(نص+ فيديو) المحاضرة الرمضانية العاشرة للسيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي 10 رمضان 1447هـ 27 فبراير 2026م

14

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
28 فبراير 2026مـ – 11 رمضان 1447هـ

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

في الآيات المباركة من سورة القصص، في قصة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”،وصلنا إلى قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، في هذه الآية المباركة، وما بعدها من الآيات، نتعرَّف على نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” وهو في مرحلة الشباب ما قبل البعثة بالرسالة.

والآية تبيِّن لنا أنَّه{لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}[القصص:14]:بلغ مرحلة الشباب، واكتملت قدراته، وقواه البدنية والذهنية والنفسية،{وَاسْتَوَى}:بلغ في ذلك المستوى الكامل، واعتدلت قواه الذهنية والنفسية واكتملت، وبإعدادٍ إلهيٍّ؛ ولهذا حتَّى عندما وصل إلى هذه المرحلة، يقول الله:{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}، عندما وصل إلى مرحلة شبابه، واكتمال قواه، آتاه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”:{حُكْمًا وَعِلْمًا}من الله، هو في بيئة لا يمكن أن يستفيد فيها، من خلال ما يقدَّم فيها:

– لا منجهة الفراعنة.

– ولا منجهة المستضعفين في وضعيتهم التي هي تحت الصفر في كل المستويات.

لكن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هيَّأه وأعدَّه،وهو الذي آتاه من عطائه، وهذا من أعظم عطاء الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، أن أعطاه{حُكْمًا}[القصص:14]، والحُكْم: هو الرؤية الصحيحة، والفكرة الصائبة، والتوازن النفسي، والرشد الفكري في النظرة إلى الأمور، والتعامل معها بما يطابق الحكمة والعدل، أن يجمع الانسان بين الحكمة مع المَلَكة النفسية، التي تجعل الانسان يتعامل مع الأمور بموازين صحيحة، موازين الحكمة، وموازين العدل، وهذا عطاءٌ عظيم، وعطاءٌ مهمٌ جدًّا؛ لأنه من أهمِّ وأعظم المؤهلات للإنسان، في كماله الإنساني من جهة، وفي مهامه العملية في الحياة من جهةٍ أخرى، وفي إطار مسؤولياته، بحسب تفاوت مستوى المسؤوليات بالنسبة للناس من إنسانٍ إلى آخر، لكن هذا مؤهِّلٌ مهمٌ للغاية، من أكبر وأهم المؤهلات الضرورية للإنسان في مسيرة حياته كإنسان، ثم في مستوى المهام العملية والمسؤوليات، وبالذات عندما تكون المسؤولية مسؤولية عظيمة، ومسؤولية مقدَّسة.

هذا العطاء عظيم ومهم جدًّا؛لأن الإنسان يحتاج إلى ذلك، بل من أهمِّ ما يميِّز الإنسان هو هذا الجانب: حينما يكون راشداً في تفكيره، متوازناً ومنضبطاً في نفسه، يحمل الرؤية الصحيحة، والفكرة الصائبة، ويحمل أيضاً المَلَكة النفسية، التي تساعده على الاستقامة في عمله، في سلوكه، في مواقفه، في نظرته إلى الأمور، في تعامله مع الأمور بناءً على ذلك.

مثلاً: لو أنَّ الإنسان امتلك معرفة،على مستوى المعرفة والفهم، ويميِّز بين الأمور، بين التصرفات الصحيحة والمغلوطة، بين المواقف الصحيحة والخاطئة، ولكنه على المستوى النفسي لا يمتلك التوازن النفسي، والكفاءة النفسية، والأهلية النفسية في قواه النفسية للتعامل وفق ذلك؛ لَمَا استفاد شيئاً من تلك المعرفة، لبقيت مجرَّد معلومات ذهنية، يمكن أن يجيب عنها في المدرسة عند الامتحان، أو إذا سأله أحدٌ عن ذلك، لكن أين أثرها في نفسه، في عمله، في موقفه، في تصرفه؟ غائبة، الأثر مفقود.

لكن عندما يمتلك الإنسان الحُكْم، فهو حكيمٌ على مستوى ما يعرف، ويفهم، ويميِّز، وهو حكيمٌ في تعامله مع الأمور، في واقعه النفسي، في تصرفاته، منضبط، ملتزم، مستقيم، يعمل بشكلٍ صحيح، يعمل بما يتطابق مع الحكمة والعدل.

وهذا العطاء يعطي نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” أهليَّة عالية،وكفاءة كبيرة في مسيرته العملية، واهتماماته العملية، ومهامه العملية.

والله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يقول عن الحكمة في عطائه العظيم؛لأن هذا العطاء العظيم يحتاج الإنسان فيه إلى الله، لا يمكن أن تكون من ذوي الحكمة، والرشد، والانضباط النفسي مع ذلك، من دون أن يعطيك الله ذلك، يعني: ليست فقط مسألة تكتسبها من إعدادٍ مدرسي، أو تأهيلٍ تربويٍ بشري، بل تحتاج في ذلك أيضاً إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، نستفيد فيما قدَّمه الله لنا من المعارف الحكيمة، من الهدى، الذي فيه الحكمة، لكن على مستوى حتَّى المَلَكة النفسية نحتاج إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ ولهذا يقول الله “جَلَّ شَأنُهُ” في القرآن الكريم وهو يعلِّمنا هذه الحقيقة:{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}[البقرة:269]، فالإنسان بحاجة إلى الحكمة، وإذا آتاك الله الحكمة فهي خير كثير فعلاً، خيرٌ كثير، يعني: عطاء عظيم، وشيء مهم جدًّا للإنسان في نفسه، في كماله الإنساني، في كماله الأخلاقي، في رشده، في تعامله مع الأمور، في نظرته للأمور، مسألة عظيمة ومهمة جدًّا.

هذا العطاء له أهميته الكبيرة في مسيرة الإنسان العملية،وفي الأدوار المهمة، ونبي الله موسى، وفي مسيرة حياته، متَّجه في إطار الإعداد الإلهي له إلى أداء مهام كبرى، مهام عظيمة؛ ولهذا نجد كيف أنَّه في مسيرة حياته، من الطفولة إلى مرحلة الشباب، وهو يحظى بإعداد إلهي، الله يعدُّه، يهيِّئه، يصنعه صناعة، لمهمة كبيرة وعظيمة جدًّا، والحاجة إلى الله في ذلك، وهذا درس مهم جدًّا؛ لأنه حينما نقول: لابدَّ من العودة إلى الله للحصول على الحُكْم والحكمة، أيضاً لابدَّ من الأخذ بالأسباب التي جعلها الله أسباباً للحصول على ذلك، لأن يمنَّ الله علينا بذلك؛ لأنه من العطاء الإلهي الواسع، وإن تفاوتت المسألة فيما يعطي الله من يعطيهم هذا العطاء العظيم، لكن على مستوى الأسباب سنتحدَّث عنها إن شاء الله.

{حُكْمًا وَعِلْمًا}[القصص:14]، كذلك هو في بيئة جاهلة، بيئة جاهلة، لا يمكن أن يحظى فيها بالعلم، العلم النافع، المعارف الصحيحة:

– لا منجهة ما يقدِّمه الفراعنة، وما يقدِّمونه كفر، وضلال مبين، وما يتصل بذلك.

– ولا منالبيئة المستضعفة، التي كانت في وضعية لا تقدِّم شيئاً، في وضعية مسحوقة تماماً، لا تمتلك أن تقدِّم أيَّ شيء، قد يكون ما يحصل عليه- مثلاً- في بيئته الأسرية، والمحيط القريب منها، أن يحصل على معارف محدودة جدًّا، فيما يتعلَّق بأوَّليات الدين، معرفة دينه…إلخ.

لكن الله أعطاه علماً،آتاه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهذا العنوان يشمل معارف كثيرة، مرتبطة بعلاقته بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، بمهامه، بواقع الحياة من حوله، وهذا أيضاً من المؤهلات الضرورية في:

– مايحتاجه الإنسان في مسيرة حياته.

– ومايحتاجه في أداء مهامه.

– وفيمايتعلَّق بالمسؤوليات، بحسب تفاوتها ومستوياتها.

كلها تحتاج إلى علم؛ لأنالبديل عن العلم، هو أن يتحرَّك الإنسان بجهل، وإذا تحرَّك بجهل، لهذا آثار سيئة جدًّا في أخطائه، في انحرافاته، في تصرفاته السيئة كإنسان.

في آخر هذه الآية المباركة يقول الله:{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، وهو يبيِّن هنا سنَّةً من سنن الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ثابتة، مستمرة، وهذا درسٌ عظيم ومهمٌ للغاية،{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14].

هنا نستفيد أولاً من هذه الفقرة المباركة من الآية،هذا النص المبارك من الآية الكريمة، نستفيد منه في معرفة شخصية نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”: أنَّ من أهمِّ الصفات التي كان يتميَّز بها، وعُرِفَ بها أيضاً، صفة عظيمة ومهمة جدًّا، هي: الإحسان، أنَّه كان محسناً، وكان من المحسنين، وهذه صفة عظيمة جدًّا، ولها أهميتها الكبيرة للغاية، سواءً في قيمتها الإيمانية، وقيمتها الأخلاقية، وأهميتها الإنسانية، وأهميتها فيما يتعلَّق بالمهام والمسؤوليات.

الإحسان دائرة واسعة، دائرة واسعة، ومن أهمِّ تجلياته في حياة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، هو: اهتمامه الكبير بأمر المستضعفين من عباد الله، فكان عظيم الاهتمام بأمر المستضعفين، وأمر الآخرين، وكان حريصاً جدًّا على إنقاذهم، على إغاثتهم، على فِعْل الخير لهم، على دفع الظلم عنهم، على الاهتمام بأمورهم، وما فيه صلاحهم، وما فيه الخير لهم، هذه كانت صفة بارزة جدًّا في شخصية نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وسنتحدَّث على نحوٍ تفصليٍ أكثر عن الإحسان؛ لأنه يجمع عناوين كثيرة من مكارم الأخلاق، يعني: حتَّى تكون محسناً، لابدَّ أن تتوفر لك عدَّة صفات، وعدَّة نماذج، عدَّة عناوين من مكارم الأخلاق، وكذلك جذور الإحسان في نفس الإنسان، كيف هي جذور الإحسان؟ هذا جانبٌ مهم.

الإحســـــــان، الذي كان هو الصفة الأبرز في نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، في تلك المرحلة:مرحلة شبابه، واكتمال قواه، هذا يدل على سلامته من التأثر بمحيطه الفرعوني، يعني: هو ربيب القصر الفرعوني، وفي بيئة مليئة بالجبروت، والطغيان، والظلم، والقسوة، والشدَّة، والبطش، والطغيان الفرعوني سمة عامَّة طابعة للحياة في تلك المرحلة في مصر بطابعها الكامل، في ذلك الجو، في تلك البيئة، في تلك الظروف، في ذلك الواقع، كان نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” متميزاً بصفة مختلفة تماماً، هي: الإحسان، والاهتمام الكبير جدًّا بأمر المستضعفين، والرحمة بهم، والحرص على دفع الظلم عنهم، والإغاثة لهم… وغير ذلك، فكان يسعى إلى تحقيق العدل والحق باستطاعته، وفي ظل ظروف صعبة ومعقَّدة جدًّا، يعني: يصعب فيها هذا الدور، هذا العمل، مع قسوة وشدَّة وجبروت الفراعنة، وأجهزتهم الحكومية، وسياساتهم الإجرامية المتعمَّدة، يعني: هو بروحيته التي هي كلها إحسان، بهذه الصفة المهمة، لم تكن مجرَّد حالة نفسية فقط، لدى نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، ملان إحسان في نفسه، دون أن يترجم في عمله، في اهتمامه بشكلٍ عملي، تجاه المستضعفين، بل اتَّجه بهذه الروحية (روحية الإحسان) إلى المستضعفين، الفئة المستضعفة في المجتمع، المظلومة، المقهورة؛ للاهتمام بها، فيما يقدِّمه لهم، فيما يسعى في مساعيه القوية لدفع الظلم عنهم، يعني: هو يبذل الجهد، ويبذل ما فيه استطاعته لدفع الظلم عنهم، لمعالجة قضايا لهم، لإيصال الخير إليهم، للتخفيف عنهم من معاناتهم، فكانت الترجمة العملية لروحية الإحسان جليةً في اهتماماته، في سلوكه، في أعماله، واتَّجه إلى المجتمع، اتَّجه إلى تلك الفئة المستضعفة للعناية بها، والاهتمام بأمرها، ولكن- كما شرحنا- في ظل ظروف معقَّدة جدًّا؛ الأجهزة الحكومية الفرعونية قائمة على البطش، والجبروت، والقسوة، وانعدام الرحمة، والتَّسَلُّط، وليس هناك تجاوب، تفاهم، يواجه معاناة كبيرة جدًّا، وصعوبة كبيرة جدًّا في ظل ذلك الوضع.

القرآن الكريم قدَّم لنا هذا العنوان المهم: الإحسان،والوصف لنبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ” بأنه كان من المحسنين، كصفة رئيسية له، لكن تحتها تفاصيل كثيرة، وتعبِّر أيضاً عن مسيرة لمرحلة كاملة من حياة نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، وامتدَّت، وتنامت، وعظمت مع بعثته بالرسالة فيما بعد، واستمرَّت كذلك كما هو شأن الأنبياء، يلقون الله وهم في ذروة كمالهم الإيماني، والإنساني، والأخلاقي.

حينما وهبه الله كمال القُوَى،حتَّى البنية الجسدية كانت قويةً جدًّا، يعني: كان قوياً في بدنه، في طاقته، في قدرته البدنية، ووهبه الله أيضاً الرشد، والعلم، والحكمة؛ وظَّف كل قواه، وكل طاقته، وكل ما وهبه الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” من كمالات في نفسه، وفي واقعه، وفي ظروفه، كانت له ظروف مهيأة في مقام رفيع: ربيب القصر الفرعوني، وظَّف كل ذلك، يعني: مع موقعه الذي حظي فيه بقدرٍ من الحماية، كربيبٍ لقصر فرعون، وظَّف كل ذلك لخدمة المستضعفين، وباهتمام كبير، يعني: بعناية، برغبة، بحرص، بتوثُّب لذلك؛ فكان محسناً، الإحسان هو الصفة الأبرز.

ونلحظ هنا حتَّى في هذا الدور: الإحسان، الاهتمام بأمر المستضعفين بأشكال متعدَّدة:

– منفعل الخير لهم.

– منالإغاثة لهم.

– منأشكال الخدمات التي تقدم لهم.

– منالسعي لدفع الظلم عنهم.

– منمعالجة قضايا لهم، ومشاكل، وهموم… وغير ذلك.

– منالاهتمام بهم بكل أشكال الاهتمام في جوانب خدمية، وإحسان، ورعاية.

هذا كله نلحظ أهمية الحُكْم والعلم حتَّى في مهام الإحسان،مع أنها من الأسباب التي يحصل الإنسان فيها، الإحسان نفسه هو سبب للحصول على الحُكْم والعلم من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وأن يؤتيه الله ويؤتي المحسنين،{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، ولكن هذا مهم حتَّى للإحسان نفسه، يعني: يعطي الإنسان في عمله في الإحسان، نشاطه في الإحسان، أعماله في الإحسان، يتهيأ له من خلال الحكمة والعلم، والحُكْم بمفهوم أوسع، يتهيَّأ له أن يؤدِّي هذه المهام على نحوٍ أعظم، وأهم، وأكبر، وأنفع، وأنفع، وبطريقة صحيحة أكثر، وهذه مسألة مهمة جدًّا.

فالحُكْم في ما يعنيه من رشد،وحكمة، وتوازن نفسي، مع العلم، يعني: حكمة وعلم، مهمان حتَّى للإحسان بصورة صحيحة، يعني: من ينقصه ذلك، ويتصرف من منطلقات خاطئة، وبجهل، قد يحصل منه تصرفات خاطئة، خاصةً في الأمور التي لا يمتلك خلفيةً عنها، قد يتدخَّل في أمور بدافع الإحسان، أو تحت عنوان الإحسان، ويتصرَّف بطريقة خاطئة.

هنا نتحدث عن الإحسان لمَّا كان هو من أبرز الصفات لأنبياء الله،وليس فقط نبي الله موسى “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، الأنبياء بشكلٍ عام، وأيضاً من الصفات المهمة لكلِّ المؤمنين، حتَّى تكون مؤمناً لابدَّ أن تكون محسناً، أن تكون من المحسنين، وهذا يتكرَّر في القرآن الكريم: الوصف للمؤمنين بالمحسنين أيضاً، لكن بمراتب متفاوتة، يعني: مرتبة الأنبياء في إحسانهم مرتبة عالية، عظيمة جدًّا جدًّا، وحتَّى في واقع الأنبياء- لربما- هناك تفاضل في مستوى الإحسان في واقعهم، ثم في واقع المؤمنين المسألة متفاوتة في مراتب الإحسان، لكن الإحسان هو يعتبر من أبرز مكارم الأخلاق، ولأنه يجمع الكثير من مكارم الأخلاق، يدخل تحته الكثير من مكارم الأخلاق، ثم جذوره أيضاً في داخل الإنسان، حينما يكون الدافع إيمانياً، ويكون الدافع أيضاً بزكاء النفس، والمشاعر الإنسانية، ومع ذلك من أجل الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والانشداد إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، له أهميته في موقعه الإيماني، في العلاقة مع الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

الإحسان كروحية في داخل الإنسان:

– هيروحية يتجاوز فيها الأنانية، يتجاوز الأنانية، والحسابات الشخصية، ويتحرَّر فيها من دائرة الانغلاق على ذاته، وحساباته الشخصية، يعني: يحمل اهتماماً كبيراً حتَّى قبل نفسه، أحياناً يصل إلى درجة الإيثار على النفس، يحمل اهتماماً تجاه الآخرين، يفكِّر بالآخرين، وبالذات المستضعفين.

– وهودليلٌ على الارتقاء الإنساني، في مشاعر الإنسان، في وجدانه، في إحساسه بالآخرين، بآلامهم، بأوجاعهم.

– وهوأيضاً كمال أخلاقي، يعني: على مستوى الأخلاق.

– وهوصفةٌ إيمانيةٌ، وقربةٌ عظيمةٌ إلى الله، من أهمِّ المواصفات الإيمانية، ومن أعظم القُرَب التي يتقرَّب بها الإنسان إلى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويحظى من خلالها: برضى الله عنه، بالمنزلة الرفيعة العالية عند الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ويكافئه الله على ذلك مكافئات كبيرة، بدءاً بما يعطيه في نفسه، الإنسان المحسن عطاء الله له فيما يعطيه في نفسه.

ولذلك هذه الصفة التي لها كل هذه الأهمية:

– فيموقعها الإيماني، في المواصفات الإيمانية.

– فيقيمتها الإنسانية.

– فيموقعها الأخلاقي: من أهم مكارم الأخلاق، وتجمع الكثير من تفاصيل مكارم الأخلاق.

– فيأثرها في الحياة.

هي من أهمِّ المواصفات التي يحتاج إليها كلُّ المؤمنين في مهامهم المختلفة، وكذلك فيما يتعلَّق بأدوارهم المتنوِّعة في هذه الحياة:

– يحتاج إليها القادة، كلُّ القادة،ما من قائدٍ ناجح، وقائدٍ يتحرَّك بشكلٍ صحيح في أيِّ مستوى من مستويات المسؤولية، إلَّا إذا كان محسناً، إذا فقد الإحسان، فهو يفقد صفة من أهمِّ المواصفات على الإطلاق، ويمثِّل ذلك نقصاً كبيراً فيه، في مؤهلاته، في واقعه، وينتج عن ذلك إشكالات كثيرة في واقعه.

– الموقع الذي يكون الإنسان فيه في موقع تأثير في المجتمع، سواءً دور اجتماعي، أو دور قيادي… أو أي دور، لابدَّ أن يتحلَّى فيه بالإحسان، أن يمتلك هذه الصفة، ويتحرَّك فيها بشكلٍ صحيح.

– علماء الدين وغيرهم،يحتاجون إلى هذه الصفة.

– طلاب العلم كذلك،وهي من أهمِّ الصفات ليحصلوا على المزيد من العلم، مع مساعيهم واهتماماتهم التعليمية، مع اهتمامهم بالقراءة، لابدَّ من الاهتمام أيضاً بهذا الجانب: بأن يكونوا من المحسنين.

– كل المجتمع، كل الناس، كل المسلمين،الرجال والنساء، الكل بحاجة إلى هذه الصفة، أن يخرجوا من الانغلاق في حالة الأنانية، والحسابات الشخصية، إلى الاهتمام بالآخرين من حولهم، من المستضعفين، المحتاجين، بأن تكون أيضاً صفة عامَّة في التعامل مع الناس، هذا جانبٌ مهم.

بل إنَّ الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” جعل الجهاد في سبيله جانباً من جوانب الإحسان،وجانباً مهماً؛ لأن فيه دفع الشر والأشرار، ودفع خطرهم عن الناس؛ لأن من أهمِّ ما في الإحسان: السعي لدفع الظلم عن الناس، لإنقاذهم من الظلم، لإنقاذهم من الطغيان، لدفع الشر عنهم، هذا يتحقَّق بالجهاد؛ ولهذا حينما قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في القرآن الكريم:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت:69]، ختمها بهذا الختام، الإحسان أيضاً مطلوب في مواجهة الظلم والطغيان.

والله بقوله:{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}[القصص:14]، بيَّن لنا سنَّةً من سننه في مكافأة المحسنين، أنَّه يكافئهم، في مقدِّمة ما يكافئهم به: الحُكْم والعلم، ليس هذا فحسب، يعني: هناك من ألطاف الله، من رعاية الله لهم، وفي حياتهم، ما هو أوسع من ذلك، ولكن هذا جانب مهم جدًّا، جانبٌ مهم، وعطاءٌ عظيم، ومكافأة كبيرة للغاية، جائزة إلهية، جائزة عظيمة، جائزة يتوق لها الإنسان، أن يحصل على العلم والحكمة من الله.

وهناك أيضاً أهمية لاقتران العلم والحكمة، لو حصل الإنسان على معارف وعلم من دون حكمة، فسيكون أداؤه ناقصاً وسلبياً إلى حدٍ كبير، والحكمة كذلك، يحتاج الإنسان معها إلى العلم والمعرفة.

الإحسان مهم لكل الناس في مهامهم وتخصصاتهم: الأطباء، والأمنيون… وكل الناس، كل المهام والأعمال تحتاج إلى روحية الإحسان، ونقصه نقصٌ كبيرٌ جدًّا.

هنا يتَّضح لنا في إحسان موسى،واهتمامه الكبير بأمر المستضعفين، مع أنَّه في ظروف صعبة للغاية، صعبة للغاية، وبرز في ذلك، برز في دوره في الإحسان قبل النبوَّة، حتَّى كان أملاً للمستضعفين، وأصبح معروفاً عندهم بإحسانه، وما يقدِّمه لهم، وما يهتم فيه بهم، وكان ذلك واضحاً في عمله؛ لأنه في نشاط عملي، لم تكن حالة نفسية وهو داخل غرفة في القصر، لا تخرج إلى الواقع، بل كان في امتداد عملي، اهتمامات عملية، أنشطة عملية، ما يقدِّمه لهم.

ولكن مع تلك الظروف الصعبة جدًّا:ما يواجهه مع الفراعنة، مع أجهزتهم الحكومية، مع قسوتهم وجبروتهم، مع تركيزهم أصلاً على أن يوجِّهوا حالة الظلم، والاضطهاد، والقهر، والممارسات الظالمة بكل أشكالها، تجاه الفئة المستضعفة، فهو كان يواجه ظروفاً بالغة التعقيد.

نكمل- إن شاء الله- في المحاضرة القادمة عن هذا الموضوع، على ضوء الآيات المباركة.

نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنْكُمُ الصِّيَامَ، وَالقِيامَ، وَصَالِحَ الأَعْمَال.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛