولا راتب”.
مصير حتمي للخيانة والارتهان
ويرى محافظ لحج الشيخ أحمد حمود جريب أن ما يحدث اليوم من تظاهرات واحتجاجات واسعة للمجندين المخدوعين في جبهات الحدود هو نتيجة لامتناع النظام السعودي عن دفع أجورهم، وهذا يمثل المصير الحتمي لكل من قرر أن يبيع كرامته وأن يرتهن لمشاريع قوى العدوان والاحتلال.
ويوضح المحافظ جريب في تصرح خاص لموقع “المسيرة نت” أن لجوء النظام السعودي إلى سياسة التجويع والإذلال بحق أدواته بعد انتهاء دورهم في الدفاع عن أراضيه يكشف الوجه القبيح لهذا العدوان الذي يتعامل مع اليمنيين كوقود لمعاركه الخاسرة ثم يرمي بهم إلى رصيف الإهمال دون أدنى اعتبار لإنسانيتهم أو ما قدموه من خدمات دنيئة في سبيل حماية عرشه.
ويشير إلى أن هذه المشاهد المخزية التي تظهر المرتزقة وهم يتوسلون مستحقاتهم من أمام بوابات المعسكرات السعودية تعكس حالة السقوط الأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه قوى العدوان كما تبرهن للداخل والخارج أن الرهان على الغزاة هو رهان خاسر ومن يفرط في سيادة وطنه لا يمكن أن يجد التقدير من عدوه.
ويجدد المحافظ جريب دعوته الصادقة لجميع المخدوعين في صفوف العدوان بضرورة استغلال قرار العفو العام والعودة الصادقة إلى حضن الوطن وبين أهاليهم وإخوانهم بدلا من البقاء في حالة الذل والارتهان تحت رحمة نظام متغطرس لا يراهم إلا مجرد بنادق للإيجار تنتهي قيمتها بانتهاء الحاجة إليها.
خسة استراتيجية متعمدة
وفي قراءة لمسألة امتناع النظام السعودي عن دفع أجور مرتزقته المجندين في جبهات الحد الجنوبي، وما تلاه من مظاهرات احتجاجية قام بها هؤلاء المرتزقة أنفسهم، يؤكد الخبير العسكري زين العابدين عثمان، أن المرتزقة ليسوا مقاتلين، ولا متعاقدين، فهم مجرد أدوات رخيصة، مآلها الحتمي الإهمال بعد الاستهلاك.
ويضيف عثمان في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت” أن ما يحدث في صفوف المرتزقة في جبهات الجنوب يمثل انهياراً كاملاً لمنظومة “القوة البشرية المستأجرة”، موضحًا أنه عندما يتحول المرتزق من عنصر قتالي يشتبك بالميدان إلى عنصر متمرد يتظاهر في مؤخرة الجبهات، فإننا نكون أمام ظاهرة ميدانية تستحق الرصد الدقيق.
ويؤكد أن المرتزقة الذين راهنت عليهم السعودية ليكونوا دروعاً بشرية، تحولوا بفعل جشع مشغليهم إلى قوات مسحوقة خارج الاهتمام، واصبحوا عبء أمني في نظر النظام السعودي، الذي لم تتعامل يوماً مع هؤلاء المجندين كبشر، وإنما كأدوات وظيفية يتم الدفع بها في مسالخ الجبهات ليضحي بهم من أجل أن يدافع عن نفسه، مبينًا أن المرتزقة بالنسبة لآلة الحرب السعودية ليسوا سوى “مادة مستهلكة” تُستخدم حتى التلف، ثم تُرمى في أقرب مزبلة تاريخية دون أدنى التفات، وما نراه اليوم من امتناع عن دفع الأجور هو التطبيق العملي لهذه العقيدة.
ويبين أن النظام السعودي الذي أغرق المخازن الأمريكية والغربية بصفقات أسلحة بمئات المليارات، ينظر إلى المرتزقة المجندين كأدوات رخيصة، ليس لهم قيمة في الميزانية السعودية، مشيرًا إلى أن قيمة المرتزقة يجسدها السعوديون في مقولة: “قيمتكم في ميزانيتنا أقل من تكلفة قذيفة مدفع واحدة” وهذا لا يفسر كعجز مالي، بل خسة
وبحسب الخبير العسكري، فإن المظاهرات الاحتجاجية التي قام بها المرتزقة في جبهات الحد الجنوبي تُعد تتويجاً لعملية الاسترخاص المذلة، التي أجبرت المرتزقة الوقوف مكشوفين، في مواجهة أنفسهم وخيانتهم لوطنهم، حيث باعوا دماءهم، فلم يجدوا ثمناً، وقدموا أنفسهم أدوات، فتم استهلاكهم كأي أداة رخيصة انتهت صلاحيتها، وأصبحوا يشكلون أدوات تالفة تتحول إلى شهود إثبات على وحشية وجشع من يشغلهم ومن يقاتلون لأجلهم.
استغناء بعد فقدان الثقة
من جهته يؤكد الخبير الاقتصادي رشيد الحداد، أن السعودية استغنت عن أدواتها المحلية من المرتزقة الذين جندتهم لحماية حدودها بعد سنوات من الاذلال لهم، موضحًا أن هذا الاستغناء ليس الأول، فقد سبق أن سجنت قياداتهم.
ويوضح الحداد في تصريح خاص لموقع “المسيرة نت” أن الجديد في هذا الأمر أن الرياض فقدت الثقة بشكل كلي بهذه الأدوات بعد أن استعانت بباكستان، وهناك أنباء عن استبدال المرتزقة من اليمنيين بنحو ١٠٠ ألف باكستاني قد تدفع بهم اسلام آباد إلى السعودية بعد أن أبرمت الرياض معها اتفاق دفاع مشترك، مشيراً إلى أن الثقة انعدمت بين الطرفين، وأن السعودية لم يعد يهمها رسائل احتجاجات المرتزقة في منطقة علب، والتهديد بالانسحاب من جبهات الشريط الحدودي وترك المملكة تواجه مصيرها، لأن البديل الباكستانيون، ولكن كما تعاملت السعودية مع أولئك المرتزقة المغرر بهم بالاستغناء، سوف تستغني عن كل من باع وطنه بنفس الأسلوب.
