بصيرة “كفيف” وصمود “جريح” في ساحة ذمار.. فضيحةٌ للمبصرين المتقاعسين!

4

ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
10 أبريل 2026مـ – 22 شوال 1447هـ

​بقلم// علي مهدي العوش

​تحت سماء محافظة ذمار التي تلبدت بالغيوم، وفي ظل قطرات مطرٍ خفيفة كانت تبرد وجوه الشرفاء، وقفتُ اليوم وسط حشودٍ تدهش وتذهل الناظر .

لم يكن خروجاً عادياً، بل كان استعراضاً لجيوش الأرواح المؤمنة التي تؤكد للعالم أن “وحدة الساحات” قدرٌ محتوم، وفرحةً كبرى بصفعات إيران الحيدرية التي مرغت أنف أمريكا و”إسرائيل” في التراب.

​وبينما كنتُ في غمرة الهتافات، رأيتُ ما يذهل العقل؛ رجلٌ كفيف في الأربعين من عمره، يشق الزحام بعصاه وأحد أقاربه يمسك به وسط الساحة، وكأنه يرى الفتح مبيناً. اقتربتُ منه وسألته بكل عفوية: “يا أخي، ليش جيت وتعبت نفسك في المطر والزحمة؟”
​ردّ عليّ بنبرة غضبٍ زلزلت كياني: “ما هذا السؤال الله المستعان؟! إذا ما خرجنا اليوم فمتى سنخرج؟ وما الفائدة من حياتنا إن تخلفنا؟!”
قلتُ له: “لكن الله رفع عنك الحرج.”

فأجابني بيقينٍ يهدّ الجبال: “لا يمكن أتوقف عن الخروج والمشاركة في هذه المسيرات حتى تُنتزع روحي من جسدي، مش بس عيني! طالما وأنا أقدر أتحرك، سأعمل بكل جهدي في كل المجالات التي تغيض أعداء الله، أمريكا وإسرائيل. أنا هنا اليوم استجابة لله الذي أمرنا بالجهاد، وتلبية لدعوة السيد القائد -حفظه الله- الذي دعانا لخروجٍ مشرف وعظيم.”

ولم يكن الكفيف وحده من يصنع المعجزة في الساحة؛ فقد رأيت الجرحى المقعدين الذين لم تُعقهم جراحهم البليغة ولا كراسيهم المتحركة عن الحضور، جاؤوا ليقولوا بلسان حالهم: “إن بُترت أطرافنا، فإيماننا لا يُبتر، وموقفنا لا يتزحزح”. ورأيت كبار السن الذين لم يكتفوا بالحضور، بل توشحوا بنادقهم وأسلحتهم بوقار المهابة، وكأنهم يوجهون رسالة للعدو: “ما زلنا قادرين على القتال، وأيدينا على الزناد إذا طلب منا ذلك”.

أما الأطفال، فقد كانت معنوياتهم تعانق السماء، وصرخاتهم تهز مسامع الحاضرين، لتعلن أن هذا الجيل لا يعرف الانكسار. وفي الميدان الموازي، كانت ساحة الحرائر تجسّد قمة الإباء؛ حيث خرجت نساء اليمن ليعلنّ أن الجهاد ليس حكراً على الرجال، وأن صمود المرأة هو عنوان ثباتها في كل جبهات الحياة، واستجابةٌ إيمانية لا تفرق بين رجل وامرأة حين يكون الميدان جهاداً.
​هذا المشهد الإيماني المتكامل، جعلني أتساءل بحرقة عن أولئك الذين تخلفوا عن الركب. شبابٌ في قمة القوة والصحة، وأرزاقهم واسعة، وبيوتهم على مقربة من الساحة.. فبأي وجهٍ سيقابلون الله؟!
​بأي عذرٍ سيعتذرون؟ وقد حضر الكفيف، وزحف الجريح، واستنفر الشايب بسلاحه، وخرجت المرأة والطفل تحت المطر والغيوم.
​أيُّ خذلانٍ أصابكم؟ حين تخلفتم عن “غزوةٍ” من أهم غزوات العصر، وآثرتم القعود في غرفكم بينما يسابقكم ذوو الاحتياجات والنساء إلى نيل الشرف والكرامة.

الصدقُ أن تخلف هؤلاء ليس إلا نقصاً في الإيمان، وخذلاناً إلهياً؛ فقد استغنى الله عن حضورهم فسلبهم هذا التوفيق، وأنساهم الشيطان عظمة الموقف، فشغلهم بحججٍ واهية لا تنطلي إلا على من أنساه الشيطان ذكر الله وشرف الجهاد.

ختاماً.. كانت الساحة اليوم هي “الغربال” الحقيقي؛ رفعت الصادقين ولو قلّت حيلتهم، وتركت المتقاعسين يتمرغون في وحل التردد رغم قوتهم وصحتهم. فهنيئاً لمن لبّى واستجاب، ويا خيبة من بخل على نفسه بهذا الشرف الذي لا يُقدر بثمن!