ماذا يراد من لبنان وما الذي لا يُريده العرب؟!
23 فبراير 2026مـ – 6 رمضان 1447هـ
تقريــر || يحيى الشامي
يتجاوز تصعيد العدو الإسرائيلي الأخير في لبنان، والذي بلغ ذروته الدموية في الغارات العنيفة على بعلبك ومخيم عين الحلوة مخلفاً عشرات الشهداء والجرحى، كونه مجرد حلقة في سلسلة الخروقات المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار، ليضع به الصهاينةُ ملامح استراتيجية متكاملة ومتصاعدة، لا تهدف فقط إلى الضغط العسكري الدموي، بل تمتد لتشمل أبعاداً دبلوماسية وسياسية غايتها النهائية إعادة فرض حالة الردع الإقليمية التي تأسس عليها الكيان وأمكنه البقاء بها، الى فرض حالة من الاستباحة لا تستهدف لبنان والمقاومة فيه وحسب، بل تسعى لتطويع المنطقة بأسرها لإرادتها، إذ أن ما نشهده يتعدّى مسألة ردود فعل عشوائية، في سياق اشتباك عسكري إلى حقيقة كونه تنفيذ دقيق لمخطط يستثمر كل إخفاق سياسي أو دبلوماسي لتحقيق أهدافه الكبرى.
التصعيد الحديث عبر الغارات الأخيرة، التي لم تفرق بين طفل وامرأة ومسن كما روى الشهداء بدمائهم في البقاع والجنوب، واستهدفت بشكل مباشر وممنهج مبانٍ سكنية، فضحت للمرة الألف الرواية الصهيونية الزائفة عن استهداف مواقع عسكرية، هذا الاستهداف المتعمد للمدنيين، والذي سبقه قصف لمخيم عين الحلوة تحت ذرائع واهية، هو تطبيق عملي لسياسة “كي الوعي” التي ينتهجها العدو، وتهدف هذه السياسة إلى معاقبة البيئة الحاضنة للمقاومة، ومحاولة خلق شرخ بينها وبين خيار الصمود عبر بث الرعب والدمار، ومنع أي فرصة لإعادة الإعمار، في مسعى لفرض عقاب جماعي وإدامة حالة اليأس، لكنها سياسة، ورغم وحشيتها، لا تزيد الأهالي إلا تمسكاً بأرضهم وخياراتهم، مدركين أن ثمن الصمود أقل كلفة من ثمن الاستسلام، وقد خبرها الأهالي في الجنوب وجرّبها العدو الصهيوني في عدة محطات من الصراع منذ عقود.
والأخطر من الإجرام الإسرائيلي الذي بات متوقعاً، هو الصمت الدولي الذي وصل إلى حد التآمر، والدعم الأمريكي غير المسبوق الذي يوفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لكل جريمة، فالجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار لم تعد شاهدة زور على الجرائم الصهيونية، بقدر ما أصبحت شريكة فيها عبر صمتها وانحيازها عن آلاف الخروقات، وفي هذا السياق، يبرز موقف الرئيس السابق العماد إميل لحود الذي لم يستغرب الإجرام الإسرائيلي أو التآمر الدولي، معبّراً عن صدمته أمام بعض ردود الفعل الداخلية التي تبرر للقاتل وتهاجم المقتول، في إشارة إلى أصوات لبنانية تتعامى عن قتل مواطنيها على أرضها، وتتماهى مع رواية العدو، ويشكل الموقف الداخلي المنقسم يمثل ضرراً يعادل في خطورته ما يفعله العدو، فشعور أي فريق لبناني بالانتصار على فريق آخر بفضل قوة خارجية يُشجع كيان العدو، بل يسرّع في انهياره.
وهنا يطرح السؤال الملح: ماذا تخسر الدولة اللبنانية إذا اتخذت موقفاً صارماً وسريعاً بدل الصمت أو الاكتفاء بالدبلوماسية العاجزة؟ وهو موقف يحظى وسيحظى بتأييد لبناني واسع من طوائف وأطيف مختلفة من قبيل الدعوات التي أطلقها “تجمع العلماء المسلمين” وغيره، تطالب الدولة بوقف كل الإجراءات التي اتخذتها سابقاً في سياق التزاماتها، وعدم اتخاذ أي إجراء جديد قبل أن يلتزم العدو بتنفيذ موجباته، وعلى رأسها الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة ووقف كل أشكال العدوان، وهي دعوة تضع الدولة أمام مسؤولياتها التاريخية، وتدعوها للانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، عبر دعوة مجلس الأمن للانعقاد ووضع العالم أمام مسؤولياته، لا كمتسول للعدالة، بل كدولة ذات سيادة تملك أوراق قوة، أهمها مقاومتها.
كما أنّ استهداف مخيم عين الحلوة -بذريعة وجود معسكر لحماس- بالتزامن مع قصف البقاع يؤكد على التلاحم المصيري بين القضيتين اللبنانية والفلسطينية، ويفضح زيف محاولات الفصل بينهما، فالعدو واحد، والمعركة واحدة، والمصير مشترك، يستحيل الفصل بينهما بمبررات الجغرافيا أو لأسباب أواصر المعتقد الواحد والهوية الموحّدة، وفي هذا الإطار، تأتي إدانة “الجماعة الإسلامية” للعدوان لتؤكد أن توسيع العدو لاستهدافاته لتطال المدنيين في منازلهم هو جريمة ممنهجة تكشف طبيعته الإرهابية.
الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية، بسياساتها الهجومية، لا تستهدف المقاومة وعوامل تواجدها وقوّتها في اللحظة الراهنة فقط، بل تسعى لتشكيل مستقبل المنطقة بما يخدم مصالحها الأمنية الكبرى، ولبنان في هذا المشهد من التغوّل الكبير للصهاينة ليس الا حلقة ضمن مشروع لا يقف عن دول طوق فلسطين ولن يقبل بحدود الجولان أو سيناء أو مزارع شبعا وصحراء النقب وحسب، بل يتعدّاها جميعاً الى المنطقة برمتها وهو أمرٌ لا يرتدد الصهاينة في الجهر به وإعلانه وتذكيرنا به بين الفينة والأخرى كما فعل مؤخر سفير الولايات المتحدة في الكيان في مقابلته الأخيرة مع الصحفي الأمريكي الشهير “تاكر كارلسون” وبناءً عليه ووفق معطيات العقل والمنطق وبديهيات الصراع فالرد على ذلك لا يمكن أن يكون مجزأً أو متردداً، والمطلوب اليوم هو موقف وطني موحد يدرك أن الحل الاستراتيجي للأزمة لا يكمن في الانصياع للضغوط الصهيونية التي لا تتردد في المضي بفرض معادلة الاستباحة بل في بناء استراتيجية دفاع مشترك تستفيد من كل عناصر قوة الدول العربية المتضررة من المشرع الصهيوني، يشبه كثيراً الحال الذي كان عليه في لبنان وأثبت كفاءته ودارته فيما كان يُعرف بالمعادلة الذهبية على المتشكلة من الثلاثية الماسية “الجيش والشعب والمقاومة” من حقيقة أن المعركة الدائرة اليوم هي صراع إرادات، والمقاومة، إذ تتمسك بحقها في الردع والدفاع، لا تدافع عن فصيل أو طائفة، بل تدافع عن وجود لبنان وسيادته وكرامته، وتمثل بذلك خط الدفاع الأول لكل المنطقة العربية من البحر حتى المحيط، في وجه محاولات فرض الاستباحة الكاملة.
