مجلس الأمن حين يرى العالم بعين أمريكا

2

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
20 يناير 2026مـ – 1 شعبان 1447هـ

تقرير|| وديع العبسي

يعي حتى بسيطو الفهم، أن الأمم المتحدة منظمة أُنشئت باتفاق دولي، وميثاقها ناظم للعلاقات الدولية، ومدافع عن أي انتهاكات يتعرض لها أي مجتمع حول العالم. وبالتالي فإن قرارات هذه المنظمة لها اعتبارها، وتُعد سنداً قانونياً عند الوقوف ضد الممارسات المتجاوزة لها من أي عضو في المنظومة الدولية.

ليس بالخارق أو الإعجاز الخروج بهذا التفسير من دراسة بنية المنظمة الأممية، وبالنظر إلى ما دفعت إليه الأمم المتحدة من قرارات عبر مجلس الأمن، دائماً ما كان العسكري الأمريكي يتحرك لتنفيذه. وأحياناً كان يتكئ على ما تسمى بـ”القواعد” الخاصة به ليمارس القتل والتدمير في حق الشعوب تحت مبرر أنها انتهكت الحقوق والمبادئ وقرارات الأمم المتحدة.

ازدراء “إسرائيل” للأمم المتحدة وقراراتها
القفز على هذه القرارات يعني في العُرف الطبيعي، تجاوزاً للمنظمة وللمجتمع الدولي عموماً، والسكوت عنه هو تواطؤ مكشوف ومُدان. هنا تتفرد أمريكا والكيان الصهيوني بخرق كل القرارات وعدم الالتزام بها بصورة معلنة يُقر بها كل العالم، مع ذلك لا يقابل هذا الفعل أي تحرك، فحاميها هو من يمارس البلطجة وهو من يصدّر نفسه ككيان دولي فوق القرارات والقوانين.

وطوال عقود الاحتلال “الإسرائيلي” للأراضي الفلسطينية، تعرض أهل الأرض للكثير من التجاوزات، ولم يكتف الكيان غير الشرعي -والذي يحسب نفسه عضواً في الأمم المتحدة كباقي الدول، خلال أعمال القتل والتنكيل للشعب الفلسطيني- بازدراء ميثاق الأمم المتحدة، بل وحتى بقراراتها التي تستنكر ما يجري واصفة إياه بالخرق للقوانين الدولية وانتهاك لحقوق الإنسان.

العدو “الإسرائيلي” يسفك الدماء بأريحية
في العدوان الأخير المستمر على غزة بلغت البلطجة “الإسرائيلية” ذروتها، ومارس الكيان حرب إبادة جماعية مشهودة، هدف من خلالها إلى إفراغ القطاع من أهله.

هنا لم يتحرك العالم بأكثر من البيانات، وإذا صدر قرار كحال ما رشح عن الجنايات الدولية، لم يحرك أحد ساكناً، وظل العدو يمارس وحشيته بلا هوادة. كانت أصوات “بعض” العالم تتعالى مع تصاعد ظهور مشاهد الإجرام المأساوية، إلا أن الأمر ظل محصوراً عند هذه الحدود التي لم تكن تشكل أي ردع.

حتى العسكري الأمريكي الذي يقدم نفسه كحامٍ ومنفّذ للقرارات الأممية لا يتحرك عندما يتعلق الأمر بـ”إسرائيل”، لأنه الجزء الأهم في المشكلة، وجميع جولات العدوان التي تمارسها الربيبة “إسرائيل” إنما كانت تتم بتنسيق ودعم أمريكي، وهو ما لا يخفى على أحد.

تصاعدت أرقام الضحايا الفلسطينيين، ومارس العدو الإسرائيلي عدوانه بكل أريحية، فلا أحد يجرؤ على القيام بدور الحامي لمنظومة القيم التي دافعوا عنها كثيراً ورددوها بين أروقة الأمم المتحدة وعلى مسمع العالم.

حينها كان لابد من تحرك ضد هذه الوحشية، ولم يكن مقبولاً استفراد المحتل بأهل الأرض وقتلهم -بالسلاح أو التجويع- بلا رادع. أطفال ونساء ومسنون ومدنيون لا علاقة لهم بالقتال تُسفك دماؤهم بكل استهتار، بحُجة أن هناك مقاومة داخل القطاع.

وبموجب قرارات الأمم المتحدة، يُعد القطاع أرضاً محتلة تخضع لسيطرة قوةٍ غاصبة غاشمة؛ ما يجعل كل هجومٍ عليه عملاً عدوانياً صريحاً يخالف “المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة”، التي تحظر استخدام القوة ضد وحدة أراضي أيّ شعبٍ واقعٍ تحت الاحتلال. وفي القرار رقم “37/43” لعام 1982م تؤكد الأمم المتحدة شرعية النضال التحرري ضد الاحتلال الأجنبي وكل شكلٍ من أشكال الاستباحة للأرض والسيادة. هذه الصياغات القانونية لا تجد لدى كيان الاحتلال ومظلته الأمريكية أي قبول، وكأنهما استثناء في الالتزام.

الإسناد اليمني قانوني إنساني أخلاقي
حين تحرك اليمن بكل قناعة وإيمان لمساندة أبناء غزة كانت منطلقاته قانونية وأخلاقية وإنسانية، ولم يكن يستهدف الملاحة المرتبطة بالصهاينة بشكل عبثي، بل كان يمارس حقه في الضغط السياسي والميداني دفاعاً عن القضية الفلسطينية، ورفضاً للإبادة الجماعية التي يمارسها كيان الاحتلال. كما أن هذا الموقف العملي جاء “بعد فشل الأمم المتحدة وعجزها الإداري في وقف العدوان وحرب الإبادة على غزة، والذي عـُد خيانةً قانونية لمبادئ الميثاق الأممي ذاته”، وبناءً على أطروحات الخبراء في القانون، فإن ممارسات العدو كانت خروجاً واضحاً وتجاوزاً لكل الشرائع والثوابت القانونية. بالتالي لم يتمكن أحد من رَكب الشيطان الأمريكي من الظهور ليثبت بالحُجج أن اليمن تجاوز بعملياته الإسنادية القوانين.

وعندما حاول المجرم الأمريكي التسويق لكذبة صاغها اللوبي الصهيوني بأن حصار اليمن لملاحة العدو تهديد للملاحة الدولية لم يكن هناك أي دفوعات قانونية تسند هذه الكذبة.

اليوم يدخل مجلس الأمن في تفاصيل المؤامرة ويقدم نفسه كواجهة صهيونية وحيدة تتبنى هذا التوجه، وهو الذي لم يتحرك ضد القتل الجماعي للأبرياء في فلسطين، أو على الأقل ضد انتهاك مبدأ التناسب في المواجهة، خلال عامين من المجازر والسلوك الحيواني في القتل والحصار.

اليمن يفضح مجلس الأمن
الجمهورية اليمنية لم تستنكر فقط ما خرج به مجلس الأمن مؤخراً، وإنما سخِرت منه، خصوصاً وأنه الذي يشير بوضوح إلى شغل تآمري على مستوى مجلس الأمن تحضيراً لاستهداف الشعب اليمني.

وفندت وزارة الخارجية القرار الأخير الذي أصدره مجلس الأمن الدولي رقم 2812 لعام 2026، بشأن “الهجمات” المزعومة على السفن التجارية في البحر الأحمر، ووصفت القرار بأنه يعكس الارتهان الكامل لإرادة الولايات المتحدة وأدواتها في المجلس، ومحاولة فاشلة لتشويه الدور اليمني المشرّف في دعم فلسطين ومقاومة المشروع الصهيوني. وفضحت الوزارة ارتباط القرار بمحاولة ثني اليمن عن دوره الديني والقيمي والأخلاقي تجاه شعب تتم إبادته بشكل جماعي أمام مرأى ومسمع العالم دون أن يجد له نصيرا.

الوزارة تطرقت أيضاً إلى ما يُلجم المنافقين، مشيرة إلى أن استخدام اليمن لورقة البحر الأحمر جاء في سياقٍ مشروع وواضح يرتبط بشكل مباشر بوقف العدوان الصهيوني على غزة، وما يؤكد ذلك أن العمليات البحرية اليمنية توقفت فور التوصل إلى اتفاق لوقف العدوان، في دلالة صريحة على أن اليمن لا يستهدف الملاحة بشكل عبثي، بل يمارس حقه في الضغط السياسي والميداني دفاعاً عن القضية الفلسطينية ورفضاً للإبادة الجماعية التي يمارسها كيان الاحتلال.

تهديد مباشر للسلم الإقليمي والدولي
يُلزم مبدأ “مسؤولية الحماية” (الذي أقره المجتمع الدولي في عام 2005م) الدول والأمم بالتحرك “لمنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب”، عندما تفشل الدولة المعنية أو “مجلس الأمن في حمايتها”.

وإلى ذلك أيضاً، تنص المادة “51” من ميثاق الأمم المتحدة، على أنّه: “ليس في هذا الميثاق ما يضعف الحق الطبيعي للدول -فرادى أو جماعات- في الدفاع عن أنفسها إذا وقع هجوم مسلح عليها”.

ولمّا كان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة “يشكّل تهديداً مباشراً للسلم الإقليمي والدولي، وبما أنّ الولايات المتحدة تشارك فيه دعماً وتسليحاً وتغطيةً سياسية؛ فإنَّ التحرك اليمني جاء ضمن إطار الدفاع الجماعي عن النفس، باعتباره جزءاً من محور الأمة المستهدفة، وامتداداً لجبهةٍ واحدة في وجه العدوان المشترك، وهو ما يطلق عليه في الأمم المتحدة “بالتدخل الإنساني الدولي”.

كما يمنح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم “377” لعام 1950م (المعروف باسم “الاتحاد من أجل السلام”) الدولَ الأعضاء حق التحرك الجماعي “عندما يفشل مجلس الأمن بسبب الفيتو”.

المصدر: “موقع أنصار الله”