قصة النظام الأمني في خليج البترو دولار
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 أبريل 2026مـ – 8 ذو القعدة 1447هـ
تحليل | أنس القاضي
تشكل النظام الأمني في منطقة الخليج لضبط تدفقات الطاقة، وتأمين استقرار الأسواق، وحماية شروط إعادة إنتاج الهيمنة الغربية على الاقتصاد العالمي، خصوصاً وقد ربطت الولايات المتحدة الأمريكية مصير الدولار بالبترول، إذ ألزمت دول العالم بشراء البترول بالدولار، وهكذا تستمر مطابع الورق الأمريكية في خلق الثروة!
تُظهر التطورات الأخيرة أن هذه الوظيفة الأمنية الاقتصادية لم تعد تُؤدّى بالكفاءة السابقة، وأن النظام الأمني الذي صُمّم لضبط المخاطر بات عاجزاً عن التعاطي معها، ما يضع دول الخليج أمام مأزق بنيوي لم يشهده من قبل.
النظام الأمني الخليجي أداة ضبط التدفقات
تَشَكَّل النظام الأمني في الخليج منذ سبعينيات القرن العشرين ضمن سياق إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بعد صدمة النفط في السبعينيات، حيث ربطت الولايات المتحدة أمن المنطقة مباشرة بأمن الطاقة، ولم يكن هذا الربط مجرد توجّه في السياسة الخارجية، بل جزءاً من إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي على أسس محددة، شملت ضمان تدفق النفط بأسعار يمكن التحكم فيها، وتثبيت الدولار كعملة مركزية في تسعير الطاقة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها التجارة العالمية.
في هذا الإطار، لم تُبنَ المنظومة الأمنية كتحالف دفاعي متكافئ بين أطراف مستقلة، بل كترتيب وظيفي يخدم المعسكر الإمبريالي، حيث تمركز الوجود العسكري الأمريكي بشكل مباشر عبر قواعد وبنى عملياتية تسمح بالتدخل السريع، بالتوازي مع دمج أشباه “الجيوش الخليجية” في منظومة تسليح وتكنولوجيا غربية حدّت من استقلالها الدفاعي، كما جرى ربط الأمن بالبنية الاقتصادية العالمية، بحيث أصبح استقرار هذه الدول جزءاً من استقرار السوق الدولية المسيطَر عليها صهيونياً.
بذلك، أدّى النظام الأمني وظيفة مزدوجة تمثلت في ضمان تدفق الطاقة من منطقة الخليج إلى الغرب والدول الصناعية الآسيوية دون اضطراب، وفي منع تشكّل قوى إقليمية قادرة على التأثير في هذه التدفقات أو تعطيلها، ومواجهة الحركات الوطنية والتحررية الشعبية التي سعت لفرض سيادتها على أرضها ومياهها في منطقة الخليج والبحر العربي والبحر الأحمر، بما في ذلك مواجهة الثورة الإيرانية 1979م، وهو ما جعل التواجد العسكري الأمريكي في الخليج جزءاً من آلية هيمنة استعمارية أوسع لإدارة التوازنات داخل النظام العالمي، لا إطاراً لحماية دول المنطقة كما يدّعون.
حدود الوظيفة الأمنية
استند هذا النظام إلى جملة من الافتراضات الضمنية التي استمر العمل بها لعقود، تمثّلت في الإيهام بقدرة التفوق العسكري الأمريكي على ردع أي تهديد محتمل، وإمكانية احتواء الصراعات والثورات والحركات التحررية ضمن نطاقات جغرافية محدودة يمكن التحكم بها، مع بقاء دول الخليج في موقع المتلقي للحماية دون الحاجة إلى تطوير استقلال أمني واسع. لم تكن هذه الافتراضات مجرد تقديرات ظرفية، بل شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه هندسة الأمن في المنطقة، وحددت حدود الفعل الممكن لكل طرف داخلها.
غير أن هذه الركائز حملت في داخلها عناصر هشاشة بنيوية، ارتبط الأمن بعامل خارجي واحد، ما جعل استقراره مرهوناً بإرادة هذا الفاعل وقدرته على الاستمرار في أداء دوره، كما أدّى الاعتماد الطويل إلى إضعاف القدرة الذاتية للدول الخليجية على التعامل مع تهديدات مركّبة ومتغيرة. في الوقت ذاته، تجاهل هذا التصور التحولات التي طرأت على طبيعة الصراع، حيث انتقل تدريجياً من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استهداف البنية الاقتصادية الحيوية، بما يشمل الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
في ضوء ذلك، لم يكن النظام الأمني مستقراً بالمعنى الفعلي، بل حافظ على تماسكه الظاهري من خلال تأجيل تناقضاته الداخلية، إلى أن ظهرت هذه التناقضات بشكل مباشر مع تغير بيئة الصراع وتعقّدها.
تراجع القدرة على أداء الوظيفة الأمنية
كشفت التطورات الأخيرة أن النظام الأمني في الخليج لم يعد قادراً على أداء وظيفته الأساسية، والمتمثلة في ضمان تدفق الطاقة دون اضطراب مؤثر، ولم يعد الخلل محصوراً في مستوى الحماية أو كفاءة الوسائل، بل ظهر في طبيعة التهديد نفسه، الذي اتجه نحو استهداف نقاط الارتكاز داخل البنية الاقتصادية، بما يشمل منشآت الإنتاج، والممرات البحرية، والبنية اللوجستية المرتبطة بالتصدير.
في هذا السياق، فقدت أدوات الردع التقليدي قدرتها على منع التعطيل، لأن نمط التهديد لم يعد يتطلب تفوقاً عسكرياً شاملاً، بل قدرة على التأثير في عقد حساسة داخل النظام الاقتصادي، بحيث يكفي إرباك جزء من هذه البنية لإحداث أثر واسع يتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر، أدى ذلك إلى انتقال مركز الثقل من المواجهة العسكرية إلى قابلية النظام الاقتصادي للتأثر، وهو ما حدّ من فعالية المنظومات الدفاعية القائمة.
في الوقت ذاته، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على تقديم ضمانة شاملة كما في السابق، لا نتيجة تراجع في القوة بحد ذاتها، بل نتيجة ارتفاع كلفة حماية منظومة مترابطة عالمياً، حيث يؤدي أي تصعيد واسع إلى انعكاسات اقتصادية تطال مختلف الأطراف، بما في ذلك المركز نفسه. ضمن هذه المعادلة، لم يعد ممكناً الفصل بين الأمن والاقتصاد، وأصبح ضبط التدفقات أكثر تعقيداً من القدرة على حمايتها بالقوة العسكرية وحدها.
مأزق الأمن لدى دول الخليج
أدّى تراجع قدرة النظام الأمني على أداء وظيفته إلى وضع دول الخليج أمام معضلة مركّبة، حيث لا تستطيع الاستغناء عن الضمانة الأمريكية بوصفها الركيزة الأساسية لبنيتها الأمنية، وفي الوقت ذاته لم يعد ممكناً الاعتماد عليها بصورة كاملة كما في السابق. ينشأ هذا المأزق من التناقض بين موقع هذه الدول داخل النظام العالمي ووظيفتها الاقتصادية، إذ يعتمد استقرارها الداخلي على استمرارية تدفقات الطاقة، بينما أصبحت هذه التدفقات نفسها عرضة للاضطراب والاستهداف.
في هذا السياق، لم يعد الأمن يُختزل في البعد العسكري، بل اتّسع ليشمل استمرارية الإنتاج والتصدير، واستقرار الأسواق المرتبطة بهما، وتجنّب تحوّل المجال الجغرافي للدولة إلى ساحة صراع مفتوح. بذلك، أصبح الحفاظ على الوظيفة الاقتصادية جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن، لا نتيجة لاحقة له.
استجابةً لهذه المعادلة، تتجه السياسات الخليجية نحو تقليل مستويات التبعية بدلاً من السعي إلى تحقيق استقلال عسكري، كما تركّز على إدارة المخاطر والتحكّم في آثارها بدلاً من محاولة إزالتها بالكامل، وهو ما يعني انتقالاً من منطق الحسم إلى منطق التكيّف مع بيئة تتسم بارتفاع درجة عدم اليقين.
تحوّل البيئة الإقليمية وصعود فاعلين مؤثرين
أدّى تراجع قدرة النظام الأمني على الضبط المركزي إلى تغيّر طبيعة البيئة الإقليمية التي يتحرك فيها الخليج، حيث لم يعد المجال خاضعاً لهيمنة طرف واحد قادر على التحكم بمساراته، بل أصبح فضاءً تتوزع فيه القدرة على التأثير بين عدة فاعلين. برزت في هذا السياق قوى إقليمية -خصوصا إيران- تمتلك أدوات تمكّنها من التأثير في الممرات الحيوية والبنية الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، ما حدّ من قدرة أي فاعل خارجي على فرض سيطرة كاملة أو ضمان استقرار مستمر.
لا يشير هذا التحول إلى انتقال نحو هيمنة بديلة، بل إلى إعادة تشكيل معادلة القوة بحيث تصبح القدرة على التعطيل عاملاً أساسياً فيها، وهو ما يرفع من مستوى التعقيد داخل البيئة الأمنية، ويجعلها أقل قابلية للضبط عبر الأدوات التقليدية، وأكثر عرضة لتقلبات ناتجة عن تداخل المصالح وتعدد مراكز التأثير.
البحث عن خيارات أمنية مكمّلة
في مواجهة هذا الواقع، اتجهت دول الخليج إلى توسيع نطاق خياراتها الأمنية، ليس بهدف استبدال الولايات المتحدة كضامن رئيسي، بل لتقليل درجة الاعتماد الأحادي عليها إذ لا تزال دول الخليج جزءاً من المنظومة العربية، مرتبطة معها بتبعية اقتصادية تقنية عسكرية شاملة. يظهر هذا التوجه في تعميق العلاقات مع قوى دولية أخرى، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، وفي الحفاظ على قنوات اتصال مع الفاعلين الإقليميين بهدف تقليل احتمالات التصعيد، إضافة إلى تطوير بعض القدرات الدفاعية المحلية، لا سيما في مجالات الحماية الجوية وتأمين البنية التحتية الحيوية.
مع ذلك، تبقى هذه الخيارات ضمن حدود الدور المكمّل، إذ لا تزال البنية العسكرية والاقتصادية لهذه الدول مرتبطة بالنظام الغربي، ما يقيّد إمكانية التحول نحو بدائل مستقلة، لذلك لا يعكس هذا المسار خروجاً من المنظومة القائمة، بل محاولة لإعادة توزيع المخاطر داخلها، وتعزيز القدرة على المناورة ضمن حدودها.
التحولات في سياق التعددية القطبية
تتزامن هذه التحولات مع تغير أعمق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد الهيمنة مركزة بصورة كاملة كما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لكنها في الوقت ذاته لم تتفكك إلى حد إنتاج نظام بديل مستقر. يتراجع مستوى القدرة على الضبط الشامل، دون أن يختفي مركز الثقل الذي يستند إليه النظام العالمي، ما يخلق وضعاً انتقالياً تتعايش فيه ملامح الاستمرارية مع مؤشرات التحول.
في هذا السياق، برزت قوى دولية صاعدة كفاعلين مؤثرين، مستفيدة من اتساع وزنها الاقتصادي والتجاري، وقدرتها على بناء شبكات علاقات واسعة مع الأطراف، لكنها تتجنب في الوقت ذاته الانخراط الكامل في تحمل أعباء النظام الأمني العالمي، سواء من حيث الكلفة العسكرية أو الالتزامات الاستراتيجية بعيدة المدى. لذلك، يظل دورها محكوماً بمنطق الاستفادة من النظام القائم وتوسيع الحضور داخله، دون السعي إلى إعادة بنائه من موقع بديل يتحمل مسؤولياته الشاملة.
ينتج عن هذا التداخل نمط من التعددية القطبية غير المستقرة، حيث تتوزع القدرة على التأثير بين عدة مراكز دون أن يتبلور مركز بديل قادر على فرض قواعد مستقرة أو إدارة التنافس ضمن إطار واضح. يستمر الاعتماد على البنية الاقتصادية العالمية نفسها، بما تحمله من ترابط في الأسواق والتدفقات المالية والتكنولوجية، بينما يتصاعد التنافس بين القوى المختلفة في ظل غياب آليات حاسمة لتنظيمه، ما يجعل البيئة الدولية أكثر عرضة للاهتزازات.
في هذا الإطار، لا يقود تنويع العلاقات إلى استقلال استراتيجي بالمعنى الفعلي، لأن هذا التنويع يجري داخل نفس البنية العالمية التي تحدد شروط الحركة وحدودها، بل يؤدي إلى إعادة توزيع الاعتماد بين أطراف متعددة، بما يوسع هامش المناورة دون أن يغيّر الموقع البنيوي. بذلك، تتحول السياسة الخارجية إلى أداة لإدارة الموقع داخل نظام معقد ومتداخل، لا وسيلة للخروج منه أو إعادة تشكيله جذرياً.
الاتجاه العام
تشير المعطيات إلى أن النظام الأمني في الخليج ينتقل من مرحلة الضبط المركزي لتدفقات الطاقة إلى مرحلة التعامل مع اضطراب هذه التدفقات، نتيجة تراجع قدرة الفاعل المهيمن على تقديم ضمانة شاملة، بالتوازي مع صعود قدرات إقليمية قادرة على التأثير في البنية الاقتصادية الحيوية. في هذا الإطار، يتعمق مأزق الأمن لدى دول الخليج، حيث تظل مرتبطة بالولايات المتحدة كضامن رئيسي، لكنها تسعى إلى تقليل الاعتماد عليها عبر توسيع خياراتها، دون أن تتمكن من بناء بديل مستقل.
يتزامن ذلك مع تشكل تعددية قطبية غير مستقرة، لا تنتج نظاماً بديلاً بقدر ما تعيد توزيع الأدوار داخل النظام القائم، وهو ما يجعل مسار التحولات مفتوحاً على احتمالات متعددة دون أن يقود إلى استقرار واضح. بناءً على ذلك، لا يتجه الخليج نحو نظام أمني جديد مستقر، بل نحو نمط يقوم على التكيف المستمر مع بيئة متغيرة، حيث يصبح الأمن عملية إدارة دائمة للمخاطر، لا قدرة على إنهائها.
خاتمة
تكشف التحولات الراهنة أن النظام الأمني في الخليج لم يفقد أهميته بوصفه إطاراً منظماً للعلاقات الأمنية، لكنه فقد قدرته على أداء الوظيفة التي صُمّم من أجلها، والمتمثلة في ضمان الاستقرار عبر الضبط المركزي. لم يعد هذا النظام قادراً على منع الاضطرابات، بل أصبح جزءاً من منظومة تتعامل مع عدم الاستقرار كحالة ممتدة.
في ظل هذه المعطيات، تتحرك دول الخليج ضمن هامش محدود، تحاول من خلاله التوفيق بين متطلبات النظام العالمي وضغوط البيئة الإقليمية، مع السعي إلى توسيع أدواتها دون القدرة على إعادة تشكيل موقعها البنيوي بشكل جذري، ما يجعل مستقبل الأمن في المنطقة مرتبطاً بقدرتها على التكيّف، لا بقدرتها على الحسم.
