المسيرة القرآنية وبناء الوعي النسائي… قراءة في التحول الثقافي
ذمــار نـيـوز || مـقـالات ||
25 فبراير 2026مـ – 8 رمضان 1447هـ
بقلم// أحلام الصوفي
لم يكن حضور المرأة في إطار المسيرة القرآنية حضورًا عابرًا أو ظرفيًا، بل جاء ضمن رؤية شاملة تعتبر معركة الوعي أساس كل تحول سياسي أو اجتماعي. فالتحولات الكبرى لا تُصنع في الميادين وحدها، بل تبدأ في العقول، وفي منظومة القيم التي توجه السلوك الفردي والجماعي، وهنا يتصدر الوعي النسائي موقعًا محوريًا في معادلة البناء.
المسيرة القرآنية، التي أسسها الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي، وانطلقت كمشروع يعيد الاعتبار للقرآن الكريم كمرجعية للحياة، لم تتعامل مع المرأة بوصفها تابعًا اجتماعيًا، بل بوصفها حاملة رسالة، ومكوّنًا أصيلًا في عملية التغيير. وقد تطور هذا الطرح في خطابات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، التي أكدت مرارًا على أهمية الدور النسائي في تحصين المجتمع فكريًا وثقافيًا، خصوصًا في ظل ما يُوصَف بتحديات الغزو الناعم والحرب الناعمة.
سياسيًا، يرتبط بناء الوعي النسائي في هذا المشروع بفكرة الاستقلال الحضاري، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لفكرة الاستقلال السياسي. فالمرأة، باعتبارها المربية الأولى، تشكّل خط الدفاع الأول عن الهوية. ومن هنا جاء التركيز على تحصينها من المفاهيم المستوردة التي تُطرح تحت شعارات التحرر والمساواة، بينما — وفق خطاب المسيرة — قد تحمل في طياتها تفكيكًا للبنية القيمية للأسرة المسلمة. هذا الطرح لا ينطلق من رفضٍ مطلق للحداثة، بل من دعوة إلى إعادة تعريفها ضمن إطار مرجعي قرآني يحفظ الخصوصية الثقافية ويصون السيادة القيمية للمجتمع.
وفي البعد الفكري، أعادت المسيرة القرآنية صياغة مفهوم بناء الدور الرسالي للمرأة. فالحضور الحقيقي لا يُختزل في الوجود الشكلي داخل مؤسسات العمل، بل يتجسد في امتلاك الوعي، والقدرة على اتخاذ موقف، والمشاركة في صناعة الرأي العام من منطلق إيماني واعٍ. ولذلك شهدت السنوات الماضية توسعًا في الأنشطة الثقافية النسائية، والدورات القرآنية، والبرامج التوعوية التي تستهدف تعزيز الفهم السياسي والاجتماعي في أوساط النساء، بما يجعلهن شريكات في صياغة الخطاب العام لا مجرد متلقّيات له.
كما أن ظروف الحرب والحصار أسهمت في إبراز هذا الدور بصورة أوضح؛ إذ اضطلعت المرأة اليمنية بمسؤوليات مضاعفة، من إدارة شؤون الأسرة في ظل غياب كثير من الرجال، إلى المشاركة في الأنشطة المجتمعية والإغاثية، وصولًا إلى الحضور الإعلامي والتوعوي. هذا الواقع منح الخطاب القرآني بعدًا عمليًا، حيث لم تعد المرأة موضوعًا للنقاش النظري، بل فاعلًا أساسيًا في معادلة الصمود.
ومن اللافت أن التحول الثقافي الذي رافق المسيرة القرآنية لم يكن قائمًا على الصدام مع الرجل، بل على إعادة بناء العلاقة بينهما على أساس الشراكة في المسؤولية. فالوعي النسائي — في هذا السياق — لا يُطرح كبديل عن الوعي الرجالي، بل كمكمّل له، ضمن رؤية تعتبر أن المجتمع لا يمكن أن ينهض بنصف طاقته.
إن قراءة هذا التحول تكشف عن مشروع يتجاوز حدود التعبئة الآنية إلى محاولة صياغة هوية ثقافية متماسكة، تستند إلى النص القرآني، وتستحضر التاريخ الإسلامي، وتسعى إلى مواجهة تحديات العصر بأدوات فكرية مستقلة. وبين التأثير الديني والامتداد السياسي، يتشكل نموذج نسائي يرى في الالتزام الإيماني قوةً لا قيدًا، وفي المسؤولية تكليفًا لا عبئًا.
في المحصلة، يمكن القول إن بناء الوعي النسائي في إطار المسيرة القرآنية يمثل أحد أبرز مسارات التحول الثقافي في المجتمع اليمني خلال السنوات الأخيرة؛ فهو تحول يمزج بين الدين والسياسة، بين التربية والموقف، وبين الهوية والتحدي، ليجعل من المرأة شريكة حقيقية في صياغة الحاضر واستشراف المستقبل.
