حرب التلال والكمائن.. حزب الله يحوّل جنوب لبنان إلى مستنقع استنزاف
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
1 أبريل 2026مـ – 13 شوال 1447هـ
في يوم استثنائي، نفّذت المقاومة الإسلامية في لبنان يوم أمس الثلاثاء، 45 عملية عسكرية متفرقة امتدت على مدار الساعات الـ24، في واحدة من أوسع حلقات التصدي والاستنزاف التي شهدها جنوب لبنان منذ بدء العدوان. توزّعت العمليات بين اشتباكات برية عنيفة في القرى الحدودية، وضربات نوعية استهدفت العمق الإسرائيلي، في مشهد رسم معادلة جديدة مفادها أن المقاومة تمتلك زمام المبادرة في ساحة لا تعترف إلا بلغة القوة.
تنوعت عمليات المقاومة بين الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة والاشتباكات البرية المباشرة. توزعت هذه العمليات بواقع 24 ضربة صاروخية شملت قصفاً بالصواريخ النوعية والثقيلة، و14 هجوماً بطائرات مسيّرة انقضاضية، و3 اشتباكات برية عنيفة شملت كمائن محكمة وقصفاً مدفعياً مكثفاً، إلى جانب إسقاط طائرة مسيّرة معادية من نوع “هرمز 450” بصاروخ أرض-جو.
امتدت دائرة الاستهداف لتشمل 27 هدفاً داخل فلسطين المحتلة، تركزت في مستوطنات ومدن شمال الجليل، مقابل 18 عملية نفذت داخل الأراضي اللبنانية استهدفت تحركات وتجمعات العدو في القرى الحدودية.
على صعيد الأهداف العسكرية، تمكّنت المقاومة من تدمير 5 دبابات ميركافا بشكل كامل أو إصابتها إصابة مباشرة، إضافة إلى 3 ناقلات جند وآليات هامر. كما طالت الضربات 7 قواعد عسكرية استراتيجية حساسة، أبرزها قاعدة “ستيلا ماريس” للرصد البحري، وقاعدة “نشريم” جنوب شرق حيفا، وقاعدة “تيفن” شرق عكا، وقاعدتا “ميرون” و”بيريا” للمراقبة والدفاع الجوي، إلى جانب موقع رأس الناقورة البحري وثكنة أدميت. بالإضافة إلى ذلك، استُهدف أكثر من 10 مقار قيادية ونقاط عسكرية ميدانية، بينها موكب قيادي رفيع. وقد اعترف العدو الإسرائيلي بمقتل 4 صهاينة على الأقل، بينهم ضابط برتبة نقيب وقائد كتيبة في لواء “ناحل”، وإصابة 3 آخرين بجروح متفاوتة أحدهم في حالة خطيرة، إلى جانب تدمير 7 آليات عسكرية على الأقل.
أما أبرز العمليات النوعية التي شهدها هذا اليوم فكان كمين بيت ليف الذي استمر ثلاث ساعات متواصلة، حيث تم تفجير عبوات ناسفة في قوة مدرعة إسرائيلية والاشتباك مع أفرادها بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ثم استهداف قوة التعزيز -التي هرعت إلى المكان- بالصواريخ الموجّهة. كما شهدت الساعة الثامنة مساءً انطلاق موجة “خيبر 2” التي ضمّت 8 عمليات متزامنة استهدفت القواعد الإستراتيجية والمستوطنات في وقت واحد، في مشهد عكس قدرة المقاومة على إدارة المعركة بتوقيت دقيق وتنظيم محكم.
صاعقة من ثمانية رؤوس
في مساء يوم لم يكن يختلف عن سابقه في ترقّب الصهاينة في شمال فلسطين المحتلة، فوجئت قيادة العدو بأن الصمت الذي اطمأنت إليه لم يكن سوى وهمٍ سرعان ما تبدد مع انطلاق الساعة الثامنة مساءً، ففي توقيت موحّد -وكأن عقارب الساعة أطلقت شرارتها- نفّذت المقاومة الإسلامية في لبنان ثمانِ عمليات متزامنة، حملت اسم “خيبر 2″، لتعلن عن مرحلة جديدة في معركة الاستنزاف الطويلة.
لم تكن الضربات عشوائية، بل جاءت مدروسة بعناية لترسم لوحة من التدمير المنسق، فقد استهدفت قاعدة “ستيلا ماريس” الاستراتيجية للرصد البحري شمال حيفا، تلك العين الإلكترونية التي تراقب السواحل، لتجد نفسها فجأة تحت وابل من الصواريخ النوعية التي حطّمتها للأبد، وفي اللحظة ذاتها انهالت صواريخ أخرى ومسيّرات انقضاضية على قاعدة “نشريم” جنوب شرق حيفا، بينما قصفت بنى تحتية عسكرية في الكريوت شمال المدينة، وصولاً إلى قاعدة “تيفن” شرق عكا التي لم تكن بمنأى عن نيران المقاومة.
ولم تكتفِ العمليات باستهداف القواعد العسكرية، بل امتدت إلى أربع مستوطنات حدودية: “شلومي”، “شوميرا”، “زرعيت”، و”نهاريا”، حيث سقطت الصواريخ كالمطر، لتذكّر المستوطنين الصهاينة بأن ما اعتادوه من أمانٍ كان مجرد سراب. وفي اعتراف واضح، كشفت القناة 12 العبرية أن “جيش” العدو أكد للمستوطنين الصهاينة أنه لم يرصد أي تحرك لحزب الله، وبالتالي لم يصدر أي تحذير. عشرون دقيقة متواصلة من الإطلاق، وأكثر من أربعين صاروخًا وطائرة مسيّرة، رسمت معادلة جديدة مفادها أن المقاومة قادرة على الضرب حيث تشاء ومتى تشاء، في غفلة من أجهزة الرصد التي طالما تفاخر بها العدو.
بنت جبيل ملحمة الصد في وادي الفخاخ
بينما كانت الصواريخ فوق حيفا، كانت الأرض في جنوب لبنان تشهد فصلاً آخر من فصول المقاومة البطولية. ففي محاولة للسيطرة على مدينة بنت جبيل ذات الرمزية الخاصة، انطلق “جيش” العدو في توغل بري عبر محور “عيناتا”، معتمداً على قوة مدرعة ضخمة لم يسبق لها أن واجهت كمائن محكمة كتلك التي أعدتها غرفة عمليات المقاومة.
في ليلة 28 مارس، رصدت عيون المقاومة تحرك أربع دبابات ميركافا وجرافتين وناقلة جند من جهة “خلة التاروق” باتجاه “خلة الخانوق”. كان ذلك مجرد بداية، ففي فجر اليوم التالي تحركت قوة مركبة من لواءي “401” و”غفعاتي” مؤلفة من 25 آلية مدرعة تتقدم باتجاه منطقة العقبة ومرتفع الفريز في عيناتا. لكن القوة الصهيونية لم نكن تعلم أنها تزحف نحو مصيدة محكمة الإعداد.
عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وعندما بلغت القوة المتقدمة مرتفعَ “غدماثا”، فجّر مجاهدو الهندسة العبوات الناسفة بدبابة ميركافا وجرافة D9 في آن واحد. كان الانفجار بمثابة إشارة البدء لكمين محكم أوقف التقدم الإسرائيلي على الفور، وأجبر القوات على الالتفاف نحو “كرحبون-خلة الحجة”، حيث كانت المقاومة تنتظرهم هناك أيضًا.
لم تكن المواجهة يوماً واحداً، بل امتدت على مدى ثلاثة أيام من الاشتباكات المتواصلة، ففي مساء اليوم نفسه عاود العدو محاولة التقدم، ليفاجأ بعبوة شواظ تدمر دبابة أخرى في منطقة السدر، تلاها تفجير ثانٍ لدبابة في المكان نفسه. وفي يوم الإثنين خاض المجاهدون ثلاثة اشتباكات متوالية داخل بلدة عيناتا، استهدفوا خلالها دبابة ميركافا بصاروخ موجّه، كما أصابوا نقطة قيادية للعدو في محيط تلة الفريز بصاروخ نوعي أصاب هدفه بدقة متناهية.
وخلال كل هذه المواجهات، لم تكن مدفعية المقاومة صامتة، حيث قصفت تجمعات العدو أكثر من خمس عشرة مرة، لتؤكد أن المقاومة تمتلك القدرة على إدارة المعركة بكل أبعادها، من كمائن الهندسة إلى نيران المدفعية، وصولاً إلى الصواريخ الموجّهة والمسيّرات الانقضاضية التي نشرت مشاهد لاستهداف ناقلتي جند وآلية هامر في بلدة البياضة.
حصيلة هذه المواجهات لم تكن قليلة: أربعة قتلى صهاينة بينهم ضابط برتبة نقيب، وثلاثة جرحى أحدهم في حالة خطيرة، ليرتفع عدد قتلى العدو في جنوب لبنان منذ بدء الحرب إلى عشرة صهاينة حسب اعتراف العدو الذي لا يقر إلا بنسبة ضئيلة من خسائره. لكن الأهم من الأرقام كان الرسالة: التقدم البري نحو بنت جبيل تحول إلى مستنقع، وأن كل محاولة للتوغل ستقابل بكمائن محكمة تفوق التوقعات.
اعترافات الصهاينة: لا حل سحرياً
لم تكتفِ وسائل الإعلام العبرية بنقل الخبر، بل ذهبت إلى تحليل أعمق كشف حجم الإحباط في “المؤسسة العسكرية” الصهيونية، ففي تصريحات نادرة، تحدث مسؤولون وخبراء سابقون في “جيش” العدو و”الموساد” عن ساحة لبنان بصفات لم يعتادوا استخدامها: “معقدة”، “متشابكة”، “مختلفة تماماً عن أي منطقة أخرى”.
كان “اللواء احتياط” الصهيوني “داني يتوم”، رئيس “الموساد” السابق، الأكثر صراحة حين أقر بأن مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان “يمتلكون أفضلية نسبية على “الجيش” الإسرائيلي بفضل معرفتهم الجيدة بالأرض”. وأضاف قوله: “كل جذع شجرة وكل تلة صغيرة يمكن أن تُستخدم كموقع كمين لقوات حزب الله”. هذه العبارة وحدها كافية لرسم صورة المعركة التي يخوضها العدو: حرب لا يمكن فيها التقدم بثقة، لأن الجغرافيا نفسها تقف إلى جانب المقاومة.
وتابع “يتوم” أن السيطرة على الأرض حتى نهر الليطاني لن تحل مشكلة الصواريخ والقذائف، وأن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير التكتيك العام وليس فقط الاستراتيجية، وكأنه يقرّ بأن كل الخطط التي وضعها العدو لمواجهة حزب الله تحتاج إلى إعادة نظر جذرية.
أما المقدم احتياط الصهيوني “أورن لشم”، الضابط الرفيع السابق في “سلاح الجو” التابع للعدو الإسرائيلي، فكان أكثر صراحة، فقال في تشخيصه: “لا يوجد حل سحري لموضوع لبنان”. وأضاف أن “الجيش الإسرائيلي جرب جميع الاتجاهات خلال 18 عاماً، بما في ذلك حرب لبنان الثانية، ومع ذلك لا تزال الأوضاع معقدة ومليئة بالتحديات”.
وفي القراءة ذاتها، نقلت القناة 14 العبرية أن المشكلة في لبنان تكمن في أن القوات الإسرائيلية “في حالة حركة دائمة، وهي مكشوفة بالنسبة لعناصر حزب الله الذي يستفيد من التضاريس ويستهدفها”. أما القناة 12 العبرية فأقرت بأن “جيش” العدو لم يتوغل عشرات الكيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وأن هذا النقص يُشعَر به بوضوح في القتال.
تكتيكات جديدة تعيد صياغة المواجهة
ما كشفته وسائل الإعلام العبرية عن طبيعة القتال كان أكثر من مجرد اعتراف، بل كان أشبه بقراءة استخباراتية لتحوّل نوعي في أداء المقاومة، فوفقاً لقناة “i24 NEWS” العبرية فإن حزب الله يواجه “جيش” العدو الإسرائيلي بتكتيكات جديدة لم يألفها من قبل: “مجموعات صغيرة من المقاتلين تضرب القوات الإسرائيلية بدقة متناهية، ثم تختفي بين التلال والوديان التي تعرفها جيداً”. وهذه التكتيكات -وفقاً للمصادر الأمنية الإسرائيلية- تسببت بخسائر ملموسة، وفرضت إعادة ترتيب الخطط العملياتية في عدة مواقع. والأكثر إثارة أن الصواريخ المضادة للدروع التي يستخدمها حزب الله اليوم “أكثر تطوراً من السابق”، ما يعكس استعدادات مسبقة وتصعيداً في طبيعة المواجهة لم تكن “تل أبيب” تتوقعه.
في المحصلة، ما يحدث في جنوب لبنان هو حرب استنزاف طويلة الأمد، أتقنت المقاومة فيها استخدام الجغرافيا لصالحها، وأحكمت فيها إدارةَ الكمائن والتكتيكات الحديثة، ورفعت فيها سقف التحدي إلى مستوى لم يعتد عليه العدو الإسرائيلي، بينما تتراكم الخسائر البشرية في صفوف العدو، وتتسع الفجوة بين ادعاءاته النصرية وحقائق الميدان.
تظل الحقيقة الأوضح أن “خيبر 2” لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل كانت إعلاناً عن مرحلة جديدة في معادلة الردع، عنوانها أن جنوب لبنان سيبقى -كما كان دائماً- كابوساً يؤرق الصهاينة.
