خبراء اقتصاديون: بين استنزاف واشنطن والصدام مع الإمارات.. اقتصاد الرياض يغرق في مستنقع العدوان على اليمن

0

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
28 يناير 2026مـ – 9 شعبان 1447هـ

تجد السعودية نفسها اليوم أمام معادلة سياسية واقتصادية وعسكرية بالغة التعقيد؛ فبينما تسعى جاهدة لتثبيت أقدامها كقطب مالي دولي، تصطدم بواقع يفرض تقشفاً حاداً في بعض الجوانب، ويستنزف إنفاقاً ضخماً في جوانب أخرى نتيجة منافسة إقليمية، والتزامات للإدارة الأمريكية، وخطط توفير الحماية، وتوفير الكلفة التنفيذية لمخططات التوسع الصهيوأمريكية في المنطقة.

وفي هذا المشهد، تبرز مؤشرات تعثر “رؤية 2030” كواحدة من أكبر التحديات التي تواجه طموح محمد بن سلمان، حيث يتحول الحلم الاستراتيجي الذي أُعلن عنه في عام 2017 إلى واقع يواجه نتائج توصف بالكارثية بعد سنوات من العجز المالي والخسائر المتراكمة. ويرى الخبراء والمحللون أن هذا التحول الجذري يضع المملكة في مواجهة حتمية مع حليفها الإماراتي، إذ يمثل الإصرار السعودي على نقل المقرات الإقليمية للشركات العالمية إلى الرياض ضربة قاصمة للنموذج الاقتصادي الذي احتكرته دبي لعقود.

ويكشف الدكتور عماد عكوش عن أبعاد هذا الصدام، موضحاً أن الطموحات السعودية تصطدم بنقص حاد في السيولة وتراجع أسعار النفط عن المستويات المطلوبة لتغطية الإنفاق الحكومي، مما دفع الرياض إلى تبني استراتيجيات قسرية أحياناً لتحريك ثروات العائلات التجارية الكبرى وضخها في شريان المشاريع المتعثرة مثل “نيوم”.

هذه الضغوط أدت فعلياً إلى تقليص ميزانيات مشاريع عملاقة أو تعليق مراحل أساسية منها، مثل مشروع “المكعب” في المربع الجديد بالرياض، الذي توقف العمل فيه بعد مرحلة الركائز، مما يعكس ارتباكاً في الدراسات الفنية والقدرات التنفيذية.

وفي سياق متصل، يربط المحلل السياسي طالب الحسني بين هذه الإخفاقات والخيارات العسكرية الخاطئة، مؤكداً أن إطلاق الرؤية بالتزامن مع شن العدوان على اليمن خلق حالة من عدم الاستقرار تتناقض كلياً مع متطلبات جذب الاستثمار.

فالعمليات اليمنية التي طالت العمق السعودي، وخاصة منشآت أرامكو في بقيق وخريص، تسببت في حرمان الرياض من نصف عائداتها النفطية لفترات معينة وأضعفت ثقة المستثمرين الدوليين، مما أدى إلى تراجع اكتتابات أرامكو إلى مستويات قياسية.

ويضيف الحسني أن التخبط السعودي يتجلى في ضخ تريليونات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي خلال ولايتي ترامب كنوع من الإنفاق السياسي لضمان الدعم الخارجي، بدلاً من توظيف تلك الأموال في بناء دورة اقتصادية إنتاجية قادرة على تنويع مصادر الدخل.

من جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي رشيد الحداد أن تعثر المشاريع الكبرى يعكس بوضوح تقديم المصالح الأمريكية على حساب الاقتصاد السعودي، حيث تعمدت الشركات الاستشارية الغربية المبالغة في تقدير النفقات لتبديد مئات المليارات دون جدوى حقيقية.

ويشدد الحداد على أن السعودية تعاني من عجز مالي حقيقي، وسوء إدارة للأولويات؛ فالدولة التي دفعت ما يقارب تريليون دولار لواشنطن كان بإمكانها إنعاش المنطقة العربية بأكملها وخلق تكامل اقتصادي يغنيها عن التبعية المطلقة، مضيفاً: “إلا أن الرؤية الاقتصادية فشلت في فك عقدة الاعتماد على النفط، وظلت مشاريع الترفيه والسياحة مجرد أدوات لتحسين الصورة الدولية وصرف الأنظار عن الأزمات السياسية، مثل قضية اغتيال خاشقجي وحملات الاعتقالات الداخلية التي طالت أقطاب العائلة الحاكمة وأحدثت حالة من الشك والريبة في أوساط رأس المال المحلي والدولي”.

إن هذه القراءات ترسم صورة قاتمة لمستقبل المشاريع السعودية التي باتت توصف بأنها “مسرحية للترويج السياسي” أكثر من كونها خططاً اقتصادية واقعية. ومع تراجع صندوق الاستثمارات العامة عن الإنفاق الضخم والتركيز على مبادرات أقل طموحاً مثل “إكسبو 2030” وكأس العالم، تظل خارطة النفوذ المالي في المنطقة رهينة لمدى قدرة العدو السعودي على وقف نزيفه المالي لصالح الناهب الأمريكي وتوجيه ثرواته نحو تنمية داخلية حقيقية. وفي ظل استمرار السياسات التي تضع أمن النظام والوصول إلى كرسي الحكم فوق المصالح الاقتصادية الوطنية، ومع احتدم الصراع مع الإمارات، يبدو أن طموح بن سلمان سيصطدم بمزيد من التراجع والتيه الاقتصادي الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط من مدخراته ومستقبله.