لماذا يشتكي العدو الصهيوني في مجلس الأمن؟ قراءة في فاعلية الشعار
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
31 يناير 2026مـ – 12 شعبان 1447هـ
يُعرف عن الكيان الصهيوني أنه لا يتباكى ولا يشتكي أمام أحد، هو يتحرك ويقتل ويشرد ويستبيح الأموال والأعراض والدماء دون مسوغ، ودون التزام بأي ضوابط انطلاقاً من نزعته العدوانية المتأصلة. أمام اليمن فقط يضطر الكيان الصهيوني إلى لغة الشكوى خوفاً من اليمن والمشروع القرآني.
قبل أيام ظهر مندوب الكيان الصهيوني في مجلس الأمن يشتكي أثر الشعار وخوف اليهود من عباراته ومحتواه، مبدياً القلق على مستقبل الكيان الصهيوني من الخطر الداهم من اليمن الذي يرفع شعاراً كله موت لأمريكا و”إسرائيل”، حيث شرح للحضور في مجلس الأمن أن اليهود يخافون من اليمنيين بالرغم من عدم وجود حدود لليمن مع فلسطين المحتلة، لكن الخطورة في كونهم كتلاً من الحقد على اليهود ويلعنونهم ويعدون العدة لإبادتهم.
هذه ليست أول شكوى، ففي بداية الإسناد اليمني لغزة ووصول الصواريخ اليمنية إلى “إيلات” بعد حظر الملاحة الإسرائيلية قدم مندوب الكيان الصهيوني شكوى من خطورة الصواريخ والأسلحة اليمنية على الكيان، وهذا مؤشر على فاعلية الموقف اليمني وشهادة حية على أهمية المشروع القرآني.
والأهم من ذلك التصريحات التي أدلى بها مجرم الحرب “بنيامين نتنياهو” بعد نجاح ثورة 21 سبتمبر 2014م، ووصول طلائع المجاهدين إلى مناطق قريبة من باب المندب، حينها أبدى المجرم نتنياهو القلق البالغ لما يمثله من خطر على الكيان.
بشرى انتصار
لمن كانوا يقولون ويرددون: ما القيمة التي ستحدثها خمس كلمات في وجه الطغيان الأمريكي الإسرائيلي؟ فإن رفع شعار الصرخة في مجلس الأمن ستبقى وثيقة خالدة تشهد بعظمة الصرخة في وجه المستكبرين، وشعار البراءة وهتاف الحرية، ومدى تأثيره البالغ على الأعداء، وتشهد بعظمة المشروع القرآني الذي أطلقه الشهيد القائد رضوان الله عليه والشهداء الأبرار، فـ”إسرائيل” لم تشكوا يوماً من أحد إلا أنها اليوم أتت مجلس الأمن شاكيةً باكيةً بعد أن أحست بالألم والوجع والتأثير، ووطأة الحرب النفسية عليها.
إنّ هذه الاعترافات تؤكد بوضوح أن الحرب ليست عسكرية فقط، وأن هناك وسائل مؤثرة وأدوات فاعلة يمكن للجميع أن يجاهد بها، ولها تأثير قوي إلى الحد الذي يدفع العدو نفسه إلى الشكوى منها، كما أن هذا يمنحنا وعيًا أعمق بطبيعة الصراع وأساليبه، حتى لا نبقى أسرى انتظار التوازن العسكري، أو نؤجّل مواقفنا بحجة غياب السلاح المتقدم أو التفوق التقني، إضافة إلى ذلك، فإنّ ما نراه اليوم من ارتباك العدو وانكشافه واعترافه، هو من بشائر النصر التي وعد الله بها عباده في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (سورة يونس، الآية 64) وهي بشائر لفاعلية العمل وبما يدعو إلى الثبات، ومواصلة الطريق، وعدم التراجع بعد ظهور آثار النصر، كما قال سبحانه: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 152).
إضافة إلى ذلك، فإن في كل ذلك دلالة كبيرة على أن هذا العدو ضعيف جدًّا وأنه أوهن من بيت العنكبوت، وأن أبناء الأمة هذه إذا تكاتفوا وتوحدوا في الحرب النفسية وفي المقاطعة وفي الحرب الإعلامية لن يكون له أي موطئ قدم، ولن يبقى هناك من يتولاه، ولكان منبوذًا وممقوتًا في وسط منطقتنا، فما بالك عندما تعد وتجهز وتتخذ خيارات عسكرية وأمنية.
أهمية السخط على الأعداء في المشروع القرآني
كان شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي “رضوان الله عليه” يرى ما لم نكن نراه، ويؤمن بحقائق بدت لنا يومًا بعيدة أو مستحيلة، فإذا بها اليوم واقعٌ نعيشه، أدرك مبكرًا أن أمريكا و”إسرائيل” ليستا قوتين لا تُقهران، بل كيانين يخشيان وعي الشعوب وسخطها أكثر من خشيتها السلاح، لأن السخط يحطم الهيبة، ويصنع العداء الشعبي، ويعزل الطغاة أخلاقيًا وسياسيًا.
وفيما كانت الأمة الإسلامية في حالة تيه وغفلة، كان شهيد القرآن ثابت البصيرة، يراهن على الوعي والإيمان، ويؤكد أن كسر الخوف وبناء الموقف الشعبي الصادق هو بداية الهزيمة الحقيقية للعدو، وهو ما تثبته الوقائع اليوم بلا مواربة.
يقول الشهيد القائد رضوان الله عليه في محاضرة الصرخة في وجه المستكبرين: “ولنعرف حقيقة واحدة من خلال هذا، أن اليهود أن الأمريكيين على الرغم مما بحوزتهم من أسلحة تكفي لتدمير هذا العالم عدة مرات، حريصون جداً جداً على أن لا يكون في أنفسنا سخط عليهم، حريصون جداً جداً على أن لا نتفوه بكلمة واحدة تنبئ عن سخط أو تزرع سخطاً ضدهم في أي قرية ولو في قرية في أطرف بقعة من هذا العالم الإسلامي، هل تعرفون أنهم حريصون على هذا؟. والقرآن الكريم كان يريد منا أن نكون هكذا عندما حدثنا أنهم أعداء، يريد منا أن نحمل نظرة عداوة شديدة في نفوسنا نحوهم، لكنا كنا أغبياء لم نعتمد على القرآن الكريم، كنا أغبياء، فجاءوا هم ليحاولوا أن يمسحوا هذه العداوة، أن يمسحوا هذا السخط. لماذا؟ لأنهم حينئذٍ سيتمكنون من ضرب أي منطقة أو أي جهة تشكل عليهم خطورة حقيقية، ثم لا يكون هناك في أنفسنا ما يثير سخطاً عليهم، ثم لا تكون تلك العملية مما يثير سخط الآخرين من أبناء هذه الأمة عليهم، هكذا يكون خبث اليهود والنصارى، هكذا يكون خبث اليهود بالذات، أما النصارى فهم هم قد أصبحوا ضحية لخبث اليهود، النصارى هم ضحية كمثلنا، تلك الشعوب هم ضحية مثلنا لخبث اليهود، هم من يحركهم اليهود، من أصبحوا يصفقون لليهود.”
كما يقول الشهيد القائد في محاضرة لا عذر للجميع أمام الله بتاريخ: 21/12/1422ه: “من خلال ما فهمناه ونحن نتابع الأحداث، ومن خلال ما فهمناه ونحن نتأمل كتاب الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا لم يكن لدي ولا لديك اهتمام بأن نقاتلهم وليس فقط بأن نقول: الموت لأمريكا، ولكن إذا لم أقل الآن الموت لأمريكا وهو الشيء الذي أستطيعه وأنت تستطيعه. وأنا أؤكد لك أنه شيء أثره بمثابة ضرب الرصاص عليهم، أنه شيء بالتأكيد أثره بمثابة ضرب الرصاص إلى صدورهم إذا ما انتشر في أوساط الناس. أنا قلت لكم في العصر بأن هناك خبراً بأن البيت الأبيض انزعج جداً عندما رفع تقرير عن استبيان داخل عشرة آلاف شخص في سبع دول عربية أن هناك سخط ضد أمريكا انزعجت أمريكا، هم ليسوا أغبياء مثلنا، يريد أن يضربك وأعصابك باردة لا تفكر بأن تعد ضده أي شيء، لكن أن يستثيرك يعني ذلك أنه ماذا أنه سيجعلك تفكر كيف تمتلك وتبحث عن قوة لتواجهه بها وتضربه، أليس كذلك؟ لا.. لا.. هو يريد أن يضربك بهدوء من أجل أن لا يخسر أكثر في مواجهتك.”
تهديد العدو دليل على صحة الطريق
أمام كل حدث كبير أو معركة حاسمة، وأمام كل موجة تخويف أو تهويل يطلقه العدو، تتعزز الحقيقة الإيمانية في أن المخاوف ليست نذير هزيمة، وليست كل التهديدات علامة ضعف، فهي في ميزان الإيمان دليلَ صحة الطريق، وبرهانَ صدق الموقف وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في وصفه لحال المؤمنين الصادقين، حين قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
إنّ كلمة “فزادهم إيمانًا” تختزن معاني عميقة وتجارب إنسانية وإيمانية متراكمة فالزيادة في الإيمان لا تأتي دائمًا من السكون والطمأنينة، بل كثيرًا ما تولد من قلب الأحداث الصعبة، ومن رحم التحديات التي يُراد بها كسر الإرادة أو زعزعة الثبات.
قد يكون الحدث الذي يُخَوِّفك به الآخرون هو ذاته الحدث الذي يعمّق إيمانك، لأنك من خلاله تكتشف أن تحركك كان في موضعه الصحيح، وأن خيارك لم يكن عبثيًا ولا خاطئًا، حين ترى أن كل هذا الضجيج والعداء إنما وُجِّه بسبب موقفك، فإنك تدرك أنك لم تكن تسير في فراغ، بل في مسار مؤثر له وزنه وحضوره، أليس هذا شكلًا من أشكال زيادة الإيمان؟ أن تثق بنفسك، وبخطواتك، وبأنك لم تنخدع بزيف الطريق؟
ويزداد الإيمان عمقًا حين تلاحظ أن عدوك قد تحرّك والسؤال هنا: لماذا تحرّك؟ هل لأنه رأى فيك ضعفًا؟ أم لأنه أدرك أنك لم تعد رقمًا عابرًا؟ في الغالب، لا يتحرك العدو إلا عندما يشعر بالخطر، وعندما يدرك أن الطرف المقابل أصبح فاعلًا، مؤثرًا، وصاحب قدرة على إحداث تغيير، وهذه لحظة وعي إيماني فارقة؛ لأن المؤمن يفرح – لا بالعداوة في ذاتها – بل بدلالتها، حين يعلم أن عمله لم يعد مهمَلًا، وأن موقفه بات يُحسب له ألف حساب.
إن تحرك الأعداء ضدك ليس دائمًا علامة خسارة، بل قد يكون شهادة غير مباشرة لصالحك، شهادة بأنك تقف في موضع الحق، لأن الباطل بطبيعته لا يواجه إلا ما يناقضه، فالحق والباطل ضدان لا ينسجمان، ولا يلتقيان في منتصف الطريق. ولو كان موقفك باطلًا، لكان منسجمًا مع منظومة الباطل، ولما استدعى كل هذا العداء والاستنفار.
إن صحة الموقف، حين يكون منطلقًا من الحق، يشهد لها تحرك الأعداء ضده، وهذا الإدراك يحرر المؤمن من الخوف، ويمنحه طمأنينة عميقة؛ لأنه لم يعد يقرأ الأحداث بظاهرها، بل بميزانها الحقيقي، وهكذا، يصبح قول المؤمن: «حسبنا الله ونعم الوكيل» ليس انسحابًا من الواقع، بل أرقى أشكال المواجهة الواعية؛ مواجهة تقوم على الثقة بالله، واليقين بعدالة الطريق، والفهم العميق لقوانين الصراع، عندها فقط، تتحول الأحداث القاسية إلى وقودٍ للإيمان، وتتحول محاولات التخويف إلى محطات تثبيت، ويخرج المؤمن من كل اختبارٍ أكثر وعيًا، وأكثر ثباتًا، وأكثر يقينًا بأن الحق – مهما حورب – لا بد أن يُقلق الباطل ويستفزه.
وفي هذه الجزئية يقول الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي في محاضرة خطر دخول أمريكا اليمن بتاريخ: 3/2/2002م: “إذاً فأمام كل حدث وهو ما أقول دائماً وأكرر: المؤمنون هم من قال الله عنهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173) زادهم إيماناً، وكلمة: زادهم إيماناً تعني الكثير من صور الحدث التي تعزز الإيمان في نفسك… قد يكون ذلك الحدث الذي يخوفك به الآخرون هو ما زادك إيماناً من جهة أنك اكتشفت أن تحركك، وأن عملك كان في محله، أوليس هذا من زيادة الإيمان؟ فتكون واثقاً من نفسك، وواثقاً من عملك. تزداد إيماناً أيضاً عندما تعرف أن عدوك تحرك، لماذا تحرك؟ هو أنه أصبح ينظر إليك أنك أصبحت رقماً كبيراً، وأنك أصبحت تشكل خطراً بالغاً عليه، أوليس هذا هو ما يسعد الإنسان المؤمن أن يعلم من نفسه أن عمله له أثره البالغ في نفوس الأعداء؟ فعندما يتحرك الآخرون ضدك فاعرف أن عملك كان أيضاً عملاً له أثره الكبير، وأن تحركك في مواجهة أعداء الله يُحسب له ألف حساب، سيكون ذلك من جانبهم شهادة لك بأن موقفك حق؛ لأن عملك ضدهم هو منطلق من ماذا؟ من حق أليس كذلك؟ أي أن هذا الحق حرك الباطل هناك، فلو كان موقفي باطلاً لكان منسجماً مع ذلك الباطل، أليس كذلك؟ لأن الحق ضد للباطل، والباطل ضد للحق لا ينسجمان.
الشعار حرب نفسية على العدو وجهاد في سبيل الله
في ضوء قول الله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ}، يفتح شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي – رضوان الله عليه – نافذة وعيٍ عميقة لفهم طبيعة الصراع كما يقدّمه القرآن الكريم، بعيدًا عن الفهم الضيّق الذي اختزل الجهاد في صورة واحدة، وأغفل سعته، وميدانه، وأبعاده المتعددة.
يتوقف الشهيد القائد عند دلالة اللفظ القرآني، متسائلًا: لماذا قال الله يجاهدون ولم يقل يقاتلون؟ والسؤال في جوهره ليس لغويًا، بل فكرياً وحضارياً؛ لأن القرآن كتاب حياة، يخاطب الناس في كل الأزمنة، ويقدّم لهم قوانين الصراع كما هي، لا كما نحب أن نحصرها، فالجهاد، كما يبيّنه القرآن الكريم، هو حالة صراع شاملة، أوسع بكثير من مجرد المواجهة العسكرية.
إنّ كلمة يجاهدون تعبّر عن بذل الجهد في كل مجال يمكن أن يكون مؤثرًا على العدو، جهاد ثقافي يواجه الوعي الزائف، وجهاد اقتصادي يضرب مصالحه، وجهاد سياسي يفضح مشاريعه، وجهاد إعلامي يكسر روايته، وجهاد نفسي يُحبط خططه، وجهاد عسكري حين يفرضه الميدان، إنها حركة شاملة، لا تتوقف عند ساحة واحدة، ولا تنتظر إذنًا بزمن محدد.
ومن أبرز مظاهر هذا الصراع في عصرنا الحديث، كما يوضح الشهيد القائد، الحرب النفسية؛ تلك الحرب التي تستهدف الإنسان من داخله، وتهدف إلى كسر ثقته بنفسه، وتشويه قناعاته، وزرع الهزيمة قبل أن تقع أي مواجهة ميدانية، وهذه الحرب ليست هامشية، بل هي في كثير من الأحيان أخطر من السلاح، لأنها تمهّد له، وتفتح له الطريق.
غير أن المؤلم – كما يشير الشهيد القائد بوضوح – هو أن بعض الناس لا يفهم الجهاد إلا في صورته الأخيرة، أي القتال، وينتظر حتى تندلع الحرب ليشعر أن عليه مسؤولية، أما قبل ذلك، فهو يعجز عن أبسط صور الجهاد، بل ويتوقف عنها، رغم سهولتها وقلة كلفتها، فهناك من يعجز عن رفع شعار حق في مسجده، رغم أنه لا يكلفه مالًا ولا جهدًا. وهناك من يشتري بضاعة أمريكية أو إسرائيلية، مع وجود بديل واضح أمامه، ثم يتحدث عن الجهاد وكأنه أمر مؤجل إلى معركة كبرى.
أليست هذه خسارة؟ أليس العجز عن مقاطعة عدوك، أو عن التعبير عن موقفك، أو عن اتخاذ قرار أخلاقي بسيط، شكلًا من أشكال الهزيمة الداخلية؟ هنا تتجلى خطورة الفهم السطحي للصراع، الذي يجعل الإنسان يتقاعس عن ميادين الجهاد السهلة، ثم ينتظر ميدانًا أعقد ليقول: حينها سنقاتل.
ويؤكد الشهيد القائد أن هذا الفهم القاصر هو من الأشياء المؤسفة في واقع الأمة، لأنه يعكس غياب الوعي القرآني بطبيعة الصراع، فالقرآن الكريم، منذ وقت مبكر، قدّم لنا نموذجًا متكاملًا للصراع، كما في دروس معركة أُحد، حيث كان التركيز كبيرًا على الجانب النفسي والمعنوي، لا على السيف وحده، لأن الصراع، في حقيقته، لا يُدار فقط بأدوات مادية، بل بعوامل نفسية، ومعنوية، وفكرية.
فالعدو – كما يبيّن الواقع – لا يبدأ دائمًا بالضرب المباشر، بل يسبق ذلك بتهيئة نفسية، وبفرض خيارات، وبخلق عادات، وبالتأثير على وعي الناس. وإذا مشَت له هذه القضايا، فلن يحتاج إلى قتال، لأنه يكون قد حقق أهدافه دون مقاومة. أما إذا واجه رفضًا، ووعيًا، وموقفًا صلبًا، فإن قدرته على الوصول إلى الناس تتقلص، وتفشل أدواته.
من هنا، يصبح الجهاد – كما يقدمه القرآن الكريم وكما يشرحه الشهيد القائد – مسؤولية يومية، لا تنتظر إعلان حرب، ولا تتوقف عند ساحة واحدة، هو وعي، وموقف، واختيار، وبذل جهد في كل ما نستطيع، وبهذا الفهم، يتحول الجهاد من فعل مؤجل إلى حالة دائمة من الحضور الواعي في معركة الحق والباطل.
إن استعادة هذا الفهم القرآني العميق للجهاد، هو الخطوة الأولى لاستعادة الفاعلية، وكسر حالة الانتظار، والانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الشاهد والمؤثر، فالجهاد ليس فقط حين نقاتل، بل حين نعي، ونرفض، ونواجه، ونصمد، ونبذل جهدنا في كل ميدان نستطيع أن نكون فيه جزءًا من معركة الحق.
وقد تحدث شهيد القرآن في “الدرس الثاني والعشرون من دروس رمضان بتاريخ 22 رمضان 1424هـ الموافق 16/11/2003م عن قول الله تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} فيقول: “لماذا لم يقل: يقاتلون هنا؟ نقول فعلاً: إن الآية تتحدث عن هذا الزمن؛ لأن القرآن هو للناس وللحياة كلها، الجهاد يعبر عن حالة الصراع، وسعة الصراع وميدانه أوسع من كلمة: يقاتلون، أي سيتحرك في كل مجال يستطيع أن يتحرك فيه، ويقتضي العمل بإيجابية أن يكون مؤثراً على العدو فيتحرك فيه، بذل الجهد، سواء في موضوع ثقافي، اقتصادي، عسكري، سياسي، إعلامي، في كل مجال يستطيع أن يتحرك فيه، حرب نفسية، والحرب النفسية من أبرز مظاهر الصراع في هذا الزمن، الحرب النفسية؛ ولهذا يقول: يجاهدون في سبيل الله، يعني: يبذلون جهدًا في كل المجالات، وفعلاً ترى بأنه الفئة السابقة: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ} في خسارتهم تبرز أشياء هي سهلة جدًا وهي جهاد فلا يعد يتوفق أن يصل إليها، شعار يرفعه، أو بضاعة أمريكية وإسرائيلية يقاطعها، لا يعملها، يشتري قمحاً أمريكيا وهناك قمح آخر أمامه! أليست هذه خسارة، يتوقف أن يرفع شعارًا في مسجده، لا يحتاج يخسر من أجله ولا ريالاً واحدًا، أليست هذه تعتبر خسارة؟ منتظر أن معنى يجاهدون: يقاتلون [متى ما قاتلوا]! هذه من الأشياء الغريبة التي نقول هي أشياء مؤسفة فعلاً بالنسبة للعرب أنه لم نفهم أنواع الصراع من داخل القرآن، والقرآن أعطى فعلاً، نحن قرأنا في قصة معركة أحد كيف التركيز على الجانب النفسي والمعنوي، بمعنى أن الصراع لا يكون أمامك فقط مجرد سيف، هذه واحدة من وسائل الصراع التي يجب أن تكون نصب عينيك، لكن تعرف أن الصراع يتناول مختلف الأشياء النفسية والمعنوية، فالقرآن علمنا من قبل، لكن لا بد من القرآن حتى نعرف كيف الجهاد، ونعرف كيف عادة يحصل الصراع بين البشر، يقول لك: ننتظر حتى يأتي قتال! نقول: إن هؤلاء الأعداء هم يركزون على قضايا نستطيع أن نواجهها إذا مشت سيقاتلون، وسيضربون، إذا لم تمش لهم لن يضربوا، ولن يصلوا إلى الناس.”
ختاماً
وفي المحصلة، فإن ما نراه اليوم من شكوى العدو، وارتباكه، وتوجّهه إلى المنابر الدولية متباكيًا من كلمةٍ وشعارٍ وموقف، ليس حدثًا عابرًا ولا تفصيلًا ثانويًا، بل هو دليلٌ ساطع على أننا أمام مسارٍ صحيح، وخيارٍ مؤثر، وجهادٍ حيٍّ بلغ هدفه فالعدو لا يشتكي إلا مما يؤلمه، ولا يفضح خوفه إلا حين يعجز عن احتوائه أو إخماده.
لقد أثبتت الوقائع أن الصراع لم يكن يومًا محصورًا في ميدان السلاح وحده، بل هو صراع إرادات، ووعي، ومواقف، وسخطٍ يهدم الهيبة الزائفة، ويكسر حاجز الخوف، ويعيد تعريف موازين القوة، وما الصرخة، والمقاطعة، والموقف الشعبي، والحرب الإعلامية والنفسية، إلا تجليات حيّة لمعنى {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} كما أراده القرآن الكريم، وكما فهمه ووعاه الشهيد القائد السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه.
إن اعتراف العدو، وقلقه، وتحذيره من أثر الشعار، هو شهادة صريحة بأن هذا المشروع لم يكن وهمًا، وأن الرهان على الوعي والإيمان لم يكن مقامرة خاسرة، بل كان اختيارًا استراتيجيًا سبق زمانه، وها هو اليوم يؤتي ثماره، وهنا تتجلى بشائر النصر التي وعد الله بها عباده، نصرٌ يبدأ في النفوس قبل الميادين، وفي الوعي قبل السلاح، وفي الثبات قبل الحسم.
وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس التراجع ولا التردد، ولا انتظار اكتمال موازين القوة المادية، بل الثبات على هذا النهج، وتعميق الوعي بطبيعة الصراع، ومواصلة الجهاد في كل ميادينه الممكنة، لأن ما أقلق العدو وأجبره على الشكوى، قادر – بإذن الله – أن يمهّد لهزيمته الشاملة {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
