إيران تقصم ظهر الفتنة.. ما الانعكاسات على أمريكا وكيان العدو الإسرائيلي؟
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
17 يناير 2026مـ – 28 رجب 1447هـ
تقريــر ||إبراهيم يحيى الديلمي
خرجت الجمهورية الإسلامية من محنة كبيرة، ومؤامرة حاول العدو الأمريكي والصهيوني استغلالها لإسقاط النظام، وإعادة ايران إلى ما قبل 1979م، حيث كانت طهران أداة بيد أمريكا والكيان الصهيوني.
وأكد قائد الثورة الإسلامية السيد علي خامنئي في خطاب له اليوم أنّ الشعب الإيراني قصم ظهر الفتنة الأخيرة التي دعمتها أمريكا، وأنه قال الكلمة النهائية أمام الفتن، واصفاً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ “المجرم” بسبب ما ألحقه من خسائر وأضرار وافتراءات بحق الشعب الإيراني، مشيراً إلى أنّ الولايات المتحدة دعمت الفتنة في إيران كمقدمة لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.
ويضاف هذا الانتصار إلى رصيد من إنجازات الثورة الإسلامية الإيرانية التي تحققت خلال أكثر من 3 عقود مضت، في مواجهة مشاريع الاستكبار العالمي التي تسعى إلى إخضاع الشعوب والأنظمة والقوى الحرة في المنطقة والرافضة لكل سياساتها ومخططاتها الهدامة.
واتخذت واشنطن خلال سنوات متعاقبة أشكالًا متنوعة شملت تحريك الشارع عبر احتجاجات مطلبية وتحويلها فيما بعد إلى اضطرابات سياسية، يتم استغلالها بعد ذلك لضرب عمق النظام الإيراني الذي يمثل رأس حربة محور المقاومة في المنطقة، ويشكل تهديداً مباشراً للوجود الصهيوأمريكي في المنطقة، كما شملت توظيف البعد العرقي والمذهبي في بعض الأقاليم الإيرانية الحساسة، ناهيك عن الحرب الإعلامية والنفسية المكثفة عبر منصات دولية وإقليمية، والأهم النشاط الاستخباري الخارجي الذي يستهدف البنية الأمنية والاجتماعية للدولة.
وتشير المعطيات الميدانية والتقارير الاستخبارية الإيرانية إلى أن هذه المحاولات لم تكن عفوية، بل جاءت ضمن مخطط مركّب هدفه إنهاك الداخل الإيراني تمهيدًا لإسقاط النظام الإيراني وبالتالي إضعاف دور إيران الإقليمي.
وعلى الرغم من الإمكانات الأمريكية الصهيونية (إعلامياً وسياسياً وعسكرياً) التي ضمنت نجاح هذا المخطط الخبيث إلا أن إيران نجحت وبامتياز في احتواء وإجهاض المخطط لعدة عوامل متداخلة، أبرزها:
1- تماسك مؤسسات الدولة الإيراني: حيث أظهرت الأجهزة الأمنية والعسكرية مستوى عاليًا من التنسيق، مع تفادي الانزلاق في مواجهات مفتوحة قد توسّع رقعة التوتر.
2- الوعي الشعبي المتراكم: ويعد قاعدة الأساس التي قام عليها النظام الإيراني الحالي، فرغم وجود مطالب اجتماعية واقتصادية حقيقية، إلا أن شريحة واسعة من المجتمع الإيراني فرّقت بين الاحتجاج المشروع ومحاولات التوظيف الخارجي الذي يستهدف نظامها الإسلامي الذي بذلت من أجل ترسيخه ثمنًا غاليًا.
3- حكمة القيادة الإيرانية وخبرتها المتراكمة في إدارة الأزمات الداخلية منذ أعوام خلت: حيث راكمت القيادة الثورية الإيرانية خبرة طويلة في التعامل مع مخططات التخريب التي تستهدف أمن ومنجزات الثورة، وإدارة ما تنتجه هذه المخططات والمؤامرات من ظروف صعبة بكفاءة عالية، ما مكّنها في النهاية من قراءة المشهد مبكرًا واحتوائه تدريجيًا.
كل ذلك أدى بالتأكيد إلى فشل رهان إسقاط إيران سواءً أكان بالاتكاء على الظروف الاقتصادية الصعبة التي أفرزتها سياسات أمريكا والغرب الكافر التعسفية تجاه إيران، ولم يكن للنظام الإيراني أي يد فيها، أو بالاعتماد على رهن الانقسام العرقي، حيث لم تنجح محاولات استثمار التعدد القومي والمذهبي في خلق شرخ وطني واسع، بل جاءت بنتائج عكسية في بعض المناطق.
لقد كان لهذا الفشل انعكاساته على العدو الأوحد للأمة وليس إيران فقط (أمريكا وكيان العدو الصهيوني) فبالنسبة لواشنطن، حمل فشل المخطط دلالات أعمق، منها:
1- إخفاق سياسة الاحتواء غير المباشر التي اعتمدت عليها أمريكا في إخضاع إيران وتمثلت في فرض مزيجٍ من العقوبات، والضغط الإعلامي، والدعم السياسي للمعارضة الخارجية، دون تحقيق اختراق فعلي.
2- تراجع الثقة بالحلفاء المحليين، حيث أثبتت الأحداث أن الرهان على أدوات داخلية لإحداث تغيير جذري في إيران لم يعد فعالًا لا في الماضي ولا في الحاضر والمستقبل وذلك نتيجة الوعي الشعبي المتزايد تجاه هذه الأدوات التخريبية.
3-أن استمرار إيران قوية داخليًا يحدّ من قدرة أمريكا على إعادة هندسة التوازنات في الخليج، وفرض تسويات إقليمية أحادية تخدم بالدرجة الأولى المصالح الأمريكية والصهيونية.
كما يشكل فشل الفتنة في إيران انتكاسة استراتيجية مباشرة لكيان العدو، ويمكن رصد انعكاساته في عدة مستويات هي:
1- سقوط رهان الإنهاك الداخلي، حيث راهن الصهاينة على انشغال إيران بأزماتها الداخلية لتقليص دعمها لمحور المقاومة، لكن ما حدث هو العكس؛ إذ خرجت إيران أكثر تماسكاً.
2-تعاظم القلق الأمني الصهيوني؛ لأن استمرار الاستقرار الإيراني يعني بقاء الجبهة الشمالية مشتعلة بالاحتمالات، ناهيك عن استمرار الدعم الإيراني لحلفائه دون انقطاع.
3-تضييق هامش المناورة الصهيونية بسبب التفوق الاستخباري الإيراني الذي تخطى المجال الإقليمي، وهو ما يعكس محدودية أدوات الضغط الإسرائيلية خارج الخيار العسكري، وهو خيار عالي الكلفة وغير مضمون النتائج.
وبعد النجاح الإيراني اللافت في احتواء وإفشال مخطط الفتنة الصهيوأمريكي الخبيث، لا شك أن هناك دلالات استراتيجية أوسع يمكن استنتاجها من ذلك النجاح وهذه الدلالات تتمثل فيما يلي:
1- عزز إجهاض الفتنة فرضية أن الحروب الناعمة وحدها لم تعد كافية لإسقاط الدول ذات البنى العقائدية والمؤسساتية المتماسكة.
2- كرّس النجاح الإيراني إيران كرقم صعب يجب على أعداء إيران أن يحسبوا له ألف ألف حساب في أي معادلة إقليمية قادمة.
3- فرض نجاح إيران على خصومها ضرورة العودة ملايين الخطوات الضوئية إلى الوراء ومراجعة أدواتهم التخريبية، أو الانتقال إلى خيارات أكثر خطورة وتكلفة سيجنون منها الويلات لو فكروا في استعمالها.
وأخيراً لم يكن فشل مخطط الفتنة في إيران مجرد نجاح أمني داخلي، بل مثّل خسارة استراتيجية كبيرة لخصوم وأعداء إيران، وعلى رأسهم العدو الأمريكي وكيان العدو الصهيوني، فقد أثبتت طهران مجددًا أن استهدافها من الداخل لم يعد مسارًا سهلًا أو مضمونًا، وأن أي صراع معها سيظل مفتوحًا على احتمالات إقليمية واسعة تتجاوز حدودها الجغرافية.
