كيف أثرت المواجهة اليمنية على قدرة واشنطن في المنطقة؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
26 فبراير 2026مـ – 9 رمضان 1447هـ
تقريــر || محمد ناصر حتروش
تمر المنطقة بظروف استثنائية وغير مسبوقة إزاء المفاوضات الإيرانية–الأمريكية حول الملف النووي، وبالتزامن مع تتداخل المسارات السياسية والعسكرية في الإقليم مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين طهران وواشنطن، فيما يستمر الجدل حول مستقبل الحضور البحري الأمريكي في البحرين الأحمر والعربي.
وبينما تؤكد طهران أن نجاح أي تفاوض يظل مرهونًا برفع العقوبات وبناء الثقة، تتصاعد في المقابل تقديرات عسكرية تشير إلى أن المواجهة مع اليمن تعيد تشكيل مفاهيم القوة البحرية التقليدية.
ويضع التوازي بين الدبلوماسية والميدان المنطقة أمام مرحلة إعادة تموضع استراتيجية، تتراجع فيها المسلّمات القديمة حول فعالية حاملات الطائرات بوصفها أداة الحسم الأولى.
وفي السياق، يتساءل خبراء عسكريون حول كلفة الانتشار الأمريكي واستدامته، في ظل بيئة عملياتية عالية الكثافة تعتمد على الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة، مشيرين إلى أن التجربة اليمنية تفرض معادلات ردع جديدة، وتكشف حدود العقيدة البحرية الأمريكية في مواجهة أنماط قتال مرنة ومتعددة الوسائط.
ومع استمرار التوتر الإقليمي، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه التحولات تمثل ظرفًا عابرًا أم بداية مسار استراتيجي طويل يعيد تعريف موازين القوة في المنطقة.
وحول هذه الجزئية، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية العميد خالد غراب أن التمديد لبقاء بعض حاملات الطائرات الأمريكية في محيط المنطقة لا يعكس جاهزية قتالية حاسمة، بقدر ما يعبر عن محاولة لإثبات الحضور السياسي بعد تراجع الفاعلية العملياتية لعدد من القطع البحرية.
ويوضح في حديثه لبرنامج “ملفات” أن حاملات اعتادت تنفيذ دوريات دائمة في البحر الأحمر والبحر العربي لم تعد إلى مسرح العمليات عقب تعرضها لضربات أثرت في أنظمة الرادار والدفاع الجوي ومدارج الإقلاع وغرف العمليات، ما يدفع بعضها إلى دخول مراحل صيانة مطولة.
ويرى أن البيئة القتالية التي تفرضها القوات اليمنية تتحول إلى نطاق عالي المخاطر، يدفع البحرية الأمريكية إلى تجنب الاحتكاك المباشر خشية استنزاف إضافي يضاعف الكلفة التشغيلية ويقيد حرية الحركة.
[
الوجود الأمريكي في البحر الأحمر والعربي لم يعد للهيمنة… بل لمحاولة التغطية على هزيمة وخشية من القدرات اليمنية
🔸 اللواء خالد غراب – خبير عسكري#ملفات pic.twitter.com/Dg11PEocyR
— برنامج ملفات (@profilemngr) February 25, 2026
]
وبالنظر للمعطيات الميدانية، تتضح أن نمط المواجهة القائم يعتمد على تكامل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة ضمن هجمات مركبة ومتتابعة، ما يفرض ضغطًا مستمرًا على منظومات الدفاع البحري ويستهلك المخزون الناري بوتيرة متسارعة.
ويؤدي هذا النمط إلى مضاعفة التحديات حول إعادة التذخير والدعم اللوجستي، في الوقت الذي يحد من قدرة القطع الثقيلة على البقاء المستدام في مسرح عمليات واسع ومعقد.
وتنعكس هذه المعادلات على حسابات الانتشار الأمريكي، الذي يوازن بين إظهار القوة وتفادي المخاطرة بخسائر نوعية.
ويؤكد الخبير العسكري اللبناني العميد عمر معربوني أن التجربة اليمنية تغير مفهوم المعركة البحرية بالكامل، وتكشف حدود النموذج القائم على الحسم السريع عبر الضربة الأولى المكثفة.
وفي حديثه لبرنامج “ملفات”، يشير معربوني إلى أن استخدام الصواريخ الباليستية ضد أهداف بحرية متحركة يشكل تحولًا نوعيًا يربك أنظمة إدارة المعركة والدفاع الجوي في حاملات الطائرات والمدمرات.
ويرى أن البيئة عالية الكثافة تؤدي إلى استهلاك متسارع للقدرات الدفاعية والهجومية، وتفرض دورات صيانة أطول نتيجة الضغط العملياتي المستمر، موضحًا أن ما يجري يؤسس لمدرسة عسكرية جديدة في الحروب غير المتكافئة، حيث تتراجع فاعلية المنصات الضخمة أمام أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة قادرة على فرض معادلات ردع مختلفة.
[
تجربة اليمن أنهت زمن هيمنة حاملات الطائرات الأمريكية وغيّرت مفهوم المعركة البحرية عالمياً
🔸 العميد عمر معربوني – خبير عسكري#ملفات pic.twitter.com/yiRC4K8emk
— برنامج ملفات (@profilemngr) February 25, 2026
]
في المجمل، تشهد المنطقة مسارًا تصاعديًا في إعادة تعريف مفاهيم الردع البحري، حيث تتزامن التحولات الميدانية مع مسارات التفاوض السياسي، فبينما تسعى واشنطن إلى الحفاظ على صورة القوة عبر الانتشار البحري، تفرض الوقائع العملياتية حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بالكلفة والاستدامة والمخاطرة.
وتكشف المواجهة مع اليمن، وفق تقديرات الخبراء، أن التفوق التقليدي لا يضمن الحسم في بيئة تعتمد على الاستنزاف وتعدد الوسائط الهجومية.
وفي ظل استمرار التوتر في البحرين الأحمر والعربي، تتشكل معادلات جديدة قد تدفع القوى الإقليمية والدولية إلى مراجعة عقائدها العسكرية وأساليب انتشارها.
ومع تزامن ذلك مع حراك دبلوماسي نشط، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة ضبط قواعد الاشتباك أو تكريس نمط ردع مختلف يعيد توزيع موازين القوة.
وفي كل الأحوال، تظل التحولات الجارية مؤشرًا على أن المشهد البحري في الإقليم يدخل طورًا استراتيجيًا جديدًا تتراجع فيه الثوابت القديمة لصالح معادلات أكثر تعقيدًا وديناميكية.
