الفشل الذريع لواشنطن: الحرب لم تجلب النصر.. والسياسة لم تنقذ الهزيمة

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 أبريل 2026مـ – 24 شوال 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

تشهد المنطقة اليوم منعطفاً جيوسياسياً هو الأخطر منذ عقود، حيث انتهت المفاوضات الإيرانية الأمريكية القائمة على “الشروط الإيرانية العشرة”، والتي انطلقت الأربعاء الماضي (8 أبريل) بعد الإعلان عن وقف العدوان الصهيو-أمريكي على إيران، بوساطة باكستانية.

المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام أباد وحضور وفدي التفاوض الإيراني والأمريكي تعتبر إقراراً واضحا وصريحا من واشنطن والكيان الصهيوني بفشل مغامرتهما العسكرية التي استمرت قرابة سبعة وأربعين عاماً من الصراع المستتر والمعلن، وصولاً إلى جولة الـ 40 يوماً الأخيرة التي أعادت صياغة موازين القوى.

ووفق خبراء ومحللين سياسيين فالمنطقة دخلت الآن مرحلة الاشتباك السياسي المعقد، حيث تحاول الولايات المتحدة -عبر طاولات التفاوض- انتزاع ما عجزت عن تحقيقه في الميدان، مستخدمةً سلاح الضغوط الاقتصادية والالتفاف الدبلوماسي.

وفي المقابل، فإن محور المقاومة أكثر تماسكاً وفرضاً لإرادته، وفي حلا عادت العمليات العسكرية فلدى إيران والمحور الكثير من أوراق الضغط الكفيلة بانتزاع الحقوق كاملة، وبالتالي بالأوضاع تتجه نحو الاعتراف الدولي الصريح بانتصار المحور أو استكمال “العربدة” الأمريكية، في ظل ارتباك واضح لحلفاء واشنطن التقليديين الذين يراقبون المشهد بصمت الحاضر الغائب.

وحدة الساحات
وفي هذا السياق، يرى عضو المكتب السياسي لأنصارالله عبدالله النعمي أن مجرد القبول الأمريكي بالتفاوض وفق الشروط الإيرانية هو اعتراف صريح بالهزيمة العسكرية، واصفاً السلوك الأمريكي بـ “الثعلب” الذي يراوغ للتهرب من استحقاقات الفشل الذريع.

ويؤكد النعمي -في حديث خاص لموقع أنصارالله- أن واشنطن، بعد أن منيت بخسائر تاريخية ولم تحقق هدفاً واحداً، تحاول الآن التلاعب بالاتفاق عبر محاولة عزل حلفاء طهران في المنطقة، مشددا على أن عصر العربدة الأمريكية قد ولى، وأن أي محاولة للاستفراد بالشعب اللبناني أو قوى المقاومة ستواجه برد حازم.

ويشير إلى أن الاستسلام الأمريكي للشروط العشرة هو المخرج الوحيد المتاح أمامها لتجنب الانهيار الكامل، محذراً في الوقت ذاته من أن التهاون في تطبيق بنود الاتفاق سيعيد واشنطن إلى غيها، وهو ما لن يسمح المحور به، الذي يراقب التنفيذ بجهوزية قتالية عالية.

ما تلنه واشنطن بالحرب لن تحصل عليه بالسياسة
ويمثل الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى طاولة المفاوضات مرحلة جس نبضِ استراتيجيةِ القوى، حيث تسعى القوى الكبرى لترميم انكساراتها الميدانية بغطاء دبلوماسي، وسط غياب تام لفاعلية المؤسسات الدولية والوساطات العربية التقليدية.

وهو ما يذهب إليه الكاتب والباحث السياسي سفيان العماري الذي يصف المرحلة الحالية بأنها مرحلة مؤقتة ما بين حربين، مؤكداً أن الهوة الشاسعة بين المطالب الإيرانية السيادية والمناورات الأمريكية، المدفوعة بدور تخريبي صهيوني يقوده نتنياهو، تُعقِّد الوصول إلى حلول ناجزة.

وفي حديثه لموقع أنصارالله يؤكد العماري أن الولايات المتحدة تحاول ‘عبر الضغوط السياسية والاقتصادية والتحشيد العسكري المستمر- الالتفافَ على واقع الهزيمة، خاصة في ملفات حيوية كمضيق هرمز.

ويشير إلى أن قصر مدة المفاوضات لا يكفي لحل صراع ممتد لعقود، ما يجعل العودة إلى “أرض المعركة” مسألة أكيدة في ظل فقدان واشنطن للأمل في تحقيق مكاسب سياسية، واستمرار حالة الارتباك لدى حلفائها العرب الذين باتوا خارج معادلة التأثير في الصراع المباشر بين القطبين.

الجهوزية العسكرية كضامن للاتفاق
ويعد صمود قواعد الاشتباك التي فرضها محور المقاومة خلال الأربعين يوماً الماضية، وتحويل التهديد الوجودي من طهران وحلفائها إلى قلب الكيان الصهيوني ودول الخليج الذين باتوا يدركون جيدا أن المظلة الأمريكية لم تعد كافية لتوفير الأمان لهم.

وفي هذا الإطار، يرى مدير إذاعة “سام إف إم” حمود شرف، أن القبول الأمريكي بشرط “عدم المساس بدول المحور” مؤشر حاسم على تقييد هامش الحركة الاستراتيجية للاحتلال، ما يضعه في حالة “حصار شامل” تمهد لزواله.

وفي حديثه لموقع أنصارالله يرى شرف أن التصعيد الصهيوني الحالي ضد لبنان هو محاولة بائسة لاستعادة الردع المفقود، لكنه يصطدم بجدار “وحدة الساحات”؛ حيث لن تسمح إيران والمحور بالاستفراد بأي حليف.

ويؤكد شرف أن الضمانة الوحيدة لعدم الالتفاف الأمريكي على الاتفاق تكمن في الآليات العملية المتمثلة في ترسيخ معادلات الردع الميداني، ومتابعة التنفيذ بدقة، والجاهزية التامة للرد العسكري القاسي عند أي خرق، مشدداً على أن ميزان القوة الواقعي هو الكفيل بحماية المكتسبات السياسية المحققة.

فجر إقليمي بلا وصاية
أمام الصمود الإيراني في الميداني العسكري والسياسي فإن الجغرافيا السياسية للمنطقة لم تعد تُرسم في أروقة البيت الأبيض، وإنما في ميادين المواجهة الممتدة من صنعاء إلى بيروت وصولاً إلى طهران.

ويعتبر الرهان الأمريكي على الزمن لفك ارتباط دول المحور رهاناً خاسراً أمام صلابة الشروط العشرة التي وضعت حداً فاصلاً بين مرحلة الهيمنة القطبية ومرحلة التعددية الإقليمية السيادية.

ومع تعثر الدور الأممي وتهميش القوى الإقليمية “الحاضرة الغائبة”، تبرز الوساطة الباكستانية كبديل وظيفي نجح في لجم فتيل الانفجار الشامل، لكنه لم يطفئ نيران الصراع المتجذرة.

وتمثل الأيام القادمة اختبار نضج للمشروع المقاوم في تحويل النصر العسكري إلى واقع سياسي مستدام، فإما أن تخضع واشنطن لمرارة الواقع وتنهي عربدتها، وإما أن تختار الانتحار العسكري على أسوار المحور الذي أثبت في أربعينية الصمود أنه قادر على إعادة صياغة التاريخ، وإجبار العدو على الرضوخ لشروط الميدان التي لا تقبل القسمة على اثنين.