حيدر: صراع “غرين لاند” يكشف أزمة أمريكية اقتصادية واستراتيجية ومخطط يهدد أوروبا وروسيا

0

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
19 يناير 2026مـ – 30 رجب 1447هـ

رأى الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية الدكتور محمد حيدر أن جوهر سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقوم على “منطق الغطرسة ومنطق القوة” لا منطق الصداقة أو العلاقات الدبلوماسية أو التجارية، مؤكداً أن تحركاته الأخيرة، وخاصة بشأن غرين لاند، تكشف أزمات أمريكية عميقة اقتصادية واستراتيجية، وتضع أوروبا وروسيا أمام اختبار خطير.

 

وأوضح حيدر في مداخلة على قناة المسيرة، أن ترامب يبدو أنه يعيش حالة من النشوة بعد ما اعتبره “نجاحاً” في اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، ما دفعه إلى الاعتقاد بأنه قادر على مدّ أطرافه وتهديد أطراف أخرى، ومنها إيران، مستحضراً الاحتجاجات التي شهدتها طهران مؤخرًا.

وأشار إلى أن فكرة التوجه نحو غرين لاند ليست جديدة، بل كان ترامب يعد لها منذ ولايته الأولى، إلا أن أزمة “كوفيد” ثم خسارته الانتخابات حالت دون المضي فيها، فيما الطرف الآخر آنذاك لم يكن مستعداً للدخول في هذا المسار.

وبيّن أن ترامب في ولايته الثانية يحاول “ضخ الحياة مجدداً” في الاقتصاد الأمريكي داخل القارة الأمريكية، في ظل تراجع قدرة الصناعات الأمريكية على الحصول على المواد الخام الرخيصة، وهو ما يهدد خصوصاً الصناعات الحربية التي تحتاج إلى معادن محددة ونادرة، إضافة إلى معادن بكميات كبيرة مثل الألمنيوم والحديد والفولاذ عالي الصلابة.

ولفت إلى أن التحول العالمي نحو صناعة الشرائح الذكية والمعالجات الإلكترونية يزيد الحاجة إلى معادن نادرة تسيطر عليها الصين ودول أخرى مثل كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، مبيناً أن جزءاً من هذه المواد موجود في غرين لاند.

وفي هذا السياق، تطرق حيدر إلى الإشكالية القانونية في غرين لاند بشأن اليورانيوم، موضحاً أن شعب الجزيرة صوّت سابقاً على قانون يمنع البحث والتنقيب عن اليورانيوم الذي تتجاوز نسبته مئة جزء بالمليون، بينما طبيعة اليورانيوم في غرين لاند مشبعة بحوالي ثلاثمئة جزء بالمليون، ما يجعل أي محاولة لاستخراجه مخالفة للقانون ويخلق أزمة قانونية حقيقية.

وذكر أن شركات أمريكية اعترضت واشتكت على الحكومة المحلية لأنها أوقفت كثيراً من العمليات.

وتطرق إلى وجود محاولات صينية وروسية لتعزيز نفوذهما في المنطقة عبر الاستثمارات، مبيناً أن ترامب يحاول “تعظيم المصيبة” لتبرير تحركه، بادعائه أن الصين وروسيا تهددان الجزيرة، في حين أن ما قامت به الصين لا يتجاوز استثمارات وصفها بالمشروعة.

وأكد أن الذريعة الأمنية التي يطرحها ترامب ليست سوى حجة، وأن الحديث عن “شراء الجزيرة” يرقى عملياً إلى محاولة سرقة، متسائلاً عن مصدر الأموال التي ستُستخدم في ذلك.

 

ونوّه إلى أن أوروبا منزعجة بشدة من هذا التطور، وقد أرسلت وحدات عسكرية رمزية إلى المنطقة، من بينها وحدة خاصة تدرس الاحتياجات العسكرية للجزيرة في حال نشوب مواجهة، وهو ما صرحت به الدنمارك وبعض الدول الأوروبية، معتبراً أن المرحلة الحالية هي مرحلة نزاع أولى.

وأضاف أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فإن حجم الاستثمارات المطلوبة سيكون ضخماً للغاية وليس مجرد مليارات قليلة، فضلاً عن التعقيدات الجغرافية، حيث أظهرت مسوحات زلزالية وأرضية أمريكية ودنماركية أن بعض الموارد الطبيعية تقع تحت طبقات جليدية يصل عمقها إلى كيلومترين، رغم أن ذوبان الجليد كشف مساحات كبيرة تقارب مساحة ألبانيا.

وحذر من أن ذوبان الجليد على هذه الوتيرة قد يرفع منسوب المياه ويؤدي إلى كوارث عالمية، معتبراً أن هذا العامل يجعل الاستقرار الاستثماري موضع شك.

وتناول حيدر مسألة العقوبات، مشيراً إلى تقارير تتحدث عن إمكانية فرض ترامب عقوبات مالية تصل إلى نحو 110 مليارات دولار على دول أوروبية بسبب موقفها من غرين لاند، لافتاً إلى أن الوجود الأوروبي هناك مزعج لواشنطن لأنه قد يحد من تحركاتها العسكرية وقدرتها على فرض اتفاق.

وتساءل عن قدرة أوروبا على حماية الجزيرة، خاصة أن الدنمارك عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف “الناتو”، ما يضع أكبر تكتلين أوروبيين السياسي والعسكري أمام إحراج كبير، معتبراً أن سيناريو المواجهة “محتمل”.

وأوضح أن محاولة ترامب السابقة لفرض عقوبات قوبلت بعقوبات مضادة، لكن ألمانيا أبرمت اتفاقاً معه ما أتاح له التعامل مع أوروبا “كفريسة سهلة”، معتبراً أن وتيرة التوتر المتصاعدة، وما وصفه بـ“الوحشية والعنجهية والغطرسة” الأمريكية للسيطرة على أرض أوروبية، تشكل خطراً حقيقياً على الاتحاد الأوروبي.

وفي ختام حديثه للمسيرة، أكد حيدر أن ترامب، في منظوره البعيد، يريد تفكيك الاتحاد الأوروبي بشكل علني وليس سراً، وأن ملف غرين لاند يكشف هذا التوجه بوضوح، فضلاً عن توجّه أمريكي لفرض تهديدات جديدة على روسيا.