سنة الله في الصراع مع الطغيان: من فرعون إلى أمريكا و”إسرائيل”

3

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 فبراير 2026مـ – 8 رمضان 1447هـ

في أجواء إيمانية روحانية، تناولت المحاضرة الرمضانية السادسة للسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي (حفظه الله) التي ألقاها، الاثنين، قصة نبي الله موسى عليه السلام، مستخلصاً منها سنناً إلهية وقوانين ربانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، المحاضرة كانت قراءة معاصرة للصراع بين قوى الاستكبار والمستضعفين، وربطاً وثيقاً بين ما جرى في الماضي وما يجري اليوم في صراع الأمة مع الاستكبار الأمريكي والكيان الإسرائيلي.

أوضح السيد القائد أن سنة الله تعالى اقتضت أن يحظى أنبياؤه ورسله برعاية خاصة تبدأ قبل وجودهم وتستمر خلال نشأتهم وحتى أداء مهامهم العظيمة، هذه الرعاية الإلهية ضرورية نظراً لعظم المهام الموكلة إليهم، وصعوبة الظروف التي يواجهونها، وقدسية الرسالة التي يحملونها.
وفي هذا السياق، انتقد السيد القائد بعض المرويات التاريخية غير الدقيقة التي تصور بدء الوحي إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بصورة مفاجئة وعنيفة، مؤكداً أن هذه الروايات تتنافى مع سنة الله في رعاية أنبيائه، ومع حكمته تعالى، وقدسية الرسالة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى يهيئ أنبيائه ويرعاهم برعاية لطيفة تتناسب مع عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

التدبير الإلهي في قصة نبي الله موسى عليه السلام
استعرضت المحاضرة جوانب من التدبير الإلهي العجيب في قصة نبي الله موسى عليه السلام، بدءاً من البشارة لأمه بأن ابنها سيكون من المرسلين، هذه البشارة المبكرة كانت طمأنة لأم موسى (عليها السلام) التي أوكلت إليها مهمة صعبة تتمثل في أن تضعه في التابوت وتلقيه في اليم (البحر)، وقد نفذت أم موسى المهمة بتوكل على الله، رغم ما في ذلك من مشقة على قلبها كأم.
وكانت المفارقة العجيبة أن التابوت وصل إلى ساحل البحر، ليلتقطه آل فرعون أنفسهم، هم الذين كانوا يذبحون أطفال بني إسرائيل خوفاً من قدوم موسى عليه السلام، وهنا تجلى قول الله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ}. فقد تدخل الله سبحانه بحفظ هذا الطفل الرضيع من الغرق والذبح والضياع، فألقى عليه محبة منه، كما قال تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، هذه المحبة الإلهية جعلت من رآه يحبه، حتى امرأة فرعون التي أحبته حباً شديداً وتشفعت له عند زوجها، قائلة: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا}.
إن تدبير الله العجيب جعل فرعون نفسه يربي في قصره من يسعى ليكون سبباً في هلاكه، وهذه اللام في قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} هي لام العاقبة، أي أن ما آل إليه الأمر هو أن هذا الطفل الذي ربوه على أيديهم سيكون عاقبته أن يكون عدواً لهم وحزناً عليهم، وهذا يعكس حقيقة أن الله سبحانه يصنع للطغاة أعداء من حيث لا يحتسبون، لينقذ بهم المستضعفين.

دور المرأة في صناعة التغيير
أبرزت المحاضرة الدور العظيم والمحوري للمرأة في مسيرة الأنبياء وفي حركة التغيير الكبرى، فقد كان الدور الأول لأم موسى التي نفذت أمر الله بإلقاء ابنها في اليم، ثم برز الدور الثاني لامرأة فرعون التي تدخلت لإنقاذ موسى عليه السلام وحمايته داخل قصر الطاغية نفسه، هذا التكريم الإلهي للمرأة يؤكد أن المعركة مع الطغيان ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة وعي ومواقف إنسانية، وأن حماية المستضعفين تبدأ من الموقف الفردي الشجاع الذي يتحدى إرادة الطاغية في عقر داره.

سنة الله في هلاك الطغاة
طرح السيد القائد تساؤلاً مهماً “لماذا يدبر الله لسقوط كيانات بأكملها رغم قوتها وجبروتها؟ وكانت الإجابة في قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}، فالخطيئة، بكل أشكالها من ظلم وإفساد وإجرام واستكبار، هي التي تؤدي إلى هلاك الأمم وسقوط الدول، عندما تتحول قوة دولة أو إمبراطورية إلى أداة للطغيان والظلم والفساد في الأرض، فإن الله سبحانه وتعالى لا يتركهم هملاً، بل تدخل مشيئته وحكمته لإزالتهم.

إن سنة الله ثابتة فكل كيان يسلك مسلك فرعون في الطغيان والجبروت والظلم والإفساد، فإنه سيسقط لا محالة، وقد سقطت على مر التاريخ إمبراطوريات عظيمة كان الناس يتصورون أنها باقية إلى الأبد، ولكنها زالت بتدبير الله وحكمته عندما بلغ طغيانها مداه، وهذا يثبت أن القوة المادية وحدها لا تضمن البقاء، وأن الكلمة الأخيرة لمن يمتلك الرعاية الإلهية والحق الأخلاقي.

الربط بين صراع الماضي والحاضر
قدمت المحاضرة ربطاً واضحاً بين سياسة فرعون في استضعاف بني إسرائيل وصولاً إلى محاولة إبادتهم، وبين سياسة اليهود الصهاينة اليوم في فلسطين ضد الشعب الفلسطيني، ففي الحالتين، الهدف هو دفع المستضعفين إلى التلاشي والفناء، ولكن سنة الله تأتي لتفشل كل هذه السياسات.
إن الصراع الحالي مع أمريكا و”إسرائيل” هو امتداد لذلك الصراع التاريخي بين الحق والباطل، بين المستضعفين والمستكبرين، فكما فشل فرعون وجنوده في القضاء على موسى عليه السلام، رغم كل إمكاناتهم وقوتهم، سيفشل تحالف الاستكبار العالمي اليوم في القضاء على الشعوب المستضعفة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني والمقاومة في المنطقة.
إن الاستكبار الأمريكي والصهيوني اليوم يظن أن ترسانته العسكرية وحصاره الاقتصادي سيكسران إرادة الشعوب إلى الأبد، تماماً كما ظن فرعون ذلك من قبل، لكنه غافل عن أن تراكم الخطيئات، من مجازر غزة إلى نشر الظلم والفساد في العالم، هو الوقود الذي سيحرق كياناتهم، فالسقوط ليس صدفة تاريخية، بل هو مؤاخذة إلهية مرتبطة بمستوى الطغيان والإجرام، وكلما ازداد العدو ظلماً وغطرسة، اقترب من لحظة السقوط.

ختاما
خلصت المحاضرة إلى حقيقة مفادها أن سنة الله في الصراع بين الحق والباطل ثابتة لا تتغير، فالله سبحانه لا يترك عباده المستضعفين هملاً، بل يدبر لهم من الأسباب ما يمكنهم من مواجهة الطغاة، حتى من داخل بيوت أعدائهم، والتدبير الإلهي يعمل في الخفاء ليغير الموازين، ويؤهل المستضعفين ليكونوا ورثة الأرض.
إننا نعيش اليوم فصلاً جديداً من قصة نبي الله موسى عليه السلام وفرعون، حيث القوة المادية العمياء تصطدم بصخرة الإرادة الإلهية والإيمان الراسخ، وسيبقى التاريخ شاهداً على أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، كما قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}.