العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران يرتد وبالاً على صانعيه
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
15 مارس 2026مـ – 26 رمضان 1447هـ
تقرير|| يحيى الشامي
أثبتت الجمهورية الإسلامية في إيران -من خلال خياراتها الردعية الفعالة- أنها قوة إقليمية ودولية لا يمكن الاستهانة بها، وأن أي محاولة لإسقاط نظامها وفرض الإرادة عليها بالقوة ستواجه بردود فعل قوية وواسعة النطاق، وقد تجلّى عمق تأثير الرد الإيراني، الذي شمل الأسواق العالمية، سلاسل الإمداد، وحتى الحسابات السياسية للقوى الكبرى، وأثبت مدى قدرة إيران على تدفيع الجميع ثمن محاولة أو التماهي مع محاولة المساس بأمنها ونظامها بسوء.
على مشارف نهاية الأسبوع الثاني من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تتكشف للغرب عموماً، ولأمريكا والصهيونية خصوصاً، حجم المغامرة غير محسوبة العواقب التي أقحمت الصهيونية العالم بأسره فيها.
الحرب على إيران كانت تظنها واشنطن وكيان العدو حاسمة أو عملية خاطفة، لكنها -وبحنكة وحكمة العقل الإيراني- تحوّلت إلى حماقة استراتيجية ذات تداعيات كارثية تتجاوز حدود المنطقة لتهز أركان النظام العالمي بأسره، ففي سياق عدواني لم يجد فيه المعتدي سبيلاً لتحقيق أهدافه المزعومة، أثبتت الخيارات الإيرانية فاعليتها وقوتها، كاشفة عن عمق تأثيرها الذي لم يقتصر على الشرق الأوسط فحسب، بل امتد ليشمل الأسواق العالمية، سلاسل الإمداد والشحن البحري، والوقود والنفط، والملاحة والبورصات والسياحة، وحتى الحسابات السياسية للقوى الكبرى.
كانت الأيام الثلاثة عشر الماضية كفيلة بأن تعيد تعريف مفهوم الردع، وأن تُنهي غطرسة القوة أو كما يُسميها ترمب وإدارته بطريقة ناعمة بـ “السلام عبر القوة”، حيث أظهرت إيران صلابتها الاستثنائية وتماسكها القوي، وأكثر من ذلك أثبتت قدرة استثنائية على تحويل التحدي إلى فرصة لإعادة تموضعها كقوة إقليمية ودولية يستحيلُ تجاوزها، ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن والعدو الإسرائيلي يراهنان على هجوم خاطف وبتداعيات محدودة، وجدت الصهيونية نفسها غارقة وتُغرق العالم في مستنقع من الأزمات الاقتصادية والسياسية التي لم تكن في حسبانها، مؤكدة بذلك أن أي مغامرة ضد إيران هي مغامرة غير محسوبة العواقب.
هرمز شريان الطاقة العالمي تحت رحمة الرد الإيراني
تتجه أنظار الأسواق العالمية بقلق بالغ نحو الشرق الأوسط، حيث أدت المغامرات العسكرية الأمريكية الاسرائيلية إلى اضطراب غير مسبوق في حركة الملاحة البحرية، لا سيما في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، تعطل مرور ناقلات النفط -الذي جاء نتيجة مباشرة للرد الإيراني الفعال على العدوان- يثير مخاوف متزايدة من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على معدلات التضخم وعلى حياة الناس اليومية في كل أنحاء العالم. التقارير الواردة تشير إلى إحكام إيران قبضتها على الممر الاستراتيجي، بالإضافة إلى ارتفاع المخاطر فيه، ما أسفر عن توقف سفن حاويات وناقلات نفط في المنطقة، وتكدس عدد كبير من الناقلات في المياه المحيطة، محولاً إياها -فعلياً- إلى مخزون عائم للنفط المنتج في دول المنطقة وإيران، في دلالة واضحة على قدرات إيرانية تتجاوز كل توقعات حسابات الأمريكيين “حُماة الملاحة البحرية” كما يُحبّون تسمية أنفسهم.
الممرات البحرية في المنطقة، التي تمتد على مساحة تقارب ربع مليون كيلومتر مربع، تشهد عادة حركة كثيفة لناقلات النفط والسفن التجارية، بيد أن تصاعد المخاطر الأمنية، الناجمة عن الرد الإيراني المشروع، جعل مضيق هرمز شبه مغلق أمام بعض السفن، ما دفع الدول المنتجة إلى البحث عن خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط، ومع ذلك، فإن هذه البدائل (مثل خط شرق/غرب السعودي وخط حبشان/الفجيرة في الإمارات) تبقى محدودة القدرة، إذ لا تتجاوز طاقتها -مجتمعة- نحو 2.6 مليون برميل يومياً، في حين يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط. هذا التباين الهائل يفسر حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية، ويؤكد على الأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها إيران في التحكم بهذا الممر المائي.
صدمة النفط العالمية: ثمن باهظ لمغامرة العدوان
لم تتأخر تداعيات هذا الوضع في الظهور على أسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط بشكل حاد، واقترب خام برنت مجدداً من مستوى 100 دولار للبرميل، مسجلاً ارتفاعاً يقارب 4.5% منذ بداية التصعيد العسكري، فالأسواق تتابع التطورات الميدانية في الشرق الأوسط عن كثب، لأن أي استهداف لمنشآت الطاقة أو تعطيل للموانئ النفطية -وهو ما أظهرت إيران قدرة على تنفيذه- قد يؤدي بسرعة إلى تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار بشكل جنوني. وفي محاولة يائسة لتهدئة الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن أكبر عملية سحب من المخزونات الاستراتيجية في تاريخها، حيث قررت الولايات المتحدة الإفراج عن 192 مليون برميل من احتياطياتها النفطية، وتبعتها كبريات الاقتصادات العالمية (اليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا وألمانيا) بإجراءات مماثلة، هذه الخطوات تكشف عن حجم القلق العالمي، وتؤكد أن هذه الكميات -رغم ضخامتها- تكفي نظرياً لأقل من 4 أيام فقط من الاستهلاك العالمي، ما يعني أنها مجرد محاولة لشراء الوقت ومحاولة تهدئة الوضع، وليست حلاً جذرياً لأزمة إمدادات حادة تسببت بها مغامرة العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.
كما أن هذا السحب التاريخي للمخزونات النفطية، الذي تجاوز -بفارق كبير- أكبر سحب سابق نفذته وكالة الطاقة الدولية في عام 2022، يعكس حجم القلق من أن يؤدي اضطراب الخليج، الناجم عن الرد الإيراني المشروع للمصالح والقواعد الأمريكية، إلى موجة ممتدة من ارتفاع الأسعار، وانعكاسات أوسع على النقل، والتضخم والنمو العالمي، فقبل اندلاع الحرب، لم تكن السوق العالمية في حالة ضعف طلب، بل كانت تتحرك على أساس استهلاك قوي نسبياً، ما يفسر حساسية السوق الشديدة لأي اضطراب مفاجئ في الإمدادات، خصوصاً إذا جاء من منطقة الخليج. هذا الوضع يؤكد أن قرار وكالة الطاقة الدولية يمثل محاولة لتهدئة الذعر، لكنه لا يعالج أصل الأزمة، فطالما بقيت التدفقات عبر هرمز معطلة -وهو ما أكّد عليه السيد مجتبى خامنئي قائد الثورة الإسلامية الجديد في أول بيان له منذ توليه قبل أيام- وطالما ظل الطلب العالمي مرتفعاً، فإن الاحتياطي المسحوب سيبقى مجرد وسيلة لشراء الوقت، في حين تتكبد الاقتصادات العالمية خسائر فادحة.
إصابات بالغة لقطاع التكنولوجيا والغذاء
لا تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد لتشمل صناعات حيوية أخرى، أبرزها صناعة أشباه الموصلات التي تُعد أساساً للعديد من الصناعات الحديثة، فصناعة الرقائق الإلكترونية تعتمد على عناصر ومواد أساسية يأتي بعضها من المنطقة، مثل غاز الهيليوم الذي لا يوجد له بديل عملي حتى الآن، كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد من تكاليف تشغيل مراكز البيانات وعمليات الإنتاج، ما ينعكس سلباً على صناعة التكنولوجيا العالمية، خاصة وأن دولاً مثل كوريا الجنوبية تنتج أكثر من 60% من الرقائق الإلكترونية في العالم. هذا الارتباط الوثيق بين الطاقة والتكنولوجيا يبرز مدى عمق تأثير الرد الإيراني على سلاسل الإمداد العالمية، ويجعل من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي تهديداً مباشراً للتقدم التكنولوجي العالمي.
وعلى صعيد التأثير المباشر على حياة الناس، فإن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف إنتاج العديد من السلع الأساسية، مثل الخبز، الذي يعتمد إنتاجه على سلسلة من العمليات التي تستخدم الوقود والطاقة. وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يقابله ارتفاع يقارب 3.2% في أسعار الخبز، ما يعكس العلاقة المباشرة بين الطاقة وتكاليف الغذاء. هذا الوضع ينذر بأزمة غذاء عالمية محتملة، خاصة وأن الأزمة لا تقتصر على النفط، بل تمتد إلى سلع استراتيجية أخرى مثل اليوريا والأسمدة الفوسفاتية التي يعتمد عليها الإنتاج الزراعي في العديد من الدول.
إن الدول المستوردة للطاقة ستكون الأكثر تضرراً من هذه التطورات، وقد تواجه ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، إلى جانب احتمال تراجع توفر الوقود في الأسواق، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، ويؤكد أن كل زيادة بنحو 10 دولارات في سعر النفط قد ترفع التضخم العالمي بنحو 1%، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه التوترات في المنطقة على الاقتصاد العالمي.
مقربون من ترمب: العدوان على إيران غير محسوب
في هذا السياق أكدت صحيفة “نيويورك تايمز” -في تقرير لها- أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يتوقع أن تكون الحرب على إيران هجوماً خاطفاً وذا تداعيات محدودة في الزمن، لكن الأزمة سرعان ما تحولت إلى صدمة هزت النظام الأمني والاقتصادي في العالم بشكل يفوق آثار صراعات أخرى حديثة في المنطقة. إن العدوان الجاري، الذي تشنه أمريكا والعدو الإسرائيلي على إيران، يعيد تشكيل أنماط السفر، والاعتماد على الطاقة، وتكاليف المعيشة، وطرق التجارة الدولية، وعلى الشراكات الدولية الاستراتيجية. وأشارت الصحيفة إلى أن دائرة الحرب اتسعت وأصابت نيرانها الانتقامية دولاً عادة ما تكون بمنأى عن الصراعات الإقليمية، ومن شأنها أن تلقي بظلالها على انتخابات التجديد النصفي بأمريكا، وتغير حسابات حرب أوكرانيا، وتجبر الصين على تغيير استراتيجيتها الاقتصادية بشكل جذري. هذا الاعتراف من صحيفة أمريكية مرموقة يؤكد أن الرد الإيراني قد فاجأ المعتدين، وكشف عن ضعف تقديرهم لقوة إيران وفاعلية خياراتها.
ولم تستبعد الصحيفة أن تتفاقم آثار المواجهة إذا اشتد وطيس الحرب وصعدت إيران هجماتها المضادة، وأغلقت مضيق هرمز (الممر النفطي الحيوي)، ما ينذر بشبح ركود ناجم عن صدمة النفط، مع تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار بشكل حاد. إن الحرب أثرت -حتى الآن- بشكل مباشر وملموس على الشرق الأوسط، حيث شنت إيران هجمات على دول الخليج العربي أكثر مما شنته على العدو الإسرائيلي، وفقاً لمرصد حرب أمريكي، حيث استهدفت فنادق فخمة وألحقت أضراراً بمحطات تحلية المياه في المنطقة.
بالنسبة لمعظم دول العالم، كان ارتفاع أسعار البنزين من أولى تداعيات الحرب، فعندما توقفت ناقلات النفط عن عبور مضيق هرمز قفزت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل في الأسواق العالمية، ما دفع الاقتصاديين للتحذير من شبح ركود اقتصادي إذا استمرت صدمة النفط لأسابيع.
عبء سياسي وتحولات جيوسياسية
في أمريكا، تتجه الحرب لتشكل عبئاً سياسياً على ترامب، لأنها لا تحظى بتأييد شعبي كبير، وقد يستغل الديمقراطيون ارتفاع تكاليف الطاقة لكسب أصوات الناخبين قبل انتخابات التجديد النصفي، التي تركز كثيراً على ارتفاع تكاليف المعيشة. وعلى صعيد آخر، تلقي الحرب بظلالها على بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، التي كان ترامب يأمل أن تكون بمثابة إنجاز بارز خلال فترة رئاسته، لكن الأمر لا يبدو كذلك بعد أن قررت إيران عدم المشاركة في البطولة، في رسالة واضحة على رفضها التطبيع مع العدوان، هذا الوضع يبرز كيف أن الرد الإيراني لم يقتصر على الجانب العسكري والاقتصادي، بل امتد ليشمل الجانب السياسي والثقافي، ما يزيد من عزلة المعتدين.
وفي أوروبا، أثارت ا لمخاوف من احتمالية انهيار محتمل للاقتصاد الإيراني -الذي لم يحدث بفضل صمود إيران- مخاوف من اندلاع موجات جديدة من المهاجرين عبر حدود إيران وتركيا، وهو ما يعيد إلى الأذهان أزمة الهجرة التي عصفت بالقارة قبل عقد من الزمن. هذا السيناريو -الذي كان يخشاه الأوروبيون- يؤكد أن أي زعزعة للاستقرار في إيران ستكون لها تداعيات إنسانية وجيوسياسية واسعة النطاق على أوروبا، ما يجعل العدوان الأمريكي-الإسرائيلي تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي. وفي المقابل، تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، بحيث إن عائداته ستساهم في تمويل آلة موسكو الحربية في أوكرانيا، بينما يخشى الأوروبيون من أن تلحق الحرب على إيران ضرراً غير مباشر على الدفاعات الأوكرانية، لأن استخدام واشنطن وحلفائها للصواريخ الاعتراضية لمواجهة إيران يقلل الصواريخ المتاحة لأوكرانيا للدفاع عن نفسها ضد روسيا. هذا التداخل في المصالح والصراعات يوضح أن العدوان على إيران ليس صراعاً إقليمياً وحسب، بل هو حدث عالمي يعيد تشكيل التحالفات والمصالح الدولية.
قوة الرد الإيراني وعمق تأثيره
بعد ثلاثة عشر يوماً من العدوان الأمريكي-الإسرائيلي، يتضح أن مغامرة واشنطن و”تل أبيب” كانت “غير محسوبة وحماقة وغير مخطط لعواقبها”، وهو ما ورد على لسان كل النخب الغربية من الولايات المتحدة وحتى الاتحاد الأوروبي الذي يدفع ثمن تماهيه، باستثناء الموقف الإسباني الحر. وبذلك تكون الجمهورية الإسلامية في إيران قد أثبتت -من خلال خياراتها الردعية الفعالة- أنها قوة إقليمية ودولية لا يمكن الاستهانة بها، وأن أي محاولة لفرض الإرادة عليها بالقوة ستواجه بردود فعل قوية وواسعة النطاق. إن عمق تأثير الرد الإيراني -الذي شمل الأسواق العالمية، سلاسل الإمداد، وحتى الحسابات السياسية للقوى الكبرى- يؤكد أن المنطقة والعالم بأسره يدفعان ثمن هذه المغامرة غير المسؤولة.
لقد كشفت هذه الأزمة عن هشاشة النظام العالمي أمام قوة الرد الإيراني، وأظهرت أن السلام والاستقرار في المنطقة والعالم لا يمكن تحقيقهما إلا باحترام سيادة الدول، ووقف العدوان والتدخلات الخارجية.
