فجيعة الحداد المعلّق في غزة: آلاف تحت الركام والخط الأصفر يلتهم 60% من القطاع

3

ذمــار نـيـوز || مـتـابعات ||
5 يناير 2026مـ – 16 رجب 1447هـ

بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية، لا يزال ألم الفقد وضجيجه يتردّد في أزقة قطاع غزة المكلوم؛ حيث يواجه آلاف الفلسطينيين مصير “الحداد المعلّق” تحت ركام المنازل، وفي غياهب الإخفاء القسري، وفي وقتٍ يلتهم فيه “الخط الأصفر” الصهيوني ما تبقى من جغرافيا القطاع، تبرز كارثة إنسانية وقانونية تتجاوز حدود العجز التقني لتكشف عن غياب الإرادة الدولية، وتضع مصير آلاف الأرواح المعلّقة بين الموت والانتظار على المحك.

في التفاصيل، أكّد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، أنّ مأساة المفقودين في قطاع غزة لا تزال مستمرة، رغم مرور نحو ثلاثة أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أن آلاف العائلات لا تزال تعيش بين الانتظار والشك، بلا إجابات وبلا يقين، وسط تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته لإنهاء هذه المأساة.

وأوضح المركز في بيانٍ اليوم الاثنين، أنّ المعطيات المتوفرة تُشير إلى وجود ما لا يقل عن تسعة آلاف مفقود حتى اليوم، مشدّدًا على أنّ هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الكارثة؛ بل يكشف عمقها الإنساني والقانوني، حيث لا تزال طواقم المركز تتلقى بلاغات شبه يومية من عائلات تبحث عن أبنائها، بعضهم معروف أنهم تحت ركام منازلهم المدمرة، وآخرون انقطعت أخبارهم بالكامل، ولا يعرف إن كانوا أحياءً أم قتلى أم رهن الاحتجاز أو الإخفاء القسري.

وأضاف المركز أنّ هذه المأساة تفاقم معاناة العائلات التي تعيش في ظل أوضاع إنسانية كارثية بعد عامين من العدوان والحصار، معتبرًا استمرار هذا الوضع “تعذيبًا نفسيًا جماعيًا” للأسر، وانتهاكًا صارخًا لحقها في المعرفة والكرامة والعدالة، إذ يعيش الأهالي حالة “الحداد المعلّق”؛ فلا عزاء بلا جثمان، ولا حياة طبيعية بلا معرفة المصير.

ووجّه المركز انتقادًا حادًّا للمجتمع الدولي والمنظمات الدولية لتقاعسها عن التحرك بمسؤولية، منبهًا إلى عدم إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام، أو إرسال فرق متخصصة لانتشال الرفات والتحقق من الهوية عبر الفحوصات العلمية وأجهزة الفحص الجيني، رغم تحلل غالبية الجثامين بفعل الزمن، مشدّدًا على أنّ هذا التقاعس يعكس غياب الإرادة السياسية والرضوخ لإرادة كيان العدوّ الصهيوني الذي يتحدى قواعد القانون الدولي الإنساني.

وطالب بوضع ملف المفقودين على الطاولة الدولية كواجب قانوني وأخلاقي، داعيًا كيان الاحتلال بصفته قوة احتلال للإفصاح الفوري عن مصير جميع المخفيين قسرًا في سجونها، ونشر قوائم بأسماء ومكان احتجاز المعتقلين منذ 7 أكتوبر 2023م، والكشف عن هوية الشهداء منهم وتسليم جثامينهم دون قيدٍ أو شرط، مع فتح تحقيقات مستقلة في شبهات الإعدام تحت التعذيب، لا سيما مع وجود معلومات عن قتلى لم يُكشف عنهم إلى جانب 84 معتقلًا أعلن عن مقتلهم رسميًا.

وشدّد المركز على ضرورة إلزام الاحتلال بالكشف عن جميع المقابر المؤقتة داخل القطاع وخارجه، مناشدًا الأمم المتحدة بتفعيل الفريق المعني بحالات الاختفاء القسري، واللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة أماكن الاحتجاز؛ فيما دعا المحكمة الجنائية الدولية لإدراج الإخفاء القسري كجريمة مستقلة ومستمرة لا تسقط بالتقادم، مطالبًا الدول الأطراف في اتفاقيات “جنيف” باتخاذ تدابير عملية لوقف الانتهاكات.

وفي سياق متصل، أكّد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، أنّ أزمة انتشال جثامين الشهداء تعد من الملفات الأكثر تعقيدًا، حيث لا يزال هناك نحو تسعة آلاف جثمان تحت الأنقاض بسبب نقص المعدات.

وأوضح بصل أنّ الصليب الأحمر زودهم فقط بحفارين صغيرين لا يوفران القدرة الكافية، محذّرًا من أنّ استمرار هذا النقص يعني الحاجة لسنوات طويلة لانتشال الشهداء؛ بينما يمكن إتمام الملف في ثلاثة أشهر فقط في حال توفرت 20 جرافة و20 حفارًا و20 شاحنة.

وأشار إلى مخاطر انهيار المباني المتصدعة بسبب المنخفضات الجوية، حيث سُجلت أكثر من عشرين حالة وفاة نتيجة ذلك، مؤكّدًا انهيار 50 بناية بشكّلٍ كامل بعد وقف إطلاق النار، وسط رفض الاحتلال إدخال الوقود والمعدات.

من جانبها، أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني صباح اليوم الاثنين، تعليق نداءات الاستجابة لإزالة الأخطار من المباني المتضررة بسبب نفاد “البنزين” وشح المعدات، موضحةً أنها استجابت لنحو 3445 نداءً منذ أكتوبر الماضي؛ بينما لا يزال هناك 1560 نداءً معلقًا لا يمكن تلبيتها، حيث أنّ الإمكانيات المتوفرة لم تكن تغطي سوى 30% من إجمالي الاحتياجات.

وعلى صعيد الانتهاكات الميدانية، أكّد مركز غزة لحقوق الإنسان أنّ “الخط الأصفر” الذي فرضه الاحتلال يمثل أداة مميتة للتدمير والتهجير القسري، حيث يتم إطلاق النار مباشرة على كل من يقترب منه، كاشفًا عن استشهاد أكثر من 420 مواطنًا فلسطينيًا، بينهم 151 طفلاً و60 امرأة، وإصابة 1184 آخرين منذ 10 أكتوبر الماضي؛ نتيجة الاستهداف المباشر في نطاق هذا الخط.

ورصد المركز توسع سيطرة الاحتلال ضمن “الخط الأصفر” لتصل إلى أكثر من 60% من مساحة القطاع خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مع استمرار تجريف المنازل لمنع عودة السكان، وهو ما يتماشى مع تصريحات وزير الحرب الصهيوني، المجرم “يسرائيل كاتس” ورئيس الأركان المجرم “إيال زامير” التي اعتبرت الخط الأصفر “الواقع الأمني الجديد” داخل قطاع غزة.

بالنتيجة؛ فإنّ ما يحدث اليوم في القطاع؛ جرائم حرب موصوفة بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا في ظل استهداف مناطق مأهولة ومنع السكان من الوصول إلى منازلهم ومصادر رزقهم، وسط إمعانٍ للعدوّ على مواصلة سياساته القائمة على القوة الغاشمة وفرض الواقع، في خرقٍ صريح لاتفاق وقف إطلاق النار والقانون الدولي الإنساني.