العدو الإسرائيلي يحضّر لعالم بلا فلسطين
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
12 فبراير 2026مـ – 24 شعبان 1447هـ
تقرير || وديع العبسي
بطريقة ناعمة أو خشنة، بات الأمر سيّان لدى العدو الصهيوني أن يضيف إلى إبادة الشعب الفلسطيني إبادة الأرض وما تبقى من بيئة فلسطينية بطابعها العربي الإسلامي بمواصلته عملية النهش والقضم لأراضي الضفة. بدأ سُعار العدو للاستيلاء على أراضٍ فلسطينية جديدة عقب ملحمة “طوفان الأقصى”، فبينما كان العالم يتابع حلقات المجازر اليومية التي كان يرتكبها في غزة كان يضع خططاً مرحلية للانقضاض على مساحات واسعة من الضفة.
في الوقت المناسب، وبعد أن سُحب “ترامب” من داخل البيت الأبيض لإخراج مسرحية وقف الحرب على غزة، بقصد إرهاب قادة المنطقة ودفعهم للتسليم والانصراف إلى اهتماماتهم دون أن يُحمّلوا ضمائرهم أي شعور بالذنب نتيجة خذلان الفلسطينيين، عربد العدو بعدها بأريحية: قتلاً وحصاراً، زائداً الهدم لمنازل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم. هذا الأمر، بالنسبة لمن يزعمون أنهم ضامنون أو مراقبون على تطبيق الاتفاق، لم يأخذ لديهم أي حيز من الاهتمام والانتباه بينما دولة يتم إبادتها من الخارطة.
في المستجد “تحوُّلٌ جذري في سياسات العدو منذ عام 1967، عبر الانتقال من إدارة الأراضي الفلسطينية كاحتلال مؤقت إلى فرض سيادة فعلية وشاملة على الضفة الغربية، بما فيها المناطق (أ) و(ب) والقدس الشرقية” حسب الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني. تَمَثَّل هذا التحوُّل في جملة قرارات صادرة عن ما يسمى “المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية” (الكابينت)، يقضي بالتسريع في عملية الإحلال للمغتصبين بدلاً عن أبناء الأرض، بتعامٍ عن وضعيته الاحتلالية وعدم تقبل شعوب المنطقة لوجوده، فضلاً عما يمثله من خطر على حاضر ومستقبل الأمة.
إحلال المغتصبين بدلاً عن أصحاب الأرض
تؤكد الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: “إن ما اتخذه العدو من قرارات لم تعد تجدي معها لا البيانات ولا التصريحات ولا مواقف الاستنكار، بل بات على الحالة الوطنية أن تتصدى بكل الوسائل الممكنة، وهي كثيرة، للحرب التي أعلنها العدو الإسرائيلي”. وتحرُّك العدو العملي لم يعد رد فعل عابراً أو تلويحاً لإركاع المقاومة، وإنما توجه يأتي في سياق تصفية القضية الفلسطينية.
القرارات أكدت إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود في الضفة الغربية، وتضمنت رفع السرّية عن سجلات الأراضي، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمع الاستيطاني بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة “المدنية” الإسرائيلية.
وبحسب “يديعوت أحرونوت” العبرية، شملت القرارات توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلية لتشمل مناطق مصنفة “أ” و”ب”، بذريعة “مخالفات تتعلق بالبناء غير المرخص، وقضايا المياه، والإضرار بالمواقع الأثرية والبيئية”، ما يتيح تنفيذ عمليات هدم ومصادرة بحق ممتلكات فلسطينية، حتى في مناطق تخضع إدارياً وأمنياً للسلطة الفلسطينية.
هذه المرة، التوجه علني، ويسبق التحرك لتغيير تركيبة ديمغرافية المكان إشعارُ العالم بأن الكيان يمضي للتوسع، بما يعنيه ذلك من تبجح في نسف كل الاتفاقات السابقة رغم أنه لم يتحقق منها شيء كحال “أوسلو” التي لم يبقَ لها أثر في حسابات أمريكا و”إسرائيل”.
سيادة صهيونية كاملة على القدس
التحدي الإسرائيلي للعرب والمسلمين والعالم، لا يبدو في أُفُقِه إلا انفجاراً عارماً في الجغرافية العربية، في وقت تتهدد فيها المخاطر كل “الشرق الأوسط” مع تزايد مخاطر توجه أمريكا لخلق الفوضى في هذا المكان من العالم.
في عملية محاولة إبادة الهوية الفلسطينية للأرض وتحويل الفلسطينيين إلى أقلية غريبة، يتضح مخطط إنهاء حتى ما يسمى بـ”حل الدولتين”، وهي مسألة يسعى من خلالها الكيان لأن يسبق أي تحركات يمكن أن تضمن حتى البقاء لأبناء الأرض على تراب وطنهم المسلوب. على أن تصور العدو بأن تمرير المخطط بالشيء الممكن أمر يغترب عن حقيقة أن ارتباط المسلمين بالأرض الفلسطينية عواملها تمتد في جذور، وتتشكل على الأرض أخوّة في الدين وفي الإنسانية، ومقدسات ترتبط بعقيدة لا يمكن السماح بتعريضها لأي تغيير زماني أو مكاني.
يقول المستشار الإعلامي لمحافظة القدس الفلسطينية معروف الرفاعي، إن “إسرائيل” تسعى لفرض سيادتها الكاملة على مدينة القدس المحتلة وتغيير تركيبتها الديمغرافية من خلال تسريع مشاريع الاستيطان والبنى التحتية، محذراً من “خطة متكاملة” لعزل المدينة وتهجير السكان الفلسطينيين منها.
هذا المساس الخطير بالأرض والمقدسات لا شك بأنه يزيد من حالة الغليان التي تشهدها المنطقة، وقد تتسبب في حالة فوضوية لا يمكن السيطرة عليها.
مخطط “القدس 2050″
تعود خلفية التحرك الجديد إلى عام 2025 عندما قرر الكيان التسريع في الضم والاستيطان، وهو العام الذي أطلق عليه العدو بـ”عام الحسم” في القدس، في إشارة إلى إنهاء وجود الشعب الفلسطيني على أرضه بصيغة دولة. وجاء قرار العدو انسجاماً مع مخطط ما أسماه بـ”القدس 2050″ والهادف إلى “رفع عدد الصهاينة في القدس بشطريها الشرقي والغربي إلى خمسة ملايين، بحيث تتراجع نسبة العرب إلى أقل من 10 %” بحسب المخطط.
على أن الحركة المتسارعة لإنهاء أي معالم لسيادة فلسطينية انطلقت منذ اليوم الأول للعدوان الهمجي على غزة. إذ يؤكد مسؤول التوثيق بهيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود، أنه منذ بدء حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر 2023، “ارتفعت وتيرة الاعتداءات والبناء الاستيطاني إلى الذروة، وباتت “إسرائيل” تسابق الزمن لفرض وقائع جديدة في الأرض الفلسطينية”.
زادت حالة التحدي لدى المحتل بعد أن أفرد المعتوه “ترامب” للعدو الإسرائيلي شراع الإبحار في الاستباحة وفرض حقيقة جديدة على العالم ولو تعارضت مع القانون الدولي واتفاقيات جنيف وقرارات الأمم المتحدة. وقد ترجم العدو فعلاً ذلك بإطلاق أيدي الغاصبين للعبث -بصورة يومية- بحياة أهالي قرى وبلدات الضفة، وتدمير مزارعهم، وهدم منازلهم ونهب أراضيهم بقوة “جيش” العدو، قبل أن يضع هو رؤيته لضم قطعتي الأرض (الضفة وغزة) التي ولدتها اتفاقية “أوسلو” بلا حماية أو ضمانة.
وفق ما أعلن عنه ما يسمى “وزير الحرب” الصهيوني المجرم إسرائيل كاتس، و”وزير المال الاستيطاني والضم” بتسلئيل سموتريتش، فإنه بات قاب قوسين أو أدنى من جعل الغاصبين هم أسياد الأرض، و”تحويل البلدات الفلسطينية إلى جيوب معزولة ومحاصرة، وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية بشكل كبير”، حسب صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
اليمن يحذر
اليمن -وعبر وزارة الخارجية والمغتربين- حذر من نوايا العدو الإسرائيلي واشتغاله على الأرض لفرض أمر واقع، وأكدت الوزارة أن مثل هذه القرارات إنما تهدف -في نهاية المطاف- للسيطرة على الضفة الغربية، ما يكشف مجدداً النوايا العدوانية التوسعية لكيان العدو الإسرائيلي، ويهدد بنسف الجهود المبذولة لإنهاء العدوان ورفع الحصار المفروض على غزة، وتصفية القضية الفلسطينية.
أدرك اليمن سياسة الكيان المؤقت بتكرار مصادرة مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيين، وحذر من الاستخفاف بإجراءات العدو، لأنها تحسم الوضع لصالح تثبيت الاحتلال كحالة مصيرية.
