لغة السلاح هي الحل.. قراءة في تداعيات الخطاب الأمريكي الداعم للعدو الإسرائيلي
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
25 فبراير 2026مـ – 8 رمضان 1447هـ
تقريــر || محمد ناصر حتروش
أثار تصريح السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني، مايك هاكابي، بشأن ما وصفه بـ”حق إسرائيل في الهيمنة الإقليمية”، موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والإعلامية في المنطقة، وتأتي التصريحات الأمريكية في سياق الدعم اللامحدود الذي تقدمه واشنطن لربيبتها “إسرائيل”، حيث يعتبره ناشطون ومحللون عرب مؤشراً على تحولات خطيرة في الخطاب السياسي المرتبط بالصراع العربي الصهيوني.
وفي هذا السياق، تظهر مواقف عدد من الناشطين في فلسطين ولبنان والعراق وعُمان، الذين يرون أن مثل هذه التصريحات تعكس توجهاً توسعياً يهدد سيادة الدول العربية، ويعيد تعريف معادلات الردع في “الشرق الأوسط”،وتراوحت قراءاتهم بين التحذير من تفكيك منظومة السيادة العربية، والتأكيد على أن ما يُعرف بـ”سلاح المقاومة” أصبح عاملاً للتوازن الاستراتيجي في مواجهة أي مشاريع هيمنة.
ويأتي هذا الجدل في ظل أوضاع إقليمية معقدة، تشمل استمرار الحرب في قطاع غزة، والتوترات على الجبهة اللبنانية، والتحديات الأمنية في العراق وسوريا، ما يجعل أي خطاب توسعي محل تدقيق واسع في الأوساط السياسية والشعبية.
سلاح الردع وتحولات ميزان القوة
يؤكد الناشط العُماني أحمد اليحمدي أن التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن امتداد النفوذ الصهيوني من الفرات إلى النيل تعكس رؤية توسعية تتجاوز حدود الصراع التقليدي، وتمس مباشرة سيادة عواصم عربية مركزية.
ويوضح اليحمدي -في تصريح خاص لموقع أنصار الله- أن التجارب الأخيرة في غزة ولبنان واليمن أظهرت أن توازن الردع أصبح واقعاً تفرضه قدرات عسكرية تراكمت خلال سنوات من الحرب.
ويشير إلى أن تنامي قدرات الفاعلين غير الحكوميين في المنطقة، سواء في لبنان أو اليمن، أعاد رسم حدود القوة، وأوجد معادلة جديدة مفادها أن أي مشروع توسعي سيواجه كلفة عالية. ووفق رؤيته، فإن الرهان على الردع العسكري لم يعد خياراً أيديولوجياً بقدر ما أصبح – في نظر أنصاره – ضمانة سيادية في ظل اختلالات النظام الإقليمي.
من جانبه، يؤكد الناشط العراقي فيصل شبر أن محور المقاومة شكّل -خلال العقدين الماضيين- جدار توازن حال دون انهيار المنظومة الإقليمية بالكامل. ويشير إلى أن بغداد ودمشق وبيروت تمثل ساحات اختبار لهذا التوازن، معتبراً أن تفكيك هذا الجدار سيؤدي إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات أحادية.
ويلفت إلى أن المخاوف من حرب إقليمية شاملة ما تزال قائمة، لكنه أبدى تفاؤلاً حذراً إزاء المسارات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، معتبراً أن أي تفاهم محتمل قد يخفف من حدة الاستقطاب، ويمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
ويرى مراقبون أن هذه الطروحات تعكس اتجاهاً متنامياً في الرأي العام العربي يعتبر أن الردع العسكري أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، في مقابل خطاب سياسي إسرائيلي يركز على متطلبات “الأمن القومي” في ظل بيئة توصف بأنها عالية المخاطر.
جدل “الخرائط التوراتية” ومستقبل السيادة
في السياق ذاته، يحذر الناشط والباحث اللبناني الدكتور أحمد الزين من أن أي تبنٍ رسمي لخطاب يستند إلى “مرجعيات دينية توسعية” من شأنه تقويض أسس القانون الدولي واتفاقيات السلام القائمة، لافتاً إلى أن إعادة طرح مفاهيم جغرافية تاريخية في السياسة المعاصرة يهدد بإسقاط مفاهيم السيادة المتبادلة، ويقوض فرص التسوية العادلة.
وفي حديثه لموقع أنصار الله، يشير الزين إلى أن استمرار الحرب في قطاع غزة يعمق الانقسام ويغذي مشاعر القلق لدى الشعوب العربية، معتبراً أن غياب أفق سياسي واضح يدفع قطاعات واسعة إلى تبني خيارات أكثر تشدداً.
بدورها، ترى الناشطة الفلسطينية عريب أبوصالحة أن توصيف الصراع باعتباره دينياً يخفي -في جوهره- صراعاً سياسياً على النفوذ والمصالح.
وفي حديثها لموقع أنصار الله، توضح أبوصالحة أن التحولات في المواقف الدولية تجاه قوى إقليمية مختلفة تعكس براغماتية سياسية أكثر مما تعكس انقساماً عقائدياً، معتبرة أن الخطاب الديني يُستخدم أحياناً كأداة تعبئة في سياق صراعات جيوسياسية أوسع.
في المحصلة، تكشف هذه المواقف المتباينة عن لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها التصريحات السياسية مع المخاوف التاريخية والهواجس الأمنية، فبين خطاب يتحدث عن “حق الهيمنة” ورؤى مضادة تؤكد مركزية الردع، تتبلور معادلة جديدة قوامها الصراع على تعريف الأمن والسيادة في المنطقة.
وفي مقابل الخطاب الذي يروّج لمنطق الهيمنة وفرض الوقائع بالقوة، ترى قوى المقاومة أن امتلاك عناصر الردع لم يعد ترفاً عسكرياً، وإنما ضرورة سيادية لحماية العواصم العربية وصون قرارها الوطني من الضغوط والابتزاز.
وتؤكد هذه القراءة أن تجارب السنوات الماضية أثبتت أن التفوق الأحادي لا ينتج استقراراً، بل يفتح شهية التوسع، ويغذي النزاعات.
وبين خيار الخضوع لمعادلات القوة المفروضة وخيار تثبيت توازن ردعي يحول دون التفرد بالقرار الإقليمي، يتحدد مسار المرحلة المقبلة. ووفق هذا المنظور، فإن مستقبل المنطقة يُبنى على إعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يكرّس معادلة ردع متبادل تحمي السيادة الوطنية، وتفرض احترام القانون الدولي من موقع الندية لا التبعية، بما يضمن أمن الشعوب وحقها في الاستقلال وصون مقدراتها.
