إمبراطورية “الهروب إلى الأمام”: واشنطن تخفي حطامها الداخلي لإشعال حرائق العالم

1

ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
16 يناير 2026مـ – 27 رجب 1447هـ

تقرير || يحيى الشامي

تقف الولايات المتحدة اليوم أمام أخطر محطاتها التاريخية، ليس كقوة عظمى تدير العالم، بل ككيان مأزوم يحاول يائساً تصدير “انفجاره الداخلي” إلى الخارج، فخلف بريق القوة العظمى، يختبئ كيان ضعيف ويتوارى وراء جُدرٍ من الأزمات البنيوية، محاولاً تصدير فشله الداخلي إلى ساحات العالم، في عملية هروبٍ استراتيجي إلى الأمام، ومع هذه الانتكاسة الاقتصادية والدبلوماسية الكبيرة تحولت أمريكا إلى “غرفة عمليات” لصناعة الفوضى وتخليق الأعداء، في محاولة للهروب من استحقاقات انهيار بنيوي يضرب الاقتصاد، والمجتمع، والمؤسسات السياسية في مقتل.

يرصد هذا التقرير المفصل -بناءً على معطيات اقتصادية وميدانية دقيقة- كيف تحولت واشنطن من “شرطي العالم” إلى “مقامر” يحاول رهن استقرار الكوكب مقابل تأجيل لحظة الحساب الداخلي.

أولاً: “تسونامي” الديون.. الاقتصاد يبتلع نفسه
بينما تنشغل الآلة الإعلامية الأميركية بشيطنة الخصوم، تبقى الحقيقة أكبر من قدرة واشنطن على مواراة أرقام اقتصادها الآيل للكساد والمختنق تحت وطأة ديون السياسة الخارجية الأميركية، وتخفي الأرقام خلفها واقعاً مرعباً، حيث وصل إجمالي الدين الأميركي (الحكومي والشركات والأسر) إلى رقم فلكي يبلغ 98 تريليون دولار، وهو ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن نزيف الفوائد مع مطلع عام 2026 قفز بالدين الفيدرالي إلى 38.4 تريليون دولار. الصادم هنا أن كلفة خدمة هذا الدين (الفوائد فقط) تجاوزت في أول شهر من السنة المالية 170 مليار دولار، وهو ما يلتهم إيرادات الدولة قبل أن تبدأ بالإنفاق على مواطنيها.

ويتجلى إفلاس الأسر في وضع المواطن الأميركي الذي يعيش على “حافة الهاوية”، بدين استهلاكي تجاوز 5.1 تريليون دولار، وديون بطاقات ائتمان تفوق 1.2 تريليون دولار، وهو ضغط حوّل “الحلم الأميركي” إلى كابوس يومي من الغلاء، حيث ارتفعت تكاليف السكن بنسبة 35.2% عما كانت عليه قبل الجائحة.

ويعدُ هذا الوضع ذروة اختناق مالي لا تجد إدارة المجرم ترمب بدّاً من الهروب منه إلى البحث عن مخرج مفتعل من الحروب التجارية التي نفخ صوْرها ترمب مع بدء توليه الرئاسة، وهي حرب ارتدت عكسياً على الداخل، لترتفع أسعار السلع وتضرب القاعدة الإنتاجية الأمريكية، ما جعل الإدارة تبحث عن “عدو خارجي” تحمله مسؤولية هذا الفشل، وتنهب من موارده ما يسد عجزها ويوقف نزيف اقتصادها.

ثانياً: “صناعة العدو”.. عقيدة “بياركونسّا” في البيت الأبيض
تتبنى واشنطن اليوم بشكل فج آلية “صناعة العدو” التي شرحها الخبير الاستراتيجي الفرنسي بيار كونسّا، فالمطلوب ليس حل الأزمة، بقدر ماهو “تأميم الغضب الداخلي” وتوجيهه نحو خصم خارجي.

ولان أمريكا تعيش شللاً مؤسسياً غير مسبوق، وانقساماً حزبيا وصل حد التفتت، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يتحول العدو الخارجي من تهديدٍ موضوعي إلى أداة سياسية مَصنوعة ومُضخَّمة بعناية تجيد إفزاع السخط الداخلي والهاءه بما يصرف عن مراكز القرار في واشنطن تبعاته إلى أعداء الخارج المختلقين. وهذا الشلل السياسي يشتد مع تراجع شعبية الرئيس إلى 36%، وانقسام الحزب الجمهوري، وصدام البيت الأبيض مع “الدولة العميقة” (البنتاغون والمخابرات)، ولم تبقَ من خيارات أمامه للمواجهة سوى افتعال الأزمات لتوحيد الجبهة الداخلية الممزقة، وهو ما يصفه المراقبون بالهروب الجيوسياسي عن طريق إحياء موروث أمريكي قديم يعتمد تحويل العدو (روسيا، الصين، فنزويلا، إيران) إلى أداة سياسية تُضخّم عند الحاجة لتبرير الفشل الاقتصادي، وتمرير ميزانيات التسليح الضخمة على حساب الرفاه الاجتماعي.

ثالثاً: خريطة “النهب الاستراتيجي”.. لماذا هؤلاء تحديداً؟
لا يستهدف الغول الأمريكي الدول بناءً على معايير ديمقراطية وشعارات الحرية وسواها من البروباغندا التي اعتدنا الأمريكي يخبّئ مؤامراته خلفها، هذه المرة يُجاهر ويعلن بلا مواربة عزمه بناء خزائن ثرواته بعملية سطو دولي مقنّعة بالعقوبات تؤسس -وفق الهوى الأمريكي المنقاد بنهم البحث عن الموارد- لتدمير بقية النظام الدولي الحالي، وفرض نظام جديد تفرض عليه أمريكا أرادتها بالقوة الغاشمة:

فنزويلا (قرصنة الطاقة): اختطاف الرئيس مادورو والتعامل مع النفط الفنزويلي (303 مليارات برميل احتياطي)، هو نموذج صارخ لمحاولة تعويض نقص الموارد الأميركي عبر السطو على مقدرات الشعوب.

أوكرانيا (مخزن المعادن): بعيداً عن شعارات الحرية، تلهث واشنطن خلف 500 ألف طن من الليثيوم، و20% من احتياطيات التيتانيوم الأوروبي الموجودة في أوكرانيا، لاستخدامها كوقود لصناعاتها العسكرية المتداعية.

غرينلاند وبنما: محاولات “شراء” غرينلاند أو السيطرة عليها تعكس ذعراً من التفوق الروسي-الصيني في القطب الشمالي، بينما تظل قناة بنما (6% من التجارة العالمية) تحت مجهر الابتزاز الأمريكي لضمان سلاسل الإمداد.

بينما تقف إيران بأنموذجية نظامها الإسلامي وبمركزها الطاقي والجغرافي، فالاستهداف الممنهج لطهران لا يتعلق ببرنامجها النووي بقدر ما يمثل فقط اليافطة وحجر الزاوية في طريق الحرير الصيني والمتحكم بـ 30% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز.

رابعاً: “الضغط الهادئ”.. استعمار الليثيوم والكوبالت
تدرك واشنطن أن مستقبلها الصناعي مهدد بالسيطرة الصينية على 90% من المعادن النادرة، لذا، انتقلت إلى “ساحات الضغط الهادئ” في مثلث الليثيوم بوليفيا وتشيلي، حيث تشن واشنطن حرباً استخباراتية واقتصادية للسيطرة على 60% من احتياطي الليثيوم العالمي، وفي الكونغو ونيجيريا يتبلور بتصاعد صراع محموم لانتزاع الكوبالت والنفط الأفريقي من براثن الشراكات الصينية، ولو أدى ذلك إلى زعزعة استقرار القارة السمراء بالكامل، وما الضير في ذلك -وفق منطق ساسة البيت الأبيض- طالما في النهاية يفوز الأمريكي بنصيبه.

إمبراطورية الذعر وحتمية السقوط
المؤكد بجلاء أن ما تمارسه واشنطن اليوم ليس “سياسة قوة”، بل هو “سياسة ذعر استراتيجي”، فكل طائرة تقلع وصاروخ يُطلق، وكل عقوبة تُفرض، وكل انقلاب يُدبّر في الخارج هي في المحصلة -من وجهة نظر الامبريالي الأمريكي- محاولة لشراء وقت إضافي قبل أن ينفجر مرجل الديون والانقسام الاجتماعي في واشنطن.

ومع أن التجارب التاريخية تؤكد أن تصدير الأزمات لا يحلها بل يراكم كلفة الانهيار، إلا أن الولايات المتحدة تصر اليوم على خوض مقامرة أخيرة؛ فهي تكسر القوانين الدولية التي وضعتها بنفسها، وتمزق الشعارات التي رفعتها ودعت لها و قاتلت شعوباً وأنظمة “من أجل نشرها”، وتخسر حلفاءها، وتستنزف مواردها في صراعات الحفاظ على مكانها ومركزيّتها. واشنطن اليوم لا تدير العالم.. هي فقط تحاول ألا تغرق وحدها.

المصدر: “موقع أنصار الله”