الجهل بحقيقة تحقق وعد الله من أكبر عوامل اليأس لدى كثير من المستضعفين

20

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
4 مارس 2026مـ – 15 رمضان 1447هـ

{وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [القصص:13]، وهذه صيغة مؤكَّدة: {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص:13]، وأن تكون المعرفة بهذا قائمة على أساس اليقين، والعلم الراسخ والمستمر، وهذه مسألة في غاية الأهمية إيمانياً، يعني: من أهمّ ما يدل على إيماننا بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ومن أهمّ الأمور الإيمانية التي هي في نطاق الإيمان بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: الإيمان الراسخ بأنَّ وعد الله حق، وأنَّه سيتحقَّق، وأنَّه ليس بمقدور أيِّ طرف في هذه الدنيا، مهما كان؛ طغاة، جبابرة، ظالمون، ولديهم إمكانات هائلة، قدرات كبيرة، مهما بلغت قدراتهم، أن يحولوا بين الله وبين تحقيق وعده.

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13]، المشكلة هنا هي: الجهل، الجهل الرهيب جدًّا بهذه الحقيقة، يعني: ليس فقط لا يؤمنون، [ولكن أكثرهم لا يؤمنون]، أكثر الناس في ذلك العصر، وفيما قبله، وفيما بعده، وفي عصرنا وزمننا هذا، يجهلون هذه الحقيقة: {أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}[القصص:13]، وأنَّه سيتحقَّق، ما وعد الله به عباده المستضعفين، مثل هذا الوعد: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ}[القصص:5]، هذا وعد ليس منحصراً بفترة زمنية معيَّنة، أو لأُمَّة في ذلك العصر والتاريخ، في تلك المرحلة، بل هو وعدٌ إلهي يمتد لبقية الأزمان وبقية المستضعفين، لكن من المهم للمستضعفين هم أن يكونوا متَّجهين إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذي يفتح أبواب رحمته، مهما كانت الوضعية صعبة، مهما كانت التحديات كبيرة، مهما كان حجم قوة الطغيان، وما يمتلكه من إمكانات.

الجهل بهذه الحقيقة: {لَا يَعْلَمُونَ}[القصص:13]، له نتائج سلبية في الواقع، هو من أكبر عوامل اليأس لدى الكثير من المستضعفين؛ لأن الأكثرية من الناس هم أصلاً في نطاق المستضعفين، ولكن- كما ذكرنا سابقاً- وفق التصنيف القرآني:

من المستضعفين من أصبحوا في حالة ولاء وارتباط تام، وذوبان بولائهم للطغاة والجبابرة، وخضعوا لهم، وأصبحوا في حالة استعباد تام، مع ولاء ورضى بذلك، وهذا يشمل الكثير من الناس ممن تجنَّدوا في خدمة الطاغوت والباطل، تراه في واقعه هو مستضعف، ولكنه جنَّد نفسه لخدمة الطاغوت والباطل، بولاء، ورضى، وانطلاقه برغبة تامَّة، وأصبح مستعبداً لهم، وذاب في ذلك.
ومنهم من يختلف حاله عن ذلك، لكنه في حالة يأس تام، واستسلام كامل، وخضوع بالكامل، ولو لم يكن بولاء، وليس لديه أمل في إمكانية أن يتغيَّر الوضع والواقع، أو أن يخرج من تلك الحالة التي هو فيها، فيرى في استسلامه أنَّه هو الحل، ويرى في خضوعه الكامل أنَّه هو الحكمة، ويرى في أيِّ تحرك خارج نطاق ذلك، أنَّه تصرفٌ خاطئ، لا يمكن أن يوصل إلى نتيجة، ولا أن يكون له ثمرة؛ وإنما له مردود سلبي في تبعاته، وما يترتب عليه من أضرار كبيرة.
فالحال مختلف، ولكن الطريق الصحيح، هو: الوعي بسبيل الخلاص، بالاتِّجاه إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

وقد تحدثنا على ضوء الآيات القرآنية في المحاضرات الماضية عن التبعات الكبرى، والمخاطر الرهيبة لما عليه الصنف الأول من المستضعفين، الذين يذوبون في الخضوع للطغاة، والخدمة للطاغوت، والتَّجَنُّد مع الطغاة والجبابرة، برضى، وذوبان، وقناعة تامَّة، مصيرهم جهنم، في نار جهنم يطلبون من المستكبرين أن يتحمَّلوا عنهم شيئاً من العذاب، {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ}[غافر:47-48]، فهم يطلبون منهم أن يتحمَّلوا عنهم ولو نصيب، ولو جزءاً يسيراً، أو بأيِّ مقدارٍ كان من العذاب؛ ليخفِّفوا عنهم ولو البعض من عذابهم وبؤسهم؛ لأنهم تحمَّلوا مخاطر كبيرة، ووصلوا إلى عذابٍ عظيم لخدمة أولئك.

أمَّا الصنف الثاني فكذلك، الله قال عنهم: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:97]، يعني: حالة خطيرة جدًّا، حتَّى لو اعتذروا لما كانوا عليه من الاستضعاف، عندما تخاطبهم الملائكة: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ}[النساء:97]، لا يفيدهم ذلك.

الاستثناء أتى لفئة لا تستطيع شيئاً، يعني: في واقع حالها، {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ}[النساء:98-99].

أمَّا سبيل الخلاص للمستضعفين الواعين، الذين يرجعون إلى الله، يحرصون على الخلاص من وضعيتهم؛ يهيئ الله لهم سبيل الخلاص.

 

المحاضرة الرمضانية الثامنة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 08 رمضان 1447هـ 25 فبراير 2026م