حصاد 2025م: غزة بين سندان الإبادة ومطرقة الوعود الدولية المجمّدة
ذمــار نـيـوز || تقاريــر ||
1 يناير 2026مـ – 12 رجب 1447هـ
تقريــر ||عبدالقوي السباعي
أُسدّل الستار على العام 2025م، وقطاع غزة لا يزال يرزح تحت وطأة أكبر كارثةٍ إنسانيةٍ شهدها القرن الـ 21؛ فعلى مدار 12 شهرًا، جاءت الحرب العدوانية الصهيونية، استكمالاً لمخطط الإبادة الجماعية، التي طالت البشر والحجر والشجر، وسط تقاعس دولي واختبارات عسيرة للضمير العالمي.
وأنهى عام 2025م، أيامه بحصيلةٍ دموية مرعبة، وفقًا لبيانات وزارة الصحة وجهاز الإحصاء الفلسطيني، ارتفع عدد الشهداء منذ بداية العدوان أكتوبر 2023م، ليتجاوز حاجز الـ 72 ألف شهيد، مع تسجيل استشهاد أكثر من 23 ألف فلسطيني خلال عام 2025م وحده.
الأطفال والنساء، شكلوا ما نسبته 70% من ضحايا هذا العام، كما لا يزال نحو 11 ألف شخص تحت الأنقاض، وهو ما يجعل الأرقام الفعلية مرشحة للزيادة بشكّلٍ كبير؛ فيما شهد العام 2025م، استمرار تهجير نحو 2 مليون فلسطيني داخل القطاع، يفتقر 95% منهم للوصول إلى مياه الشرب الآمنة.
ميدانيًّا؛ اتسم عام 2025م، بالتذبذب العسكري الحاد، ويمكن تلخيص أبرز محطاته في: الهدنة الأولى (يناير – مارس)، حيث شهد مطلع العام بصيص أمل مع اتفاق وقف إطلاق نار من ثلاث مراحل، عاد بموجبه آلاف النازحين إلى شمال القطاع، وجرت عمليات تبادل محدودة للأسرى.
ومع انهيار التهدئة في 18 مارس، شن الاحتلال هجومًا جويًّا وبريًّا واسعًا أنهى الهدنة، واستهدف مراكز الإيواء في خان يونس ورفح؛ مما أدى لمجازر مروعة سقط فيها المئات في أيام قليلة، وجاءت خطة “الجنرالات”، التي حاول الاحتلال من خلالها منتصف العام، تطبيق سياسة فصل شمال القطاع عن جنوبه بشكّلٍ دائم، عبر تكثيف الحصار على “جباليا وبيت لاهيا”.
وشهد الربع الأخير من العام، عودة للمفاوضات برعاية دولية بما في ذلك ضغوط من الإدارة الأمريكية، أدت لاتفاق هش لوقف إطلاق النار في أكتوبر، لا يزال يواجه خروقات مستمرة حتى اللحظة.
إنسانيًّا؛ لم تكن الصواريخ الأداة الوحيدة للإبادة في 2025م؛ فقد استُخدم “الجوع” كسلاح استراتيجي، ففي مارس – يوليو، شهدت هذه الفترة ذروة المجاعة في شمال القطاع بعد إغلاق المعابر بشكّلٍ كامل، وسُجلت مئات الوفيات بسبب الجوع، كان النصيب الأكبر منها للأطفال وكبار السن.
وفيما يخص تدمير البنية التحتية، فقد وصلت نسبة الدمار في المباني والمنشآت إلى أكثر من 90% في بعض المناطق، مع تراكم حوالي 70 مليون طن من النفايات والركام؛ مما تسبب في انتشار أوبئة وأمراض جلدية وتنفسية.
الحصاد الصحي والمناورات السياسية لعام 2025م:
ظل القطاع الصحي تحت مقصلة الانهيار الممنهج؛ فكان عام 2025م، العام الذي حاول فيه الاحتلال إنهاء مفهوم “الرعاية الصحية” في غزة بشكّل كامل، حيث رصدت التقارير الطبية ما يلي:
خروج المنظومة عن الخدمة، وحتى نهاية ديسمبر الفائت، خرج 32 مستشفى من أصل 36 عن الخدمة بشكّل كامل أو جزئي، وتحولت المستشفيات المتبقية إلى نقاط طبية بدائية تفتقر لأدنى المقومات الإسعافية، واستشهد خلال العام المنصرم أكثر من 1200 كادر طبي “أطباء، ممرضون، مسعفون”؛ مما خلق فجوة تخصصية لا يمكن تعويضها لسنوات قادمة.
وفيما يتعلق بملف الجرحى والأطراف الصناعية، فقد خلّفت الحرب في 2025م، أكثر من 15 ألف حالة بتر أطراف، أغلبهم من الأطفال، في ظل عجز كامل عن توفير الأطراف الصناعية أو مراكز التأهيل بسبب الحصار المشدّد.
وحول الأوبئة الصامتة؛ فقد سُجلت أولى حالات “شلل الأطفال والكوليرا” في مخيمات النزوح بوسط القطاع نتيجة تدمير 95% من شبكات الصرف الصحي واختلاطها بمياه الأمطار، ووفقًا لإحصائية رقمية، استقبلت المستشفيات الميدانية في العام 2025م، ما معدله 400 إصابة حرجة يوميًا؛ بينما لم يُسمح إلا لـ 2% فقط من الحالات بالسفر للعلاج عبر المعابر التي فُتحت بشكّلٍ متقطع جدًا.
الاتفاقات الدولية ومستقبل ما يسمى “اليوم التالي”:
على الصعيد الدولي، كان عام 2025م، عام “المواجهة القانونية”، حيث واصلت محكمة العدل الدولية النظر في دعوى الإبادة الجماعية، مع صدور آراء استشارية وقرارات تطالب العدو الإسرائيلي بوقف العمليات العسكرية فورًا وفتح الممرات الإنسانية.
ولأول مرة في تاريخ الصراع، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في منتصف 2025م، “مذكرات توقيف” بحق مسؤولين صهاينة كبار بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية؛ مما وضع حلفاء الكيان في مأزق دبلوماسي غير مسبوق أدى لتقليص جزئي في إمدادات الأسلحة من بعض الدول الأوروبية.
كما شهد عام 2025م، صراعًا دبلوماسيًّا محمومًا حول هوية من يحكم غزة بعد حرب الإبادة، وتلخصت التحركات في المسارات التالية:
مبادرة “مجلس السلام المؤقت”: طرح ترامب وقوى دولية بقيادة أمريكية والاتحاد الأوروبي، مقترحًا في يونيو 2025م، لإنشاء إدارة تكنوقراطية مدعومة بقوات دولية/عربية، وهو ما واجه “فيتو” شعبيًا فلسطينيًا واسعًا، كونه التفافًا على التطلعات الوطنية في السيادة والحرية والاستقلال.
اتفاق “أكتوبر الإطاري”: وقعت المقاومة وكيان الاحتلال في أكتوبر 2025م، على مسودة اتفاق برعاية “قطرية-مصرية-تركية”، تضمنت بنودًا لفتح الممرات لإدخال المساعدات ومنها معبر رفح، لكن الواقع الميداني أثبت أن الاحتلال استخدم هذا الممر للتحكم في نوعية وكمية الغذاء الداخل، لا لإنهاء الحصار.
وشهد العام الفائت، داخل مجلس الأمن، تجاذبات كبرى حول مشاريع قرارات أمريكية ودولية تهدف لتشكيل “إدارة انتقالية” في غزة “مجلس سلام”، وسط رفض فلسطيني لأيّ وصاية تنتقص من الحقوق السياسية.
التحركات الدبلوماسية: اعترافات متتالية وعزلة دولية
شهد عام 2025م، اتساع رقعة الاعتراف وقفزة دبلوماسية بوصول عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 160 دولة “بزيادة 10 دول عن العام السابق”؛ مما جعل كيان الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا في عزلةٍ شبه كاملة داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي يونيو 2025م، عُقد مؤتمر دولي رفيع المستوى في نيويورك “برئاسة سعودية فرنسية” لوضع خارطة طريق لإنهاء الاحتلال، وهو المؤتمر الذي استند لأول مرة وبشكّلٍ صريح إلى “فتوى محكمة العدل الدولية” كأساس لأيّ حل سياسي.
وفي سياق الحراك الأكاديمي والمدني العالمي، أعلنت الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية في سبتمبر 2025م، أن ما يحدث في غزة يتطابق كليًّا مع تعريف الأمم المتحدة للإبادة؛ مما عزز الموقف القانوني للدول الداعمة للقضية مثل “جنوب أفريقيا وناميبيا وأيرلندا”.
وحيال ذلك، وفي تصعيدٍ صهيوني خطير نهاية ديسمبر 2025م، أعلن الاحتلال عدم تجديد تراخيص عمل 37 منظمة إغاثية دولية لعام 2026م، في محاولة لقطع الشريان الإنساني الأخير عن غزة وتغييب الشهود الدوليين عن ساحة الجريمة.
عامٌ من الحقيقة العارية:
لقد كان 2025م، عامًا سقطت فيه كل الأقنعة؛ حيث واجهت المنظومة الدولية اختبارها الأخير، ورغم أن المجازر لم تتوقف تمامًا، إلا أن الاحتلال فقد الغطاء الأخلاقي للأبد، وبات قادته مطاردين قانونيًا في معظم دول العالم.
ورحل عام 2025م مخلفًا وراءه نزيفًا ديموغرافيًّا حادًّا في غزة، حيث فقد القطاع أكثر من ربع مليون نسمة بين شهيد وجريح ومهجر قسريًّا للخارج، وبالرغم من هدنة ديسمبر التي لازالت حاليًا، إلا أن غزة استقبلت عام 2026م، وهي منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بانتظار إعمار قد يستغرق عقودًا وتكلفة تتجاوز الـ 100 مليار دولار، بحسب تقارير أممية.
كما دخل العام 2026م، وغزة تقف أمام معادلة صفرية، صهيونيًّا؛ فشل الاحتلال في تحقيق هدف الحرب “النصر المطلق” أو استعادة كافة الأسرى بالقوة؛ فاستعاض عن ذلك بتوسيع “المنطقة العازلة” وتدمير كل مقومات الحياة لجعل غزة مكانًا غير قابل للعيش.
فلسطينيًّا؛ أظهر المجتمع الفلسطيني في القطاع المنكوب صمودًا أسطوريًا رغم المجاعة، رغم أنّ الكلفة البشرية والاجتماعية أحدثت ندوبًا غائرة في النسيج المجتمعي ستحتاج لأجيال لكي تندمل.
