(نص + فيديو) المحاضرة الرمضانية الثانية عشرة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 12 رمضان 1447هـ 01 مارس 2026م

16

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
2 مارس 2026مـ – 13 رمضان 1447هـ

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

كنَّا في آخر المحاضرة الماضية، تحدَّثنا على ضوء الآية القرآنية المباركة،في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، في الآيات من (سورة القصص)، في قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}[القصص:15-17].

تحدَّثنا كيف كان نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” متوثِّباً لإنقاذ المستضعفين،يحمل روحية الإحسان على أرقى مستوى، وهو كان ما قبل البعثة بالرسالة ولياً من أولياء الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، على درجةٍ عاليةٍ من الإيمان والإحسان، وآتاه الله حُكْماً وعلماً.

وقد تحدَّثنا كيف كان مسار حياته في إطار اهتماماته،وأعماله، وأنشطته، التي هي كلها مطبوعةٌ بطابع الإحسان، وينطلق فيها وهو يحمل روحية الإحسان، بإخلاصٍ لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وكان لنا وقفة على ضوء النص المبارك من الآية القرآنية المباركة، في قوله تعالى:{فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}[القصص:15]، استغاثه ذلك المظلوم، طلب منه أن يغيثه، وأن ينقذه، وأن يخلِّصه من ذلك المعتدي، الظالم، المستكبر، وهذا درسٌ لنا كيف بادر نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، مع أنَّه في ظروف صعبة جدًّا، والنتائج المتوقَّعة لِمَا يعمله، لِمَا يفعله، هي النتائج التي قد تجعل الكثير من الناس حينما يحسب حسابها، يقرِّر التَّنَصُّل عن المسؤولية، التَّخَلِّي عن الموقف الحق، التهرُّب من أن يتحرَّك بشكلٍ صريحٍ وواضح ضد طغاة العصر، والمستكبرين في هذا الزمن، ما قد يتوقعه الإنسان على نفسه من قتلٍ… أو أيِّ شيءٍ دون ذلك: إمَّا سجن، أو قتل… أو أي شكل من أشكال الاستهداف، كل شيءٍ كان متوقعاً بالنسبة لما يمكن أن ينتج من تدخُّل نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بتلك الطريقة.

أُمَّتنا الإسلامية، التي تؤمن بالله ورسله وكتبه،والتي هي أُمَّة القرآن الكريم، الذي فيه هذا الهدى العظيم، من قصص الأنبياء “عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام”، وكذلك من الهداية الإلهية الواسعة، التي فيها أوامر صريحة من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وفيها وعود صريحة ومؤكَّدة، حينما تستجيب الأُمَّة لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وتتحرَّك وفق تعليماته وهديه، وفيها أيضاً حقائق عن واقع الأعداء، واقع الطغاة، واقع المستكبرين، وما يمكن أن تستفيد منه الأُمَّة في طبيعة الصراع معهم، من تفاصيل كثيرة عنهم: عن نفسياتهم، عن سلوكهم، عن نقاط ضعفهم، عمَّا يستغلونه، ويكون نقاط ضعف في واقع الأُمَّة نتيجة تفريطٍ وتقصيرٍ منها… وغير ذلك من التفاصيل الواسعة، في الحديث الواسع في القرآن الكريم عن هذا الموضوع.

هذه الأُمَّة التي هي في وضعية سيئة:وضعية استضعاف؛ لأنها أضعفت نفسها، مع أنَّها تمتلك كل مقوِّمات القوَّة، كلَّ عناصر القوَّة، كلَّ الإمكانات الهائلة، التي لو استفادت منها معنوياً ومادياً، وتحرَّكت بشكلٍ صحيح؛ لكانت كما وعدها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: سيَّدة الأمم، تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتسعى لمقارعة الطغيان عالمياً، ولكنَّ التفريط الذي كان على مدى قرونٍ من الزمن، نتيجتـــــه: ما عليه الأُمَّة من ضعف، وشتات، وذلة؛ ثم تكون هي الساحة التي يعبث فيها أسوأ الأعداء، وأحقد الأعداء، وأولئك الأعداء الذين ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، يتحوَّلون في تعاملهم مع هذه الأُمَّة هم إلى وضعية يستأسدون على المستضعفين، على الأكثر استضعافاً منها، على الشعوب الأكثر استضعافاً، كما هو الحال فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني المظلوم، في مظلوميته الرهيبة جدًّا، ولاسيَّما ما حصل خلال العامين الأخيرين منذ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزَّة، بتلك الطريقة الوحشية، البشعة، التي صدمت الضمير الإنساني على المستوى العالمي، واستفزَّت شعوباً كثيرة، وتحرَّك بدافع الضمير الإنساني الكثير من الناس في مختلف أنحاء العالم، في مظاهرات واحتجاجات، وكانوا مذهولين ومصدومين بما يحدث، وفي نفس الوقت بحجم التخاذل من محيط فلسطين، البيئة العربية والإسلامية، هذه الشعوب، هذه الدول، هذه الحكومات، هذه الأنظمة، هذه الجيوش، هذه البلدان بكل ما فيها، بنخبها، وعلمائها، ومتدينيها، وكذلك متعلميها، الكل يعني، هذا شيء مؤسف للغاية!

الشعب الفلسطيني كم استغاث في قطاع غزَّة وفي غير قطاع غزَّة؟!على مدى العامين الماضيين في قطاع غزَّة الاستغاثة يومياً: [أين هم العرب؟! أين هم المسلمون؟!]، واستغاثة بنداءٍ- فعلاً يعني- نداءٍ شجيٍّ جدًّا، من واقع الألم الشديد، من المظلومية الرهيبة جدًّا، من بين الركام، من بين الشهداء والجرحى من أطفالٍ ونساء، استغاثة النساء، استغاثة الأطفال، استغاثة الكبار والصغار، كأنَّ هذه الأُمَّة، هذه الأُمَّة الكبرى (أمة الملياري مسلم) لا تمتلك أي مشاعر إنسانية، ولا أحاسيس إنسانية، وكأنها لا تنتمي للقرآن الكريم، للرسول محمد “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، كنبيٍّ، وقائدٍ، ومعلِّمٍ، وهادٍ، وكأنها بعيدة عن نهج الإسلام العظيم، الذي يربِّي الأُمَّة لتكون أُمَّةً تسعى إلى إقامة القسط، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقف في وجه الطغيان والظلم، تنصر المظلومين والمستضعفين، أُمَّةً تتربَّى على الإحسان، في كل ما يعنيه الإحسان:

– منمكارم أخلاق.

– مناستقامةٍ في السلوك والعمل.

– منتقوى لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

– مناهتمامٍ عظيم بأمر المستضعفين.

– ومنجدِّيَّةٍ عالية في الاهتمام بقضاياهم.

حالة مؤسفة جدًّا!

وتحدثنا عن الوعيد القرآني في بعض الآيات القرآنية التي تلوناها،على حالة التخاذل، في الوقت الذي على الأُمَّة مسؤولية كبرى في أن يكون لها موقف، في أن تتحرَّك بجدِّيَّة، ولأن الخطر أيضاً يطالها، لا يقتصر على الشعب الفلسطيني فحسب.

العدو الإسرائيلي هو عدوٌّ لهذه الأُمَّة في كل شعوبها وبلدانها؛وإنما هو يحاول أن يستكمل معركته بشكلٍ نهائي ضد الشعب الفلسطيني؛ لينتقل وهو مرتاح البال، ومتفرِّغ إلى بقية الشعوب، مع أنَّه له أنشطة عدوانية، ويستهدف بقية الشعوب، ومن الواضح ما يفعله بشكلٍ مستمر ضد لبنان، ضد سوريا، أطماعه فيما يتعلَّق بالشام عموماً، وإلى العراق، وإلى مصر، وإلى أجزاء كبيرة من الجزيرة العربية، هذا فيما يتعلَّق بالاحتلال المباشر؛ أمَّا السيطرة العامَّة في كل ما تعنيه، وفي كل امتداداتها ومجالاتها، فهو يسعى إلى أن يكون له السيطرة الكاملة على المنطقة بكلها، ويستهدف هذه الأُمَّة بأجمعها؛ ليجعل من هذا الموقع الجغرافي موقعاً للسيطرة العالمية، التي يسعى إليها، في الأهداف اليهودية الصهيونية، ووفقاً لِمَا لديهم من برامج عمل، ومن أهداف عدوانية شيطانية إجرامية للحركة اليهودية الصهيونية على المستوى العالمي.

في الحديث النبوي الشريف:((مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُ بِأَمْرِ المُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنْ المُسْلِمِين، وَمَنْ سَمِعَ مُنَادِيَاً يُنَادِي: يَا لِلمُسْلِمِين))،((سَمِعَ مُسْلِمَاً يُنَادِي: يَا لِلمُسْلِمِين، فَلَم يُجِب؛ فَلِيسَ مِنْ المُسْلِمِين))، الاستغاثة، هذا نداء الاستغاثة، نداء الاستغاثة هو نداء شعب بأكمله في فلسطين، نداء شعوب بأكملها، مقهورة، مستضعفة، فأين هي روحيَّة الإحسان، روحيَّة الإيمان، وروحيَّة الإباء، والعزَّة الإيمانية، والكرامة الإنسانية؟!

هذا النقص في واقع الأُمَّة يدلُّ:

– على خلل كبير جدًّا على مستوى التزكية للنفوس، والتربية الإيمانية.

– وكذلك على خلل رهيب جدًّا في ترسيخ مبادئ كبرى، من أهمِّ مبادئ الإسلام، وقيم عظيمة، أساسية، من القيم الإسلامية المهمة.

ولهذا يعتبر التفريط بهذا المستوى،في تلك المبادئ، في تلك القيم، في تلك الأخلاق، في التَّنَصُّل عن مسؤوليات كبرى، وعظيمة، ومهمة، خطراً حقيقياً على الأُمَّة، يعتبر خطراً حقيقياً على الأُمَّة من جوانب كثيرة: خطراً عليها في حياتها في الدنيا؛ لأن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” غنيٌّ عن العالمين، غنيٌّ عن المسلمين، غنيٌّ العرب، غنيٌّ عن كلِّ الناس، عن أعمالهم، عن عباداتهم، عن جهادهم، عن إيمانهم… عن كل شيء، هو الغني الحميد “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وما شرعه لنا، وهدانا إليه، وأمرنا به، ووجَّهنا إليه، وما رسمه لنا من مسؤوليات، كله لمصلحتنا نحن، يفيدنا نحن، ونحن في أمسِّ الحاجة إليه:

– لكينكون في هذه الحياة الدنيا أعزَّاء، كرماء، ونعيش بكرامة إنسانية، وعزَّة إيمانية، وتستقيم حياتنا في مختلف مجالاتها.

– ولكينفوز برضوانه، ونؤمِّن مستقبلنا الأبدي الدائم في الآخرة؛ لأننا أُمَّة تؤمن باليوم الآخر، وبالجنة والنار، وبالحساب والجزاء، وهذا مهم لكلِّ إنسانٍ مسلم.

فهذا التفريط في واقع الأُمَّة هو تفريط خطير جدًّا،ومن أهمِّ ما ينبغي أن تلتفت إليه الأُمَّة وهي في شهر الصيام، في شهر رمضان، والذي من أهمِّ ثماره المهمة جدًّا:{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[البقرة:183]، التقوى في هذا المجال، فيما هناك تفريط كبير من جهة الأُمَّة فيه، والأُمَّة في مواجهة حقيقية من جهة أعداء يستهدفونها على كلِّ المستويات:

– بحربهمالشيطانية المفسدة، المضلة، الناعمة.

– وحربهمالصلبة العسكرية والأمنية، التي تقتل، وتدمِّر، وتفتك، وتحتل، وتنهب… وغير ذلك.

ومساران متوازيان من جهة الأعداء. الحرب الناعمة، الشيطانية، المفسدة، المضلَّة، التي:

– يستهدفون بهاالقيم والأخلاق.

– ويستهدفون بها- كذلك- الوعي، الفهم.

يعملون على إضلال الأُمَّة،على إغوائها، على إفسادها، على التلبيس عليها، على التأثير على رأي الناس، على تفكيرهم، على نظرتهم إلى الأمور، ويسعون من وراء كل ذلك أيضاً إلى تدجين هذه الأُمَّة، وإلى احتواء ردَّة الفعل منها، مهما فعلوا بها؛ بحيث تكون هذه الأُمَّة مدجَّنةً لهم، ولا تمتلك أي رؤية صحيحة لما ينبغي أن تعمله في مواجهة شرِّهم وخطرهم، مهما فعلوا بها، مهما ارتكبوا بشعوبها من جرائم فظيعة للغاية.

وما الذي بعد الجرائم التي قد فعلوها في قطاع غزَّة في فلسطين؟!هم تفنَّنوا في أبشع الجرائم وتعمَّدوا حتى هم أن ينشروا منها مشاهد فظيعة للغاية للغاية، حتى هم نشروا أنواع كثيرة من جرائمهم؛ لأنهم ليس فقط يركِّزون على ما يفعلونه في فلسطين، بل هم يستهدفون في هذه الأُمَّة كرامتها الإنسانية، وحتى كل الجانب الإنساني لدى الناس، يعني: يريدون أن يفرِّغوا الإنسان من محتواه الإنساني؛ حتى يكون بلا إباء، بلا عِزَّة، بلا كرامة، بلا ضمير إنساني، حتى يكون في حالة تدجينية لا يستفزه، ولا يستثيره أي شيءٍ مهم مما ينبغي أن يستفزه، وأن يستثيره: مظالم، جرائم، كوارث، استهداف لدينه، لقيمه، لأخلاقه، لكرامته، لشرفه، لعرضه، لمقدَّساته، تكون كل تلك الجرائم من الأخبار التي يراها الإنسان ويشاهدها ويسمعها أيضاً، وكأنها أخبار عادية جدًّا، حينما يشاهد أبشع الجرائم بعينيه في التلفاز، يشاهدها بدون أي ضمير إنساني، ولا إحساس، كمشهد اعتيادي، كأي مشهد من المشاهد العادية جدًّا، لا يكون من جانبه أي ردَّة فعل، ولا تتحرَّك مشاعره لا بغضب، ولا باستياء، ولا بانفعال، ولا بموقف… ولا بأيِّ شيء، وهذا خطر كبير على هذه الأُمَّة، والله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” نبَّه على هذه الحقائق في القرآن الكريم كثيراً وكثيراً وكثيراً.

ولهذا من أهمِّ ما ينبغي أن تعرفه هذه الأُمَّة،وأن تهتدي بالقرآن فيه، وأن تدرك الواقع والشواهد والمصاديق للحقائق القرآنية، وهي كثيرةٌ جدًّا، وجليةٌ وواضحة،وبشكلٍ يومي، هو: طبيعة الصراع مع العدو اليهودي الصهيوني وأذرعه، سواءً ذراعه الكيان الصهيوني، أو الأمريكي، أو البريطاني، ومن معهم؛ لأن هذه حقائق مهمة جدًّا، وإلَّا فمن المؤسف أن يتحوَّل واقع الأُمَّة إلى أن تفقد ضميرها الإنساني، وكرامتها الإنسانية، ومشاعرها الإيمانية، وأن تفقد شعورها بالمسؤولية: المسؤولية الدينية، والإنسانية، والأخلاقية… وعلى كلِّ المستويات، وتشاهد ما تشاهده بأقسى بمائة مرَّة، أو بمليون مرَّة، من المشهد الذي شاهده نبي الله موسى واستفزه، وهو يشاهد ذلك المستكبر الظالم يعتدي على أحد المظلومين بالضرب، وأنت كمسلم تشاهد أبشع الجرائم التي يرتكبها الأعداء، أو تسمع عنها، ثم لا يستفزك ذلك!

الحالة السيئة التي تكون عليها الأُمَّة:حينما ينجح اليهود الصهاينة في أن يكون لهم دور تربوي هم، يربُّون هذه الأُمَّة بدلاً من تربية القرآن، بدلاً من تربية الإسلام، يربُّونها على التدجين، يربُّونها على الإفلاس الإنساني، على انعدام المشاعر الإنسانية، يُمِيتون ضميرها الإنساني، يميتون فيها الروحية الإيمانية؛ فتتحوَّل إلى أُمَّة لا يستفزُّها المنكر، ولا الطغيان، ولا الإجرام، وتتحوَّل إلى أُمَّة تتولى الكافرين، والطغاة، وأسوأ المجرمين، وتنجذب إليهم، وتتَّجه بالولاء لهم، هذه حالة خطيرة جدًّا، وهي الحالة التي أضاعت بني إسرائيل فيما مضى، وصلوا إلى هذا المستوى؛ ففقدوا حتى أهليتهم لحمل الرسالة الإلهية، وخُذِلُوا، وطُرِدُوا من ساحة الرحمة الإلهية، واستبدل الله بهم غيرهم.

روحية الإحسان لدى نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” تجلَّت في مبادرته لإنقاذ المستضعفين، بالرغم مما يترتب على ذلك من نتائج متوقَّعة.

في القصة نفسها، في الآية المباركة،اتَّجه موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” لإنقاذ ذلك المستضعف الذي استغاثه، ولدفع المعتدي المستكبر عنه، ولكن الذي حدث كان مفاجئاً له؛ لأنه حينما وَكَز ذلك المستكبر المعتدي، يقال: لكمه بقبضة كفِّه، ليدفعه عن ذلك المظلوم، كانت النتيجة غير متوقَّعة لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، والتي هي:{فَقَضَى عَلَيْهِ}[القصص:15]، يعني: كانت تلك اللكمة قاتلة، ونتج عنها مقتل ذلك المعتدي، كان هذا تطوراً خطيراً في الموقف، في وقتٍ غير مناسب، وهذا هو حقيقة الإشكال.

يعني: نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” لم يرتكب جريمةً فيما فعله تجاه ذلك المجرم،هو وَكَز مجرماً من المجرمين، من القتلة، من المعتدين، ليس هنا جريمة فيما يتعلَّق بما جرى على ذلك المجرم، الظالم، المعتدي، الذي هو أيضاً في عداد قوَّة مجرمة، مستكبرة، ظالمة، معتدية، تقتل حتى الأطفال بدون رحمة، كافرة، ظالمة، ولكن نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” هو مرتبطٌ بالله، هو وليٌّ من أولياء الله، والذي يسعى له ليس مجرَّد ردود أفعال كيفما كان، وبشكلٍ عشوائي.

ولهـذا ما قبل حتى هذه الحادثة له أعمال كثيرة:في إنقاذ المستضعفين، في السعي لخدمتهم، للإحسان إليهم بكل أشكال الإحسان، بكل صور الإحسان، من جوانب كثيرة، في مختلف شؤون حياتهم: في مواساة فقيرٍ، في إغاثة ملهوفٍ، في إعانة محتاجٍ، في دفع شرٍ عن شخص، في إنقاذ مظلوم… إلى غير ذلك، يعني: لم تكن هذه أول مشكلة يدخل فيها نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وكان يواجه الحالة بشكلٍ- قد تكون ربما- بشكلٍ يومي، ولكنه آتاه الله حُكْماً وعلماً، وكان يعمل وفق مقتضى الحكمة، بما يطابق الحكمة، بما يطابق العدل، هذا في ذروة مرحلة معيَّنة، ذروة مرحلة معيَّنة، تراكمات لفترة زمنية طويلة، ويواجه هذا الحدث، أو هذه المشكلة وهذه القضية، وهو قد وصل إلى مرحلة حتى من التوتر في الوضع ما بينه وبين الفراعنة، فهو لا يهدف إلى ردة الفعل بأيِّ شكل، حتى بشكلٍ عشوائي، هو يسعى لخلاص أُمَّة، ولإنقاذ مستضعفين، ولتغيير وضع، هو يحرص على أن يكون تحرُّكه وفق هداية من الله، وتوفيق من الله، لخدمة هذا الهدف الكبير، الذي هو: إنقاذ أولئك المستضعفين، وليس فقط الغرق في مشكلة جزئية من مشاكلهم وينتهي الأمر، يدخل في مشكلة حاسمة ونهائية في قضية ضرب لواحدٍ منهم وانتهى الأمر.

ولهذا تجاه هذه النتيجة غير المقصودة،هو لم يقصد أن يقتل ذلك القبطي؛ وإنما نتجت عمَّا حدث؛ ولهـذا حينما قال:{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15]، هو يتحدَّث عن هذه النتيجة غير المقصودة، والتي نتجت عن ذلك الظرف، الذي فيه تلك الأجواء من استغاثة ذلك الشخص المُعْتَدى عليه، ربما هو أيضاً في أسلوبه وأسلوب استغاثته أيضاً بما يحرِّك حالة التفاعل بشكلٍ كبير.

هذا فيه درسٌ لنا نحن، يعني:في مسيرة العمل في سبيل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في إقامة الحق والقسط، في السعي لنصرة المستضعفين والمظلومين، في مقارعة الطغيان والاستكبار، المسار في ذلك هو على أن يكون:

– وفق هدى الله، وفق تعليمات الله.

– ووفق أهداف كبرى، وقضية مهمة.

– والعمل بما يخدم تلك الأهداف الكبرى، وما يخدم تلك القضية المهمة.

ولهـذا في إطار ذلك،حينما يكون هناك تحرُّك، ليست المسألة مجرَّد ردود أفعال عشوائية، غير مدروسة، كيفما كانت؛ بل العمل بما يخدم القضية والموقف، والتركيز على أن يكون كلُّ ذلك في إطار هداية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وتوفيقه “جلَّ شأنه”، وبما يطابق الحكمة والحق والعدل.

هذه قضية أساسية، وضوابط مهمة للأداء العملي؛ لأنالشيطان حينما ييأس من أنَّه سيتمكن من صرفك عن الموقف الحق من أساسه، أو ييأس من أنَّه سيدفع بك إلى التَّنَصُّل عن المسؤولية، يئس من ذلك، هو سيتَّجه في برنامج آخر: كيف يؤثِّر على أدائك العملي في تفاصيله؟ يعني: الشيطان يشتغل في اتِّجاهات متعدَّدة:{لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}[الأعراف:17]،{عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15]، فقد يسعى إلى أن يستهدفك في أدائك العملي، بما يؤثِّر على طريقة العمل، على الأداء العملي، ولو أن ينصرف بك في اتِّجاهٍ عشوائي، أو في أسلوبٍ عشوائي، أو في تجاوزٍ للموقف، بما لا يخدم القضية المقدَّسة العظيمة، التي أنت تسعى لخدمتها، وهي مثلاً: العمل على إنقاذ المستضعفين، والدفع عن المظلومين… وما أشبه ذلك.

هذا هو درسٌ لنا:{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}[القصص:15]، درسٌ لنا نحن؛ ولذلك نجد- مثلاً- فيما يتعلَّق بهذه النقطة، كيف قال نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”- وسيأتي ذلك إن شاء الله في المحاضرات القادمة، حينما نصل إليه في سياقه- بعد أن قال له فرعون بعدما عاد بالبعثة الرسالية:{وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}[الشعراء:19-20]، وليس المقصود هنا بالضلال، يعني: الضلال عن الحق، وعن الموقف الحق؛ بل عدم توفُّر المشروع الذي هو المشروع الأساس لخدمة القضية.

بينما نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” كان يسعى لذلك، يعني:يسعى لأن يكون تحرُّكه في إطار مشروعٍ إلهيٍّ، يحقِّق النتائج الكبرى في مرضاة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” والقربة إليه، وفي خدمة عباده المستضعفين، المظلومين، والإنقاذ لهم، فهو لم يكن يمتلك ذلك المشروع بعد، حصل فيما بعد، يعني: آنذاك لم يكن يمتلك هذا المشروع بهذا المستوى، لكنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” حينما بعثه بالرسالة، أعطاه المشروع العظيم، الأساس، الذي ترتبت عليه النتائج المهمة، والذي كان من أبرز عناوينه الأساسية: الإنقاذ لأولئك المستضعفين، وتحقَّق من خلاله هذا الهدف الكبير على أرقى مستوى، وسيأتي الحديث عن ذلك إن شاء الله في المحاضرات الآتية، وسيأتي أيضاً التنبيه على الإشكالية التي تأتي أحياناً في تصرفات غير منضبطة، لبعض الأتباع غير الواعين، الذين لا يدركون- مثلاً- أهمية المراحل، ومقتضياتها، ومتطلباتها، في خدمة القضايا الكبرى، ويتصرَّفون بشكلٍ عشوائي، وبشكلٍ غير منضبط.

هنا التجأ إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”:{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي}[القصص:16]، هو حتى على مستوى الخطأ التكتيكي في النتيجة غير المقصودة، لاحظوا، يعني: ليس هناك جريمة يستغفر منها؛ لأنه وَقَف موقف الحق، وهذا شيء صحيح، ومطلوب، وشيءٌ عظيم، يعني: ليس هناك أي إشكالية في هذا، لكن فيما يتعلَّق بتلك الوَكْزَة التي نتج عنها حادثة غير مقصودة، هي: مقتل ذلك المستكبر، بما ينتج عن ذلك ويترتب عليه من إشكالات في أدائه العملي، أو في واقعه، في إمكانية استمراريته في أداء مهمته تلك على ذلك النحو، فهو يعتبر ذلك الخطأ غير المقصود، والمؤثِّر عملياً كخطأ تكتيكي، يعتبره ممَّا ينبغي أن يعود فيه إلى الله، وأن يلتجئ لطلب المغفرة، وهو يدرك أهمية تدارك الأخطاء، والحذر من الأخطاء، حتى الأخطاء في هذا المستوى: أخطاء تكتيكية في الأسلوب العملي، في الأداء العملي، حتى فيما ينتج عنه- مثلاً- نتائج غير مقصودة… وهكذا.

فهو التجأ إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛لأنه يحرص على الأداء الصحيح لمهامه، في إطار ما يوفِّقه الله له، ويهديه له، وهذا درسٌ عظيم جدًّا- يعني- في الأداء العملي، ومع كل ذلك، مع كل ذلك قد يكون في التدبير الإلهي أنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يهيئ له الانتقال إلى مرحلة جديدة، مرحلة جديدة، وسيأتي الحديث عنها، وهو واجه أيضاً مشكلة إضافية، وانتقل بعدها إلى مرحلة جديدة، اضطر فيها للهجرة بشكلٍ كامل من مصر، وكانت أيضاً- في تدبير الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”- من المراحل التي يهيِّئه الله فيها للوصول إلى ذلك المشروع العظيم، والمهمة الكبرى، في البعثة بالرسالة الإلهية.

نكتفي بهذا المقدار.

وَنَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛