شمسان: العقيدة الأميركية الجديدة تجاه إيران تقوم على إدارة الصراع من الخلف دون قدرة على كسرها
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
25 يناير 2026مـ – 6 شعبان 1447هـ
تطرق الخبير في الشؤون العسكرية العميد مجيب شمسان إلى ملامح العقيدة الأميركية الجديدة ورؤيتها للمنطقة، مؤكداً أن واشنطن تتجه نحو تقليل الانخراط العسكري المباشر مع الإبقاء على النفوذ والقيادة من الخلف، عبر توكيل الأدوار إلى الحلفاء والأدوات الإقليمية، في سياق إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية وفق الوثائق والعقائد الصادرة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح شمسان في مداخلة على قناة المسيرة، أن الوثيقة الأميركية الجديدة، وما سبقها من وثائق مسرّبة ومراجعات متكاملة للأمن والدفاع، تحاول إظهار أن الولايات المتحدة لم تعد تمنح المنطقة العربية الثقة ذاتها، وتسعى إلى تحميل الحلفاء مسؤولية الدفاع عن أنفسهم أو العمل بشكل تكاملي ضمن أطر تحالفية، على رأسها ما سُمّي سابقاً بـ”ناتو عربي” في مواجهة إيران وبقيادة الكيان الصهيوني.
وشدد شمسان على أن العودة إلى وثيقة عام 2020، والمراجعة المتكاملة للدفاع والأمن، تكشف وجود تشابه واضح مع ما يُطرح اليوم، سواء في المذكرة المؤقتة لوزارة الخارجية الأميركية أو في المراجعة المتكاملة للسياسة والدفاع والأمن الصادرة عن الخارجية البريطانية، حيث تقوم الاستراتيجية في المنطقة على مبدأ “الموازن الخارجي”.
وبيّن أن هذا المبدأ يقوم على منح قوى إقليمية صلاحيات وأدواراً لتنفيذ الأهداف الأميركية، إلى جانب أدوات أخرى وصفها بالمنبطحة، على أن يكون التدخل الأميركي المباشر خياراً أخيراً في حال عجز تلك الأدوات عن تحقيق المطلوب.
ولفت إلى أن واشنطن تدرك وجود تهديدات حقيقية للكيان الصهيوني، استناداً إلى المعارك السابقة، وخصوصاً ما جرى في البحر الأحمر وخلال حرب الاثني عشر يوماً مع إيران، رغم محاولات التسويق لانتصارات مزعومة وتضخيم صورة القوة الإسرائيلية بعد أحداث سوريا وجنوب لبنان، ومحاولات عقد تفاهمات سرية مع بعض القوى العميلة.
وأشار شمسان إلى أن هذه المحاولات تصطدم بموقف إيراني صارم، في ظل حرب نفسية واسعة وحشد عسكري وإعلامي كبير، يتجلى في الحديث عن وصول عشرات الطائرات من طراز “إف-15” إلى قاعدة موفق السلطي في الأردن، ونشر قوات خاصة في قاعدة الملك عبد الله، واستخدام قواعد في لبنان كدعم لوجستي، إضافة إلى نقل أسلحة وتحركات عسكرية باتجاه تركمانستان ووصول حاملات طائرات.
وتساءل عن جدوى هذا الحشد إذا ما قورن بما جرى في اليمن خلال إدارة ترامب، حيث جرى تضخيم صورة الحاملات والقاذفات الشبحية دون تحقيق أي إنجاز يُذكر، رغم أن اليمن لا يمتلك القدرات التي تمتلكها إيران.
وأكد أن إيران تمتلك عقيدة قتالية وقدرة على امتصاص الضربات وعمقاً استراتيجياً يفتقده العدو، وهو ما ظهر جلياً خلال حرب الاثني عشر يوماً، عندما تمكنت طهران من إعادة ترميم قدراتها خلال أقل من 24 ساعة، والانتقال إلى ضربات مؤلمة داخل الأراضي المحتلة، ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل لوقف الحرب بعدما عجز الكيان عن الصمود.
وتابع شمسان حديثه بالقول إن جوهر العقيدة الأميركية الحالية يقوم على خلق مسارح اشتباك متعددة لتشتيت الرد الإيراني، عبر استخدام الأدوات الخليجية وبعض الأنظمة العربية، وعلى رأسها النظام الأردني، حيث يُقدَّم الأردن كساحة اشتباك مباشر من خلال تمركز طائرات “إف-15” التي وصفها بشاحنات القنابل، ما يعني تحميله كلفة أي رد إيراني محتمل، وهو السيناريو ذاته بالنسبة لدول الخليج.
ورجّح أن القراءة الإيرانية مختلفة، إذ تدرك طهران أن أي اعتداء، سواء كان محدوداً أو بضربات دقيقة، سيُعد حرباً شاملة، وسيقود إلى استهداف الكيان الصهيوني وكل المناطق التي تنطلق منها القدرات الأميركية المشاركة في العدوان.
وأوضح أن واشنطن، رغم حديثها في الوثائق الرسمية عن تقليل كلفة التواجد العسكري المباشر، كانت حاضرة عملياً في حرب الاثني عشر يوماً، سواء عبر قواعدها في الخليج والأردن في محاولات اعتراض الصواريخ الإيرانية، أو عبر مشاركة بريطانية وفرنسية وألمانية، إلى جانب أدوات عربية، في الدفاع عن الكيان، ومع ذلك لم تتغير النتائج، إذ نجحت إيران في ضرب أهداف حساسة داخل فلسطين المحتلة.
وفي قراءته للمشهد الإقليمي الأوسع، لفت شمسان إلى إعادة توزيع الأدوار، حيث أُنيط بالسعودية دور في اليمن والصومال والقرن الإفريقي، فيما أُعطيت تركيا أدواراً في سوريا والعراق، مع تحريك تنظيمات إرهابية باتجاه الحدود العراقية، والضغط على الحكومة العراقية في ملف النفط ونزع قدرات قوى المقاومة.
واعتبر أن هذه التحركات تهدف إلى مضاعفة الضغط على إيران نفسياً واقتصادياً واجتماعياً، ضمن سياسة تراكم الضغط وانتظار الخطأ.
وأكد أن المعطيات تشير إلى احتمالية توجيه ضربة، في ظل شعور أميركي بقدرة مزعومة على كسر الإرادة الإيرانية، أو خوف من تنامي قدراتها بما يشكل تهديداً أكبر للكيان الصهيوني، إلا أن الرهان الأميركي على الاضطرابات الداخلية في إيران فشل، بعدما تمكنت طهران من احتواء تلك الاضطرابات قبل مزامنتها مع أي عمل عسكري.
وشدد شمسان على أن حشد القدرات ونقل عشرات شحنات الطائرات العملاقة إلى قواعد في الأردن ولبنان والعديد والكويت وتركمانستان، يعكس الاستعداد لمعركة قادمة، لكنه رأى أن واشنطن تدرك أن أدواتها الإقليمية عاجزة عن الدفاع عن نفسها أو حماية الكيان، كما أثبتت التجربة الأخيرة، رغم الخسائر التي تكبدتها إيران في قادتها ومواقعها الدفاعية.
وفي ختام حديثه للمسيرة، أكد العميد مجيب شمسان، أن القدرات الإيرانية، سواء الصاروخية أو الجوية المسيّرة، أثبتت فعاليتها ميدانياً، من خلال ضربات نوعية طالت أهدافاً حساسة داخل الكيان، دون استنفاد كامل الإمكانات المعلنة، بما في ذلك الصواريخ المتشظية والرؤوس عالية التدمير، معتبراً أن كل هذا الحشد الأميركي، من حاملات طائرات وتعزيزات وقواعد، لن يغير من واقع فشل الأهداف المعلنة، سواء في تغيير النظام، أو إضعاف إيران، أو القضاء على برنامجها النووي.
