ثلاث سنوات على العدوان الأمريكي-البريطاني.. فشل الأهداف وتصاعد القوة اليمنية
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
11 يناير 2026مـ – 22 رجب 1447هـ
تقريــر ||محمد ناصر حتروش
تطل الذكرى الثالثة للعدوان الأمريكي البريطاني على اليمن فيما لا تزال المنطقة تعيش تداعيات المواجهة المفتوحة مع المشروع الصهيوني، وفي قلبها معركة غزة.
العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن آنذاك أتى ردًّا مباشرًا على الموقف اليمني المساند للشعب الفلسطيني، وعلى العمليات البحرية التي أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذها في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب ضد السفن الصهيونية أو المرتبطة بالكيان الغاصب.
منذ انطلاق أولى الغارات العدوانية في يناير 2024م، دخل اليمن مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، بعد عقد من العدوان والحصار المفروض على اليمن.
ورغم مساعي الأعداء ترويج العدوان تحت عناوين “حماية الملاحة الدولية”، فإن الوقائع الميدانية، وطبيعة الأهداف، وحصيلة الضحايا، تكشف نوايا العدوان الحقيقية، والمتمثلة في ثني اليمن عن موقفه المبدئي الداعم لغزة، ومحاولة فرض معادلة ردع جديدة تحمي الكيان الصهيوني وتخفف الضغط عنه.
الموقف من غزة يشعل المواجهة مع واشنطن ولندن
استمرّ العدوان الأمريكي البريطاني على اليمن على مدى عام كامل، شنّت خلاله القوات الأمريكية والبريطانية مئات الغارات الجوية والضربات الصاروخية التي طالت عددًا من المحافظات، في مقدمتها صنعاء والحديدة وصعدة وتعز وذمار والبيضاء وحجة، ما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، غالبيتهم من المدنيين، فضلًا عن تدمير واسع للبنى التحتية والمنشآت الحيوية.
وبحسب الوقائع الميدانية، لم تتجاوز هذه الحصيلة ما يمكن وصفه بـ«إنجازات العدوان»، في وقت واصلت فيه العمليات اليمنية تصاعدها بوتيرة متنامية، متجاوزة مختلف التحالفات والتشكيلات العسكرية.
وتأتي هذه الذكرى، كما يؤكد قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، لتُظهر بوضوح أن هذا العدوان فشل في تحقيق أهدافه، وأن اليمن، بفضل الثقة بالله والتمسك بالمشروع القرآني، استطاع تحويل التحدي إلى فرصة، وبناء قدرات عسكرية نوعية قلبت موازين القوة، وفرضت معادلة ردع غير مسبوقة في وجه أعتى القوى العسكرية في العالم.
ووفقًا لمصادر رسمية، أفادت إحصاءات صادرة عن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية ووزارة الصحة بتنفيذ أكثر من ألف غارة وضربة جوية وبحرية أمريكية وبريطانية، استهدفت عشرات المواقع المدنية والعسكرية، في واحدة من أوسع الحملات العسكرية الغربية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وتؤكد منظمات حقوقية أن الغارات الأمريكية والبريطانية طالت بشكل مباشر بنى تحتية مدنية، من بينها: الموانئ اليمنية، ولا سيما ميناء الحديدة وميناء رأس عيسى النفطي، حيث أدت الغارات إلى تعطيل الإمدادات الإنسانية والوقود، والمطارات المدنية، وعلى رأسها مطار صنعاء الدولي، ما فاقم معاناة المرضى والمسافرين، إضافة إلى محطات الكهرباء والاتصالات في صنعاء وذمار وصعدة، متسببة بانقطاعات واسعة للخدمات.
ولم تكن المناطق السكنية بمنأى عن العدوان الأمريكي البريطاني، بل شكّلت هدفًا مباشرًا للغارات الجوية، حيث طالت الهجمات عددًا من الأحياء السكنية في محافظات صعدة وصنعاء والحديدة، وأسفرت عن سقوط شهداء من النساء والأطفال، إضافة إلى استهداف مراكز إيواء ومرافق مدنية، من بينها منشآت لاحتجاز المهاجرين الأفارقة، فيما عُدّ من أكثر المجازر دموية خلال سنوات العدوان.
وبحسب تقارير حقوقية يمنية، فإن طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها تعكس اعتماد سياسة العقاب الجماعي، في مسعى للضغط على الشعب اليمني ودفعه إلى ممارسة ضغوط على قيادته للتراجع عن موقفه الداعم لغزة.
إقرار غربي بفشل العدوان
رغم الحجم الكبير للقصف والتدمير، أظهرت الوقائع الميدانية، وفق ما أقرّت به وسائل إعلام أمريكية وغربية ناقدة للسياسة الأمريكية، فشل العدوان الأمريكي-البريطاني في تحقيق أهدافه المعلنة، وفي مقدمتها وقف العمليات اليمنية المساندة لغزة. بل على العكس، شهدت تلك العمليات تصاعدًا لافتًا من حيث النوع والكم، مع استمرار القوات المسلحة اليمنية في استهداف السفن الصهيونية أو المرتبطة بها في البحر الأحمر وخليج عدن.
ونقلت صحف ومواقع غربية عن سياسيين وخبراء عسكريين أن الضربات الأمريكية والبريطانية لم تُحدث الأثر المطلوب على القدرات اليمنية، مشيرة إلى أن هذه الهجمات لم تنجح في تقويض البنية العسكرية أو ردع العمليات البحرية.
وأقرت تقارير وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية، تداولتها وسائل إعلام مناهضة للحرب، بأن الحملة العسكرية كشفت عن تطور ملحوظ في منظومات الدفاع الجوي اليمنية، إضافة إلى القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، التي باتت تشكل تحديًا حقيقيًا للقوات البحرية الغربية المنتشرة في المنطقة.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، يؤكد خبراء عسكريون أن اليمن نجح، رغم الحصار والضغوط العسكرية، في بناء قدرات محلية متقدمة تعتمد على التصنيع الذاتي والتكتيكات غير التقليدية، ما جعل من الصعب تحييد هذه القدرات عبر القصف الجوي المكثف.
وخلصت تلك التحليلات إلى أن استمرار العمليات اليمنية يعكس محدودية الخيار العسكري، ويطرح تساؤلات متزايدة داخل الأوساط السياسية والعسكرية الغربية حول جدوى هذا العدوان وكلفته الاستراتيجية.
اليمن يفرض معادلات جديدة ويكرّس حضوره كقوة إقليمية
يمكن القول إن هذه الذكرى تمثل محطة لاستحضار حجم الجرائم والخسائر التي خلفها العدوان الأمريكي والبريطاني، كما تعيد إلى الأذهان تراجع منطق الهيمنة المطلقة، وصعود إرادة الشعوب الحرة القادرة على كسر أعتى مشاريع العدوان.
فقد أظهرت التطورات الميدانية أن اليمن، رغم الحصار والعدوان متعدد الأطراف، نجح في فرض معادلات جديدة تجاوزت حدود الجغرافيا، ورسّخت حضوره كقوة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوزها في معادلات الأمن والصراع في المنطقة.
ومع استمرار الموقف اليمني الثابت إلى جانب فلسطين، برزت معركة البحر الأحمر كتحول استراتيجي مفصلي، أعاد رسم موازين القوة، وفرض على الولايات المتحدة وبريطانيا والتحالفات الأوروبية، وصولًا إلى الكيان الصهيوني، الاعتراف بحدود القوة العسكرية التقليدية أمام إرادة سياسية وعسكرية تمتلك قرارها السيادي.
وفي المحصلة، أثبت اليمن، بقدراته المحلية وخياراته المستقلة، أنه قادر على مواجهة تحالفات دولية كبرى باقتدار، وأنه بات لاعبًا إقليميًا مؤثرًا في معادلات الردع البحرية والأمن الإقليمي، فيما تحولت رسالته إلى عنوان واضح لا لبس فيه: نصرة غزة خيار استراتيجي لا رجعة عنه، مهما بلغت التضحيات، وأن زمن فرض الإرادات بالقوة قد ولّى أمام صمود الشعوب وحقها المشروع في الدفاع عن قضاياها العادلة.
