إلى أين يتجه لبنان في ظل صراع التفاوض والمقاومة؟

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
30 أبريل 2026مـ – 13 ذو القعدة 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

يسعى رئيس الدولة اللبنانية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى تكريس التطبيع المباشر مع الكيان الصهيوني بذريعة تحقيق السلام ووقف العدوان الصهيوني على لبنان، راميين بتضحيات المقاومة وصمود الشعب اللبناني عرض الحائط.

وفي تصريح حديث له، زعم الرئيس جوزيف عون أن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مؤيد له في التفاوض المباشر مع الكيان، ليرد الأخير على تلك المزاعم نافيًا ذلك، وواصفًا حديث عون بالضبابي والكاذب، مؤكدًا عدم السماح بتاتًا بالتفاوض المباشر مع الكيان الصهيوني.

في السياق، يؤكد الكاتب والباحث السياسي جواد سلهب أن الصمت الذي التزمه رئيس مجلس النواب نبيه بري خلال الفترة الأخيرة لم يكن دلالة على موافقة ضمنية على ما يقوم به رئيس الجمهورية أو الحكومة، وإنما يندرج في إطار صمت استراتيجي كان يتحرك من خلاله بالتنسيق مع دول عربية وبمقاربة مختلفة عمّا يطرحه كلٌّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يوضح سلهب أن بعض الأطراف فسّرت هذا الصمت، خصوصًا من داخل القصر الجمهوري في قصر بعبدا، على أنه تأييد للمسار القائم، قبل أن يتبيّن أن بري يعمل خارج هذا الإطار، مستندًا إلى تاريخه السياسي الحافل بالمقاومة، ومن ضمنه إسقاط اتفاق 17 أيار، ومواقفه المعلنة بعدم التخلي عن المقاومة أو الجنوب، مشددًا على أن بري، بما يمتلكه من خبرة وحنكة سياسية، قادر على مواجهة وإسقاط المسارات التي تسعى إليها الحكومة ورئيس الجمهورية.

يشير إلى أن المرحلة الأخيرة كانت مرشحة لعقد لقاء ثلاثي في بعبدا يضم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وبري، لا سيما عقب زيارة الموفد يزيد بن فرحان إلى لبنان، إلا أن الأمور اتجهت نحو التصعيد بدلًا من التهدئة، مؤكدًا أن تصريحات رئيس الجمهورية الأخيرة، التي تضمنت اتهامات مباشرة للمقاومة وحزب الله، جاءت متأثرة بمحيط من المستشارين، وأدت إلى رد فعل واضح من بري، الذي أعلن عدم عقد أي جلسات أو لقاءات مع رئاسة الجمهورية أو الحكومة قبل وقف إطلاق النار.

ووفقًا لسلهب، فإن موقف رئيس الدولة والحكومة والبرلمان يؤكد الانقسام الحاد بين هذه السلطات الثلاث، نتيجة تصرفات رئيس الدولة والحكومة التي تخرج عن مسار دستور الطائف، مؤكدًا أن هذا المسار يفتح الباب أمام نقاشات حول صياغة دستور جديد للبنان في المرحلة المقبلة.

ويعتبر رئيس البرلمان نبيه بري صمام أمان للبنان، لا سيما في ظل محاولات إقصاء مكونات أساسية في البلاد، مؤكدًا أن أي رهان على تغيير المعادلات الداخلية عبر الضغوط أو الخارج لن ينجح، وأن مستقبل الحكم في لبنان يرتبط بمن دافع عن الأرض وقدم التضحيات.

ويلفت إلى أن التجارب التاريخية، سواء في المنطقة أو أوروبا، تظهر أن الحكومات التي تتواطأ مع قوى خارجية يكون مصيرها الفشل، مؤكدًا أن لبنان لن يكون مستوطنة صهيونية أو تابعًا لأي قوة خارجية، وأن المعادلات الداخلية ستبقى محكومة بالتوازنات الوطنية القائمة.

بدوره، يؤكد مدير مركز دال للدراسات فيصل عبد الساتر أن مواقف رئيس الجمهورية اللبنانية، في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين والرأي العام، تتجاوز الضغوط والإملاءات الأمريكية، لتمثل قناعة لديه بإمكانية أن يؤدي التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي إلى وقف إطلاق النار، ووقف آلة القتل، ودفع العدو إلى الانسحاب من الأراضي التي توغل فيها.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يقول عبد الساتر: “إن هذه المقاربة تُطرح بمعزل عن الاعتبارات الدستورية والقانونية، بما في ذلك مخالفتها لقانون مقاطعة العدو الإسرائيلي”، محذرًا من أنها قد تُسهم في توسيع الشرخ بين رئيس الجمهورية وشرائح واسعة من اللبنانيين، لا تقتصر على بيئة مذهبية أو طائفية محددة، إنما تمتد إلى مختلف البيئات اللبنانية، بما يهدد النسيج الوطني ويؤدي إلى سجالات داخلية لا تفضي إلى توافق.

ويشدد على أن هذا التوجه قد يضع لبنان أمام أخطار حقيقية تصب في مصلحة العدو الإسرائيلي، خصوصًا في ظل غياب إجماع وطني حول خيار التفاوض المباشر.

ويضيف: “إن تذرع رئيس الجمهورية بأن الحرب لم تأتِ بشيء، واستخدامه تعبيرات تقلل من جدوى خيار المقاومة، هو موقف يمكن أن يصدر عن أطراف سياسية مختلفة، لكنه لا ينسجم مع موقع رئيس الجمهورية الذي يفترض أن يكون جامعًا لكل اللبنانيين، ويعمل على مدّ جسور التفاهم بينهم، حتى في حال امتلاكه قناعات مختلفة”.

ويلفت إلى أن رئيس الجمهورية يدرك محاذير هذا الطرح، لا سيما في ظل ما اعتبره إسهامًا من قبله ومن حكومته في كشف المقاومة أمام العدو الإسرائيلي، بوصفها فصيلًا غير شرعي وخارجًا عن الدولة، الأمر الذي منح العدو اليد الطولى في الاستمرار بعملياته العسكرية من قصف واغتيالات وتدمير للمنازل، رغم إعلان وقف إطلاق النار.

وفيما تحاول الحكومة والدولة اللبنانية الاستسلام والخنوع للعدو الإسرائيلي، تؤكد المقاومة الإسلامية في لبنان استمرارها في التصدي للاعتداءات الصهيونية، مؤكدة عدم السماح للكيان الصهيوني بالاعتداء السافر على البلد وانتهاك سيادته، حيث ترد بالعمليات العسكرية النوعية على كل خروقات العدو الإسرائيلي لوقف إطلاق النار.

وحول هذه الجزئية، يقول الخبير العسكري عمر معربوني: “إن دخول المحلّقات الانقضاضية على خط المعركة يشكّل مفاجأة عملياتية للعدو الصهيوني من شأنها تغيير المشهد بشكل كامل”، مشيرًا إلى أن مواصفات هذه الوسائط، ولا سيما صغر حجمها، تجعل من الصعب كشفها أو التعامل معها، بما يؤمّن لها عنصر الخفاء والمفاجأة في إصابة الأهداف.

ويوضح، في حديثه لقناة المسيرة، أن المحلّقات التي تعمل عبر الألياف البصرية (Fiber Optic) لا يمكن التشويش عليها أو إسقاطها أو السيطرة عليها، لافتًا إلى أن مداها يصل إلى نحو عشرة كيلومترات، ما يمنحها فعالية ميدانية عالية، مؤكدًا أن التراكم اليومي لاستخدامها في العمليات سيؤدي إلى حالة إحباط متزايدة لدى الجيش الصهيوني، نتيجة العجز عن حماية الجنود والمعدات.

ويلفت إلى أن الفارق بين هذه العمليات والعمليات التي سبقت تحرير عام 2000 يكمن في وتيرتها، إذ كانت العمليات سابقًا تتطلب وقتًا طويلًا للتحضير والتنفيذ، بينما بات بالإمكان اليوم تنفيذ عدد كبير من العمليات يوميًا، استنادًا إلى معطيات ميدانية ومعلومات استطلاعية متعددة المصادر، تشمل وسائل تقنية حديثة وعناصر ميدانية على تماس مباشر مع مواقع العدو.

ويشير إلى أن هذه المفاجأة العملياتية ستُحدث تراكمات قد تقود في لحظة معينة إلى انسحاب صهيوني كامل، معتبرًا أن ما يُطرح حول المنطقة العازلة أو “الخط الأصفر” أصبح بلا جدوى في ظل تطور هذه الوسائل.

ويبين أن ثمن المحلّقة الواحدة لا يتجاوز نحو 500 دولار، في حين أن فعاليتها قد تعادل تأثير وسائل عسكرية تصل كلفتها إلى مئات آلاف أو ملايين الدولارات، مشددًا على أن الهدف لا يقتصر على تدمير المعدات، بل يتعداه إلى إحداث حالة من الرعب النفسي لدى الجنود.

ووفقًا لمعربوني، فإن حالة “فوبيا الطنين” الناتجة عن الصوت الذي تصدره هذه المحلّقات أصبحت عاملًا مؤثرًا في إرباك الاستقرار الميداني الذي يُفترض تحقيقه في المناطق التي يعلنها العدو آمنة.

ويستحضر تحذيرات هيلاري كلينتون خلال مؤتمر عام 2007، والتي تناولت عوامل الديموغرافيا والعقيدة والتكنولوجيا، معتبرًا أن هذه العوامل باتت اليوم حاضرة بقوة، لا سيما مع امتلاك قوى المقاومة لتكنولوجيا متقدمة تُستخدم بكفاءة عالية.

ويشدد على أن هذه الوسائل لا يمكن لأي جيش في العالم إحباطها بشكل كامل، مستشهدًا بما يواجه الجيش الروسي من تحديات مماثلة، مؤكدًا أن هذه التقنيات تُربك منظومات القيادة والسيطرة وتؤدي إلى إخفاقات ميدانية.

من جهته، يؤكد الخبير في شؤون العدو الإسرائيلي علي حيدر أن المقاومة تمكنت من تسجيل مفاجأة استراتيجية وعملياتية وتكتيكية خلال المواجهة الجارية، مشيرًا إلى أن تطورات الميدان تعكس انقلابًا في التقديرات السابقة التي كانت تتوقع تراجعًا حادًا في قدراتها.

وفي حديثه لقناة المسيرة، يشدّد على أن الانطباع الذي ساد خلال نحو خمسة عشر شهرًا كان يفترض أن المقاومة تعيش حالة ضعف شديد، إلى درجة أن بعض التقديرات ذهبت إلى حد توقع انهيارها أو إمكانية إنهائها عبر حرب صهيونية خاطفة، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع.

ويلفت إلى أن هذا التصور لم يكن حكرًا على الجانب الصهيوني، وإنما تبنته أيضًا أطراف داخلية لبنانية، بما في ذلك شخصيات سياسية بنت خياراتها على أساس هذا التقدير، قبل أن تتغير المعادلات بفعل تطورات الميدان.

ويؤكد أن مبادرة المقاومة إلى الرد على الاعتداءات، وما حققته من أداء ميداني فعّال، شكّلت نقطة تحول أدت إلى إعادة صياغة التقديرات الإسرائيلية والدولية بشأن قدراتها العسكرية والعملياتية، موضحًا أن تصريحات قادة العدو الإسرائيلي تعكس حجم الإرباك الذي تواجهه المؤسسة العسكرية، لافتًا إلى أن قائد المنطقة الشمالية سبق أن تحدث عن وقوع حزب الله في فخ استراتيجي، قبل أن يعود لاحقًا ليقر بأن التقديرات الإسرائيلية لم تكن دقيقة، وأن طبيعة المواجهة أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

ويلفت إلى أن القيادات العسكرية الصهيونية باتت تتحدث عن الحاجة إلى مسار طويل الأمد للتعامل مع حزب الله، في مؤشر على تحول جوهري في تقييمها لطبيعة الصراع وإطاره الزمني، مشددًا على أن الأداء التكتيكي للمقاومة يشكل عنصر مفاجأة بارزًا، من خلال تطوير أساليبها ومواءمة أدواتها مع المتغيرات الميدانية والسياسية، بما يعكس مرونة عملياتية في إدارة المواجهة.

ويضيف: “إن أرقامًا عبرية، استنادًا إلى ما يُنقل عن وزارة الصحة الصهيونية، تشير إلى معدل إصابات يصل إلى نحو 16 جنديًا يوميًا في فترات ما بعد إعلان وقف إطلاق النار، ما يعكس استمرار حالة الاستنزاف الميداني”.

وخلص إلى أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس اتجاهًا تصاعديًا في فعالية المقاومة، بما يشير إلى مسار العمليات ونتائجها المحتملة على المدى المقبل في ساحة المواجهة.