مشاغلة العالم بالحروب ونشر الصراعات.. أمريكا أضعف من أي وقت مضى
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 أبريل 2026مـ – 23 شوال 1447هـ
تقرير || وديع العبسي
مع بواكير العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية والرد الإسلامي، أكدت طهران أنها قد أعدت نفسها ليوم أسود، ولتحرُّك عسكري أمريكي مجرد من كل الأخلاقيات وحتى من الثقة في النفس، حين شن عدوانه بينما كان يتحدث عن “مؤشرات إيجابية في المفاوضات”.
الإعداد أيضاً -كما أوضحت العاصمة الإيرانية- قام على رؤية استوعبت كل السيناريوهات المحتملة، لما عُرف عن العدو الأمريكي من فوضوية وطيش ولجوء إلى الحماقات حين يشعر بالهزيمة، وبالتالي تهيأ الاستعداد لحرب طويلة الأمد. لهذا أخذ أداء الحرس الثوري والجيش الإيراني حتى الموجة الأخيرة منحى تصاعدياً، وتضاعفت فاعلية الموجات بـ27 ضعفاً عما كانت في الضربات الأولى حسب خبراء عسكريين.
في هذا الوقت شهد المسار العدواني تراجعاً سريعاً عقب الأسبوع الأول من المواجهة، إلا النتوءات غير الأخلاقية، فبعد أن استهلك ما اعتبره بنك أهداف، تبيّن أن ما استهدفه غالباً كان من ذات النوعية المعبِّرة عن المنهجية التي يجيدها ويتقنها، وهي الحرب بثقافة البلطجي الطامح للانتصار كيفما كانت الوسيلة، فكان أول ما لجأ إليه هو الاغتيالات للقادة الإيرانيين، وبالتزامن طالبات المدارس الابتدائية، ثم تأكيد هذه الدونية في السلوك الحربي بالانفتاح على ضرب المدارس والمستشفيات والجامعات قبل التحول إلى الجسور ومولدات الكهرباء، ومحطات النفط.
مخادعة الذات بالأهداف المدنية
مظاهر السلوك الحربي غير المتزن لأمريكا رجّح من موضوعية القول بأن الحرب على إيران أكّدت بأنها تخسر، وربما دخلت مرحلة التخبط والتحرك غير المدروس والاتكاء -فقط- على السمعة التقليدية بصدارتها لقوى العالم. فبعد عجزها في الدفاع عن الكيان الإسرائيلي، ونكستها في البحر الأحمر رأت في حرب إيران فرصة لاستعادة شيء من ماء الوجه، بأن دخولها أي حرب يعني انتصارها، وحددت للمعركة زمناً قصيراً وقليلاً من الذخائر.
ومع وصول الحرس الثوري والجيش الإيراني إلى الموجة (100) قبيل الاتفاق على الوقف المؤقت لإطلاق النار، كان قطبا الشر العالمي أمريكا و”إسرائيل” قد دخلا مرحلة الترنح والانهيار، وتراجع تأثير ورقة التهويل والإرهاب بالتهديد والوعيد، وورقة التخدير للداخل الأمريكي بكثير من الصياغات وكثير من الصور الوهمية لوقائع لا وجود لها، وهي المحطة التي كانت الأكثر إثارة للعالم، حيث أفرزت للخبراء والمحللين مادة ثرية، كاشفة من جهة عن ما عليه واقع المواجهة كما هو، ودالة من جهة ثانية على الشخصية المهزوزة التي تحكم أمريكا وتعبث بأمن واستقرار العالم.
ولم يكن الخبراء والمراقبون بحاجة لإثباتات أخرى بأن “أمريكا ترامب” في عدوانها الأخير على الجمهورية الإسلامية قد بلغت -فعلاً- مرحلة “الخرف” بحيث لم تكن ترى إلا ما رسمته كأهداف.. كانت تقصف -بكل عجز وإحباطٍ- المنشآتِ المدنيةَ، بينما كانت هجمات قوات طهران تعصف بطموحه وهي تضرب وجوده الاستراتيجي في المنطقة، وتوجعه بضرب عمق المحتل “الإسرائيلي”، وتُصرّ أمريكا على لسان الإرهابي “ترامب” أنها تحرز التقدم في ضرب الأهداف.
استحضارٌ “غبي” لغزو فنزويلا
انشرخت أسطوانة “ترامب” و”نتنياهو” بتكرار الحديث عن تدمير القدرات العسكرية لإيران، فبلغت هجماتُها 100 موجة لتترسخ -لدى كل العالم بما في ذلك الداخل الأمريكي- القناعة بأن تسويقات “ترامب” وتصريحاته المشحونة بالانفعالات لم تكن إلا وسيلة تنفيس عن حالة كبت، ومحاولة يائسة لاختبار استمرار مفاعيل الهيبة التي كانت تعتمد مجرد الكلمة لتجعل العالم يقف على قدم واحدة.
التمس الكثيرُ العذرَ لأمريكا، فالشيخوخة والخرف المبكر نتيجة طبيعية -وإن كانت نادرة- تحدث مع الاستهلاك السريع والمتواصل للقدرات في مشاغلة العالم بالحروب والتوترات، وممارسة السياسة بتشنج، ومعاداة مبدأ التعايش مع الآخرين على أساس من تبادل المصالح. وجاءت الجولة العدوانية “الغبية” على إيران لتؤكد بأن أمريكا وصلت -بالفعل- إلى بداية الانحدار. فتعاملها مع “الوهم” باعتباره واقعاً، والدوران حول فلك هذا الوهم كان دليلاً على أنها قد فقدت خاصية التمييز، فصارت تنظر إلى كل دول العالم بأنها نسخ مكررة لـ”فنزويلا” في سهولة وسرعة اختراقها وانتهاك سيادتها باختطاف رئيسها، لذلك جاءت النتيجة موجعة له وللكيان الصهيوني ومن والاهما.
شبح فقدان “المركز الأول”
كلفت المغامرة الترامبية أمريكا الكثير، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، ولم تكن هجماتها على المنشآت والتجمعات المدنية في المدن الإيرانية إلا تعبيراً عن حالة إحباط تخفي مخاوف أكيدة من انسحاب بساط الصدارة للعالم من أسفلها، بينما خرجت الجمهورية الإسلامية -بعد الموجة الـ100 من ضربات الدفاع والتأديب- أكثرَ قوة وخبرة في طبيعة لغة التخاطب مع الغطرسة، وأكثر ثقة وعزماً على فرض حقائق جديدة في التعامل مع أمريكا والكيان الصهيوني المؤقت، لا يكون معها للشيطان الأكبر والغدة السرطانية ذاتُ المساحة المفتوحة من الاستباحة للمنطقة و”سرقة” نفط وأموال شعوبها، كما والتحكم في التفاصيل ذات العلاقة بباقي دول العالم التي تربطها مصالح مع منطقة غرب آسيا.
سيطرة شبح فقدان “المركز الأول” من القائمة العالمية زاد من احتقان المياه البيضاء والزرقاء في رؤية أمريكا إلى الآخرين، والكل -في مخططها الجديد للشرق الأوسط- أصبحوا بحاجة -من وجهة رؤيتها الضبابية- إلى إعادة ترويضهم لدفعهم إلى محو صورتها المنهزمة بعد الذي تعرضت له على يد دول يصنفها العالم بالضعيفة والفقيرة.
الاستعداد منذ عقود للعدوان انتهى بفقاعة
ووفقاً لما شهدته أربعون يوماً من المواجهة، تأكد للجميع بأن المنازلة كانت تاريخية لإفرازها حقائق جديدة، وإثر ذلك يتهيأ العالم لحقبة ستشهد خفوت الحضور الأمريكي إلا من محاولاتها النخر عبر المؤامرات والتحالف مع العصابات، وتجنيد المخربين لضرب المجتمعات من الداخل.
فأمريكا التي رهنت مصيرها ومستقبلها لما تسمى بـ”عصابة الثمانية” بقيادة ترامب، لجأت في هذه الحرب إلى أقصى ما يمكنها فعله، والأهم أنها اختبرت فيها قدرتها الفعلية على منازلة خصم في مستوى دولة إسلامية كإيران، فجاءت زلزلة الهزيمة من كون العدوان جاء بعد إعداد أمريكي صهيوني طويل استمر لعقود، وتحديداً بعد أن كشفت الدولة الإسلامية منذ حتى ما قبل الثورة في 1979، توجهها المناهض للاستعمار والإمبريالية، وقناعتها بأن الثورة مستمرة حتى التخلص من كل بؤر الشر الأمريكي بما فيه اغتصاب الكيان الإسرائيلي للأراضي العربية والإسلامية.
ومن الأشكال المثيرة لإحباط قادة “الفعل” الأمريكي أن خلاصة سبعة وأربعين عاماً من الاشتغال على زرع الخلايا داخل المجتمع الإيراني ومحاولة ضرب ثقافته وتشويه قناعاته وحرف بوصلة ولائه قد ذهبت أدراج الرياح، وقد رأى العالم كيف أن أكثر من (19) مليوناً و(500) ألف إيراني أعلنوا التفافهم حول القيادة الإيرانية والجيش والحرس، ضمن حملة الدفاع عن سيادة إيران، وهم من كان الأعداء يراهنون على دفعهم إلى نشر الفوضى داخل البلاد باغتيال مرشد الثورة.
“الخرف” الأمريكي عكسه أيضاً الانصياع مسلوب الإرادة والقدرة على استجلاء الأمور من قبل ترامب للإرهابي “نتنياهو” والصهيوني البليد “كوشنر” للدخول غير مرة في جولات عدوانية خاسرة على دول المنطقة، كانت في كل مرة تزيد من تآكل الحضور الأمريكي. غير أنها هذه المرة تمثل ضربة قاصمة، إذ إن الانقياد لوسوسة الشيطان “نتنياهو” ومشورة “كوشنر” حفّزت الغرور لدى ترامب لخوض هذه الجولة المريرة طامعاً في تحقيق إنجاز عسكري جديد وغنيمة جديدة من النفط لتغذية خزينة بلاده، فدخلها أعمى البصر والبصيرة بلا تحضير أو تخطيط إلا من جلب الأساطيل الحربية وعشرات الآلاف من المجندين.
نشوة إنجاز فنزويلا حفّزت أيضاً الشعب الأمريكي حينها كي يمنح ترامب “ابتسامة” الموافقة على جلب المزيد من المال وإن كان عن طريق “السرقة”، فظهرت العاقبة مهددة لفقدان حتى ما بين أيديهم، ولما تبيّن لهم بأنهم ينكشفون، وأن ما بنوه على مدى قرنين ونصف من أشلاء الشعوب ومعاناتهم بدأ يتبدد مع كل صاروخ إيراني ينهش من جسدهم المتهالك أصلاً من كثرة عمليات القتل والسطو حول العالم منذ نشأة كيانهم الأمريكي الذي ظهر على حساب شعب هو صاحب الأرض الأمريكية.
“ترامب” وحيداً مع حماقته و”نتنياهو”
وفي الوقت الذي اتضحت وترسخت فيه أكثر معالم محور المقاومة، واتسعت رقعة المؤيدين لتحرك المحور، وكسر الشوكة الأمريكية التي اشتد عودها كبراً وغطرسة، كان تراجع تأثيرها شاهداً على تراجع الثقة بهيبتها، فمع ذروة العجز الترامبي عن فعل أي شيء حيال الصلابة الإيرانية وتجددها المستمر مع كل موجة هجومية في السلاح والتكتيك، وفي الوصول للأهداف الإسرائيلية الحساسة والقواعد العسكرية الأمريكية، حملت استعانة المشلول “ترامب” بـ”أي” صديق للمساعدة في الخروج من مستنقع “نتنياهو” كشفاً جديداً عن تحول مشهود لما صار عليه هذا التأثير الأمريكي.
واشنطن -وهي تتحرك عدوانياً- لم تعد بكامل قدرتها العقلية حسب بعض المحللين، إذ إنها -هذه المرة- تبلغ ذروة التهور باستعلاء، فتتجه إلى حرب عبثية غير مبررة بقصد الهيمنة وبسط النفوذ حتى على حساب الأصدقاء أنفسهم. وعلى غير المغامرة الأمريكية في أفغانستان والعراق حين شاركته أكثر من (30) دولة، لم تجد الإدارة الأمريكية في حماقتها مع إيران من يقف معها إلا الكيان الصهيوني.
المصدر: “موقع أنصار الله”
