فنزويلا بين ذريعة المخدرات وأطماع النفط.. قراءة في خلفيات العدوان الأمريكي
ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
6 يناير 2026مـ – 17 رجب 1447هـ
تظهر التطورات الأخيرة المرتبطة بالهجوم الأمريكي على فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته، فجوة واسعة بين الذرائع المعلنة والوقائع السياسية والاقتصادية الكامنة خلف هذا التصعيد غير المسبوق؛ فبينما ترفع واشنطن شعار “مكافحة تهريب المخدرات” وتدّعي حماية أمنها القومي، تشير المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية إلى أن النفط الفنزويلي يشكّل جوهر الاستهداف الحقيقي.
الإدارة الأمريكية برّرت تدخلها العسكري داخل الأراضي الفنزويلية؛ باعتباره رداً على “تهديدات أمنية” مرتبطة بالكوكايين وشبكات التهريب، إلا أن هذه الرواية قوبلت بتشكيك دولي واسع، خصوصاً في ظل غياب أي إجماع دولي أو دعم سياسي وازن، باستثناء تأييد صهيوني معلن، ما عزز الشكوك حول الأهداف الفعلية للعملية.
وتبين الأرقام الرسمية أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يقدّر بنحو 303 مليارات برميل، متقدمة على السعودية والولايات المتحدة، وهو ما يمنحها وزناً استراتيجياً استثنائياً في سوق الطاقة العالمي، ورغم ذلك، يعاني قطاعها النفطي من تراجع الإنتاج نتيجة العقوبات الأمريكية، وشح الاستثمارات، وتآكل البنية التحتية، ما حوّل هذه الثروة الضخمة إلى مورد معطّل لكنه شديد الإغراء للقوى الكبرى.
في المقابل، تفنّد التقارير الأمريكية والدولية نفسها الادعاءات المتعلقة بكون فنزويلا مركزاً رئيسياً لتهريب المخدرات؛ إذ تشير بيانات إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية وتقارير الأمم المتحدة إلى أن النسبة الأكبر من الكوكايين المضبوط في الولايات المتحدة مصدره كولومبيا، فيما تمر طرق التهريب الأساسية عبر المكسيك، مع تصنيف فنزويلا كممر ثانوي في بعض الحالات، وليس مركزاً محورياً في هذه التجارة.
ويرى مراقبون أن إعادة إحياء خطاب “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” بحق القيادة الفنزويلية يندرج في إطار توظيف سياسي للأمن، يهدف إلى تبرير تدخل عسكري وإعادة رسم المشهد السياسي في البلاد بما يخدم مصالح واشنطن النفطية؛ فحوض أورينوكو النفطي، بما يحتويه من نفط ثقيل، يمثل مخزوناً استراتيجياً طويل الأمد، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على مصادر الطاقة، خصوصاً مع الصين وروسيا.
وتعزز هذه القراءة تصريحات ومواقف دول كبرى، مثل روسيا والصين، اللتين وصفتا العملية بأنها عدوان إمبريالي وانتهاك صارخ للسيادة، في حين عبّرت دول أخرى عن قلقها من خطورة سابقة كهذه على النظام الدولي.
في السياق ذاته، أعلنت الحكومة الفنزويلية المؤقتة استعدادها للتفاوض مع “شركاء دوليين” بشأن قطاع النفط، في إشارة فُهمت على أنها محاولة لفتح الباب أمام النفوذ الأمريكي.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يبدو أن ما جرى في فنزويلا يتجاوز بكثير ملف المخدرات، ليصل إلى صميم الصراع على الموارد والسيطرة الاقتصادية؛ فالهجوم على مادورو لا يعكس فقط انتهاكاً للقانون الدولي، إنما يؤسس لمرحلة تُستباح فيها سيادة الدول الغنية بالثروات تحت عناوين أمنية فضفاضة، فيما يبقى “الذهب الأسود” هو الهدف غير المعلن، والحافز الحقيقي وراء هذا التصعيد.
