بوصلة “نيوم” تتجه نحو مكة: آل سعود يفتحون المدن المقدسة للاستثمار الأجنبي
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 فبراير 2026مـ – 2 رمضان 1447هـ
في تحول استراتيجي يعكس براغماتية اقتصادية جديدة، بدأت السعودية بإعادة توجيه بوصلة استثماراتها الكبرى من المشاريع الحالمة والمتعثرة مثل “نيوم”، نحو “الملاذ الآمن” في مكة المكرمة.
ومع تزايد العجز في الميزانية وتذبذب أسعار النفط، برز مشروع المجرم محمد بن سلمان الجديد بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار كطوق نجاة اقتصادي، لكنه يثير تساؤلات جوهرية حول “الخطوط الحمراء” التاريخية التي كانت تمنع تملك الأجانب وغير المسلمين في أقدس بقاع الأرض.
وأفادت وكالة “بلومبيرغ” الأمريكية، في تقرير لها أن السلطات السعودية بدأت مراجعة شاملة لمشاريعها الطموحة، حيث تم تقليص التوقعات لمدينة “ذا لاين” في نيوم، وتوجيه الاهتمام نحو مكة المكرمة التي تضمن تدفقاً نقدياً مستمراً، مشيرة إلى أن هذا التوجه يهدف إلى جذب 100 مليار دولار سنوياً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2030.
“أم القرى” وشهية المستثمرين الدوليين
وبحسب تقرير الوكالة الأمريكية، فإن خبير الاستثمار “ياسر أبو عتيق” يقود شركة أم القرى للتنمية والإعمار، المسؤولة عن مشروع بقيمة 27 مليار دولار لتبديل وجه مكة التاريخي بأبراج فاخرة ومجمعات تجارية.
والمثير للاهتمام هو دخول عمالقة الاستثمار العالمي مثل “بلاك روك” و”إتش إس بي سي” و”فانغارد” كمساهمين في هذه الشركات، حيث يعرف هؤلاء بـ “أباطرة المال” أو “حكام العالم الخفيين”! ما يضع علامة استفهام كبيرة حول مغزى حضور هذه القوى المالية العابرة للقارات في الأراضي المقدسة، وما يعني أن أرباح أقدس بقعة إسلامية باتت تصب في محافظ صناديق استثمارية دولية، حيث وصل سعر المتر المربع في المناطق المحيطة بالمسجد الحرام إلى 87 ألف دولار، وهو من أعلى الأسعار عالمياً، ما حول المدينة من مركز للعبادة فقط إلى واحدة من أكثر أسواق العقارات طلباً وإثارة للجدل في العالم.
والمثير في الأمر أن هذا التوجه الصدامي مع تاريخ طويل من حظر التواجد والتملك غير الإسلامي في هذه المدن الإسلامية الأكثر قدسية للمسلمين تعيد تساؤلاً ملحاً حول كيفية السماح للأجانب بالاستثمار والتملك في مدينة كان يُمنع دخول غير المسلمين إليها، ناهيك عن التملك فيها.
وبحسب المعطيات الحالية فقد سمحت الحكومة السعودية العام الماضي للشركات الأجنبية (التي يملكها غير مسلمين) بالاستثمار في شركات التطوير العقاري التي تعمل داخل مكة، وهذا يعني أن “الأجنبي” لا يشتري الأرض مباشرة، بل يمتلك أسهماً وحصصاً في الشركات التي تملك الأرض وتدير المشاريع.
وفي مسار ثاني فقد سمح بتملك المسلمين الأجانب اعتباراً من العام الحالي، وهذا أتاح للمسلمين من خارج السعودية بتملك العقارات بشكل مباشر في المدينة المقدسة، وهو ما كان محصوراً في السابق بالسعوديين أو عبر عقود استئجار طويلة الأمد حكرًا تنتهي بالعودة للدولة.
تغيير الهوية البصرية
ويعني التوسع والانطلاق في الاستثمارات الأجنبية “تجريف” الأحياء القديمة والأزقة المتعرجة واستبدالها بأبراج على الطراز الغربي وتغيير الهوية البصرية للمدينة الدينية، ما يعكس رغبة في تحويل مكة إلى وجهة سياحية عالمية (بصبغة دينية) تدر المليارات، بعيداً عن الطابع التقليدي التاريخي.
وبينما تتعثر رافعات “نيوم” في رمال الصحراء، تدور رافعات مكة بلا توقف، وهو ما يمكن أن نشخصه كـ “انعطافة حادة” في سياسة المملكة التي قررت استثمار “القداسة” لتحقيق أرقام ومكاسب اقتصادية، محولةً مكة من عاصمة للروحانية إلى عاصمة للاستثمار العالمي، وسط جدل مكتوم حول هوية المدينة ومستقبل سيادتها العقارية، مع العلم أن هذه المدن الأكثر قداسة عند أمة الإسلام ليست ملكًا سعوديا بل هي وقف إسلامي.
وكما يبدو فإن النظام الحالي يكمل ما بدأه المؤسس؛ فإذا كان الأول قد استولى على الإدارة السياسية بالالتفاف على العالم الإسلامي، فإن النظام الحالي يبيع “السيادة العقارية” لمستثمرين أجانب، محولاً قبلة المسلمين من وقف إلهي إلى “عاصمة استثمارية” تدار بعقلية الأرقام والمكاسب، في حضور شركات وعمالقة استثمار عالمي كـ “بلاك روك” و”فانغارد” كمساهمين اليوم وملاك غدًا، وسط تغييب تام لصوت الأمة التي تمتلك الحق التاريخي في هذه البقاع.
مكة والمدينة وتعويض إخفاقات الرؤية
وتُشخص التقارير الاقتصادية مكة المكرمة والمدينة المنورة باعتبارهما “الضمانة السيادية” الوحيدة التي لا تقبل الخسارة في محفظة الاستثمارات السعودية؛ فبينما تُهدر المليارات في “نيوم” على مشاريع الرياضات الشتوية وملاعب كرة القدم المعلقة التي تفتقر لجدوى اقتصادية ملموسة، تظل السياحة الدينية “المنجم الذهبي” الذي يدر تدفقات نقدية فورية ومستدامة.
إن الاستراتيجية السعودية الحالية لم تعد تكتفي بـ “خدمة الحجيج”، بل انتقلت إلى مرحلة “تسييل القداسة”؛ حيث تهدف المملكة لرفع عدد المعتمرين إلى 30 مليوناً والحجاج إلى 5 ملايين سنوياً بحلول 2030، وهو ما يعني عوائد مباشرة تتجاوز 150 مليار دولار سنوياً. هذا التدفق الهائل ليس مجرد رسوم تأشيرات، بل هو محرك لقطاعات الطيران، والمقاولات، والتجزئة، والأهم من ذلك قطاع العقارات الذي شهد بيع المتر المربع بواقع 87 ألف دولار، متجاوزاً أسعار أرقى أحياء لندن ونيويورك.
لقد أصبح الحرم المكي، في ظل تباطؤ مشاريع الشمال، هو “البنك المركزي” الذي يغذي ميزانية الدولة بعيداً عن تقلبات أسعار النفط، حيث يُجبر الملايين من المسلمين على ضخ مدخرات عمرهم في منظومة استهلاكية صُممت لخدمة صناديق الاستثمار العالمية مثل “بلاك روك” وفانغارد”. هذا الاستغلال الاقتصادي المكثف يحول الفريضة الدينية إلى “منتج سياحي فاخر”، حيث يُباع القرب من الكعبة لمن يملك المال، بينما يُهمش الفقراء في أطراف المدينة، ما يكرس فجوة طبقية داخل أقدس بقاع الأرض، ويحول “الوقف الإسلامي” إلى استثمار عقاري ربحي بحت يصب في مصلحة خزينة “آل سعود” وشركائهم الدوليين.
التدليس التاريخي.. كيف ضُم الحجاز للملكية الخاصة؟
وبالعودة إلى الجذور التاريخية، تشير المصادر والوثائق كـ “مراسلات المؤتمر الإسلامي في مكة” العام 1926″، إلى ما يوصف بـ “الاحتيال السياسي” الذي مارسه عبد العزيز آل سعود لضم الحجاز. وبينما كان العالم الإسلامي، ممثلاً بوفود من مصر والهند وفلسطين وإندونيسيا وغيرها، يستعد لإرسال “إدارة إسلامية دولية” لتدير مكة والمدينة كـ “وقف إسلامي عالمي”، بعيداً عن نفوذ آل سعود، تعهد الملك السعودي في البداية بأن يكون “خادماً” لا “حاكماً”، وأن أمر الحجاز “شورى بين المسلمين”، حيث كانت المراسلات تتسم بالدبلوماسية العالية، مؤكدة أن “الحرمين ملك لجميع المسلمين”.
وتوثق المصادر التاريخية كيف استغل ملك نجد انشغال القوى الإسلامية بالخلافات الداخلية ليعلن نفسه ملكاً على الحجاز أيضًا في عام 1926، ضارباً بعرض الحائط وعوده للمؤتمرات الإسلامية. وبدلاً من الإدارة الجماعية، حوّل الملك السعودي المدن المقدسة إلى جزء من ملكية دولته الناشئة، وهو ما مهد الطريق اليوم للتعامل مع مكة والمدينة كـ “أصول عقارية” تابعة للمملكة كما نرى اليوم، وليس كأوقاف تعود ملكيتها للأمة الإسلامية قاطبة.
