رمضان غزة.. مآذن الصمود تصدح من بين الركام وخيام النزوح

1

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ

يلف العالم هدوء السكينة الرمضانية، فيما يستقبل قطاع غزة الشهر الفضيل هذا العام بوجهٍ مغاير، حيث تمتزج رائحة البخور برائحة البارود، وتختلط أصوات التراويح بأنين الفقد. إنه رمضان “الإرادة” الذي يطرق أبواب الخيام المثقلة بالوجع، ليثبت أن روحانية الشهر الأكرم قادرة على الانبعاث من تحت الأنقاض، متحديةً محاولات محو الحياة والجمال.

مع كل هذه الجراح يطل شهر رمضان المبارك على غزة ليحل ضيفاً عزيزاً رغم قساوة الواقع الذي فرضته الحرب، فروح الشهر الفضيل تقتحم الخيام المهترئة والأنقاض، حيث تتدلى الفوانيس الورقية البسيطة من شوادر الخيام، وتُثبت حبال الزينة المتواضعة لترسم بسمة خجولة على وجوه الأطفال.

مصليات غزة تتحدى العدو

وفي ظل الحرب الممنهجة على الهوية والدين، والتي أسفرت عن تدمير الاحتلال لأكثر من 800 مسجد ما بين تدمير كلي وجزئي، أبى الغزيون أن يغيب صوت الأذان أو تُعطل صلاة التراويح؛ فأنشأوا دور عبادة مؤقتة ومصليات بديلة من الخيام والأخشاب والشوادر، تجاوز عددها المئات موزعة في مراكز الإيواء ومناطق النزوح بجميع أنحاء القطاع. هذه المصليات البسيطة، رغم افتقارها للسقوف الثابتة والمآذن العالية، تحولت إلى واحات للسكينة، حيث تجتمع القلوب تحت أقمشة الخيام وسقوف ما تبقى من ركام لتدارس القرآن وأداء الصلوات، متحديةً محاولات طمس المعالم الروحية للمدينة.

مع فوانيس الورق

وفي خيام النزوح التي غصت بالآلام، تحولت الزوايا الرمضانية التي كانت قديماً جزءاً من رفاهية المنزل إلى هيئة “البيت البديل”؛ خيام بلا جدران تحمي ولا ذكريات محيطة، لكنها تضج بالحنين إلى الماضي الجميل. تجد الأمهات أنفسهن يغالبن الدموع وهن يستذكرن طقوس استقبال الشهر في منازلهن المدمرة، حيث كانت تفوح روائح البخور وتغمر الإضاءة الدافئة الأركان، أما اليوم، فيحاولن استعادة تلك المشاعر عبر صناعة فوانيس يدوية من الورق الملون بمشاركة أطفالهن، في محاولة يائسة لتوسيع ضيق المكان بالبهجة.

ما زال هناك زينة

وعلى أرصفة الشوارع المزدحمة بالنازحين، تحولت البسطات الصغيرة إلى منابر لبث الأمل؛ حيث يعرض الباعة ما توفر من زينة، لا لمجرد التجارة، بل لإدخال السرور على قلوب الصغار والكبار، وتذكيرهم بأن ملامح المكان وإن تغيرت بفعل الركام، فإن جوهر الشهر يبقى حاضراً.

ويظل رمضان غزة هذا العام شاهداً استثنائياً على صمود العقيدة وقوة الروح؛ فالمساجد المدمرة لم توقف الصلاة، والبيوت المفقودة لم تمنع صناعة الفرح، ليبقى الغزيون يكتبون بدموعهم وصبرهم أسمى معاني العبادة، منتظرين فجرًا يحمل معه طمأنينةً افتقدوها، وسلامًا يليق بصبرهم الأسطوري.