من الاصطفاء المزعوم إلى الانقسام الداخلي: قراءة قرآنية في أزمة الكيان الصهيوني

7

ذمــار نـيـوز || أخبــار محلية ||
8 يناير 2026مـ – 19 رجب 1447هـ

يؤكد القرآن الكريم، في أكثر من موضع، أن الانحراف عن منهج الله لا يمرّ دون نتائج، وأن العقوبات الإلهية لا تكون دائمًا على هيئة هلاك مباشر، بل قد تأتي في صورة تفكك داخلي وصراع دائم ينخر بنية المجتمعات من الداخل. ومن أبرز هذه العقوبات ما عبّر عنه القرآن بإلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الكتاب، بوصفها حالة مستمرة إلى يوم القيامة.

وتفرض الحقيقة القرآنية نفسها اليوم بقوة على واقع الأحداث، لا سيما في ظل ما يشهده العالم من تصاعد غير مسبوق في جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، وما يقابله من انكشاف داخلي متزايد في بنية هذا الكيان سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا.

وفي هذا السياق، تأتي قراءة الباحث والمفكر، عضو المكتب السياسي لأنصار الله، محمد الفرح، التي طرحها ضمن حلقة برنامج «إنّ الدين عند الله الإسلام» على شاشة المسيرة، لتقدّم مقاربة تحليلية تربط بين النص القرآني والواقع المعاصر، وتكشف أن ما يُروَّج له كقوة صلبة ومتماسكة ليس في حقيقته سوى كيان مأزوم تحكمه التناقضات.

وتنبع أهمية هذه القراءة في كونها تعود إلى الجذور العقدية والفكرية التي أسست لهذا السلوك، وتُظهر كيف أن النظرة المتعالية إلى الذات، وادعاء الاصطفاء الإلهي، شكّلا أرضية خصبة للعدوان والاستباحة، وفي الوقت نفسه زرعا بذور الصراع الداخلي الذي لا يمكن تجاوزه.

العداوة والبغضاء: عقوبة قرآنية تتجلى في الواقع

ويوضح محمد الفرح أن من أبرز العقوبات التي تحدث عنها القرآن تجاه أهل الكتاب هي إلقاء العداوة والبغضاء بينهم، مؤكدًا أن هذه الحالة لم تكن ظرفية أو مرحلية، بل نصّ القرآن صراحة على استمرارها إلى يوم القيامة.

ويشير الفرح إلى أن القرآن تحدث عن هذه العداوة في أكثر من سياق: داخل اليهود أنفسهم، وداخل النصارى أنفسهم، وكذلك بين اليهود والنصارى، معتبرًا أن هذه الحالة تمثل نقطة ضعف جوهرية لأي مجتمع؛ لأنها تخلق بيئة مشحونة بالتنافر وعدم الانسجام، وتجعل الصراع الداخلي سمة دائمة.

ويستشهد الفرح بقوله تعالى في سورة المائدة: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)، موضحًا أن الآية تتحدث عن اليهود في سياق انحرافهم العقدي، كما يستشهد بالآية الأخرى المتعلقة بالنصارى: (فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)، ليؤكد أن العقوبة واحدة والنتيجة واحدة، رغم اختلاف السياق.

ويبيّن الفرح أن الجذر الأساسي لهذه العقوبة يعود إلى نظرة أهل الكتاب لأنفسهم، حيث تبنّوا مفهوم تزكية الذات والاصطفاء الإلهي، واعتبروا أنفسهم «أبناء الله وأحباءه»، وهو ما انعكس في نصوص التوراة المحرفة والتلمود.

ويلفت إلى أن القرآن واجه هذه الادعاءات بشكل مباشر بقوله تعالى: (ألم ترَ إلى الذين يزكون أنفسهم)، وقوله: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى)،

موضحًا أن هذه النظرة المتعالية أنتجت الكبر والغرور، ثم تحولت لاحقًا إلى سلوك عملي قائم على الاستباحة والقتل والتكذيب بالأنبياء.

وفي ربطه بالواقع المعاصر، يؤكد الفرح أن ما نشهده اليوم من خطاب صهيوني يصف الفلسطينيين بعبارات نازية، كما ظهر في تصريحات قادة الاحتلال خلال العدوان على غزة، يمثل امتدادًا طبيعيًا لهذه الخلفية العقدية، حتى وإن حاول بعضهم التستر خلف شعارات العلمانية.

الكيان الصهيوني وانفجار التناقضات الداخلية

ويتوقف الفرح عند الواقع الداخلي للكيان الصهيوني، معتبرًا أنه المثال الأوضح على تحقق الوعد القرآني بإلقاء العداوة والبغضاء، موضحًا أن المجتمع الصهيوني منقسم على كل المستويات: العرقية، والدينية، والسياسية، والاجتماعية.

ويعدد الفئات المختلفة داخل الكيان، من الأشكناز المتحكمين بالسلطة، إلى السفارديم والمزراحيم ويهود الفلاشا الذين يعانون من تمييز وعنصرية ممنهجة، وصولًا إلى الخلافات الحادة بين التيارات الدينية المتشددة والعلمانيين، وبين اليمين المتطرف وبقية الطيف السياسي.

ويشير إلى أن هذه الانقسامات ظهرت بوضوح خلال العدوان على غزة، خاصة في مسألة رفض التجنيد، وتعثر تشكيل الحكومات، والصراع المفتوح داخل المؤسسة السياسية، مؤكدًا أن هذا التفكك البنيوي يعكس حالة العداوة التي تحدث عنها القرآن بدقة لافتة.

ويمكننا القول إن القرآن الكريم معجزة الله الخالدة إلى يوم القيامة، يضع قوانين تاريخية واجتماعية تتجسد آثارها بوضوح في واقع الأمم؛ فالعداوة والبغضاء التي تصيب المجتمعات المنحرفة تُعد نتيجة حتمية لمسار يقوم على تزكية الذات واحتقار الآخر.

وفي الحالة الصهيونية، تتجلى هذه القاعدة القرآنية بصورة صارخة، حيث تتزامن الجرائم الخارجية مع التفكك الداخلي، ويتحول العنف إلى أداة لتعويض الفشل البنيوي لا لإخفائه، ورغم محاولات الكيان تصدير صورة القوة والتماسك، إلا أن واقع الانقسام يكشف هشاشته العميقة.

ويخلص التقرير إلى أن ما يجري اليوم في فلسطين، وما يشهده الكيان الصهيوني من أزمات داخلية، ليس منفصلًا عن الرؤية القرآنية، بل يؤكد صدقها، ويثبت أن الظلم مهما طال أمده، لا يمكن أن يؤسس بقاءً مستقرًا، وأن سنن الله في التاريخ لا تحابي أحدًا، بل تنتصر للحق والعدل في نهاية المطاف.