حين تصبح الهيمنة عبئًا: واشنطن أمام أزمة قيادة عالمية

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
24 يناير 2026مـ – 5 شعبان 1447هـ

تقريــر || محمد ناصر حتروش

يعيش النظام الدولي مرحلة تحوّل عميقة تتضح ملامحها مع تصاعد الأزمات الكبرى، من غزة إلى أوكرانيا، ومن الصراع الأميركي-الصيني إلى اهتزاز التحالفات الغربية التقليدية، إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة العالم بذات الأدوات التي حكمت بها مرحلة القطب الواحد، فيما تتراجع الثقة الأوروبية بالحليف الأميركي، وتتسع الفجوة بين الخطاب الغربي القيمي والممارسة الفعلية على الأرض.

وفي هذا الإطار يفتح برنامج صدى الخبر على شاشة المسيرة هذا المشهد على مقاربتين تحليليتين متكاملتين، يقدمهما كل من الباحث والكاتب السياسي حسن الزين، ومؤسس مركز بروغن للدراسات قاسم رضوان، حيث يقدمان قراءة معمقة لمسار التحولات الدولية، وحدود القوة الأميركية، وأدوات الصراع الجديدة في الفضاءين السياسي والرقمي.

ويجمع السياسيان على أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل موازين القوى، في ظل تآكل الهيمنة الأميركية، وصعود منطق القوة والمصالح على حساب القيم المعلنة، وتحوّل الأمن القومي إلى أداة ضغط تستخدمها واشنطن لإعادة ضبط النفوذ، سواء في السياسة أو التكنولوجيا أو الإعلام.

صراع النفوذ في الفضاء الرقمي

في السياق يرى قاسم رضوان أن الصراع الدولي يدخل مرحلة أكثر حدّة، عنوانها الانقسام بين معسكرين واضحين، تقودهما الولايات المتحدة والصين، ويتجاوز الأبعاد الاقتصادية إلى السيطرة على الفضاء الرقمي والعقول والبيانات، مؤكداً أن صفقة تيك توك تمثل نموذجًا صارخًا لكيفية توظيف واشنطن لمفهوم الأمن القومي كأداة ضغط سياسية واقتصادية لإجبار الشركات الصينية على إعادة التموضع داخل السوق الأميركية بشروط أميركية.

ويشير رضوان إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تنافس الصين فقط على الأسواق، وإنما على الخوارزميات والتكنولوجيا والتأثير الثقافي، معتبرًا أن الخطر الحقيقي في نظر واشنطن لا يقتصر على تسريب البيانات، بل على قدرة التطبيقات الرقمية على تشكيل وعي الشعوب، خصوصًا فئة الشباب.

ويلفت إلى أن نقل بيانات مئات الملايين من المستخدمين إلى بنية تحتية أميركية يعكس خشية أميركية من فقدان السيطرة الداخلية، في ظل عالم رقمي مفتوح يسهل فيه توجيه الرأي العام من الخارج، مشيراً إلى أن تقييم تيك توك بأقل من قيمته السوقية الحقيقية يعكس ميزان القوة لا منطق الاقتصاد، حيث تفرض واشنطن شروطها مستندة إلى نفوذها السياسي والقانوني، في محاولة لاحتواء التمدد الصيني لا القضاء عليه.

تصدّع الثقة داخل التحالفات الغربية

وفي الوقت الذي يرى قاسم رضوان تفوقًا صينيًا لافتًا على الولايات المتحدة الأميركية في مجال التقنيات، يؤكد الباحث حسن الزين أن الصين والاتحاد السوفيتي، إضافة إلى التحالفات الاقتصادية المناوئة للتحالف الغربي كمنظمة بريكس، لها أثر عميق في بنية النظام الدولي نفسه، وحدود القوة الشخصية في إدارة العالم، وانعكاسات السلوك الأميركي على تماسك التحالفات الغربية، معتبرًا أن ما يجري لا يعكس قوة أميركية بقدر ما يكشف أزمة قيادة عالمية وفشلًا في إنتاج نظام مستقر وقابل للاستمرار.

ويؤكد حسن الزين أن السلوك الأميركي في المرحلة الراهنة يكشف تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الدور الأميركي، من قيادة النظام الدولي إلى محاولة فرض الإرادة بالقوة والابتزاز السياسي، موضحًا أن الرئيس الأميركي يتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق الصفقة لا بمنطق التحالف، ما يؤدي إلى تفكيك الثقة داخل حلف شمال الأطلسي، ويدفع أوروبا إلى إعادة التفكير بموقعها الاستراتيجي.

ويرى الزين أن الحديث عن إعادة تموضع أميركي يخفي في جوهره تراجعًا حقيقيًا، يظهر في العجز عن إدارة الأزمات دون كلفة، وفي الفشل في فرض الإملاءات دون ارتدادات سياسية واقتصادية، مستشهدًا بحالة كندا وأوروبا كنموذجين على تصدّع الثقة بالحليف الأميركي، وتنامي الشعور بالدونية داخل المنظومة الغربية.

ويعتبر أن لقاءات الروس والأوكرانيين بعيدًا عن الإطار الغربي، وتراجع الحضور الأميركي في المنتديات الدولية الكبرى، يعكسان فقدان واشنطن لقدرتها على احتكار الوساطة وصناعة القرار.

ويؤكد الزين أن ما يجري في غزة يشكّل لحظة فاصلة، حيث تسقط القيم الغربية سقوطًا مدويًا، ويتحوّل الصمت أو التواطؤ إلى عامل تسريع لانهيار الشرعية الأخلاقية للنظام الدولي.

ويخلص إلى أن العالم يتجه نحو مرحلة صدام مفتوح بين منطق القوة ومنطق المقاومة، وأن محاولات الولايات المتحدة ترميم نفوذها عبر إشعال صراعات جديدة لن تعالج الأزمة، بل ستعمّقها، في ظل وعي عالمي متزايد بطبيعة الهيمنة الأميركية.

في المجمل يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة مختلفة، تتراجع فيها القدرة الأميركية على التحكم المنفرد بمسارات السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، وبينما تركز واشنطن على إدارة الصراع عبر أدوات الضغط والعقوبات وإعادة التموضع القسري، تتسع هوامش الفعل لدى القوى الدولية والإقليمية المناوئة، ويتكرّس واقع التعدد القطبي.

ورغم المساعي الغربية لإخفاء أزمة انهيار الهيمنة الليبرالية، فإن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها تكمن في وجود أزمة نظام عالمي يفقد توازنه وشرعيته ، فالصراع على تيك توك، كما الحرب على غزة، وكما تفكك الناتو، مؤشرات لوجود خلل واحد يتمثل في عجز الهيمنة عن الاستمرار.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو محاولات فرض السيطرة عبر الأمن القومي أو القوة العسكرية قصيرة الأجل، أمام تحولات أعمق في وعي الشعوب وموازين القوى.