الخبر وما وراء الخبر

دماء أيقظت أمة

#اتحاد_كاتبات_اليمن

5

بقلم// د. فاطمة بخيت

كانت مرحلة مظلمة من مراحل التاريخ البشري، بل أشدها ظلاماً وضلالاً وانحرافاً عن المنهج الإلهي وطريقه المستقيم، مرحلة تعاني فيها الأمة معاناة شديدة من جور الحكام وفسادهم وسعيهم لإضلال الناس، لكنّ سنة الله في أرضه اقتضت أن يكون هناك من أعلام الدين ممن اصطفاهم الله واختارهم لحمله، واستنهاض المسلمين لمواجهة الخطر المتربص بهم، لنشر الخير والصلاح بين الناس، في تلك الفترة المظلمة التي كانت فيها الأمة ما زالت حديثة عهد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والآيات والمعجزات العظيمة التي حدثت على يديه، ما كان ينبغي لتلك الأحداث أن تحدث إلا في العصور المظلمة البعيدة عن رُسُل الله ورسالاته.

في تلك الأجواء التي سيطر فيها الباطل على القلوب والعقول، صدح ذلك الصوت عالياً من بين الجبال والسهول والوديان، رافضاً للظلم والضلال، رافضاً البيعة للظلمة والطغاة، طالباً الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي تلك الفترة التي يعلم فيها الجميع الحق الذي تمتلكه شخصية كشخصية الإمام الحسين عليه السلام والخير الذي يريده لهم؛ إلا أنّه كان قد نالهم من الذل والهوان والانحراف ما نالهم، فلم يدركوا الخطر المحدق بهم على يد الحكام الجائرين، رغم الخطب الجزلة والكلمات البليغة التي سمعوها منه والحق الواضح وضوح الشمس.

أدرك الطغيان الأموي خطورة ذلك الصوت على مشروعه الظلامي، فشرع الطغاة يحيكون الحيل والمكائد، ويعدّون العدة للتخلص من ذلك الصوت وإخماده إذا لم يقبل ببيعتهم، ويرضخ لباطلهم وضلالهم. وأنّى لهم أن ينالوا ذلك ممن يقع على عاتقه هداية الأمة والسير بها إلى بر الأمان، من سلالة بيت النبوة ومعدن الرسالة، فجاء الرفض القاطع من سيد شباب أهل الجنة، بأنّ مثله لا يبايع يزيد الفاسق الفاجر القاتل للنفس المحرمة المعلن للفسق والفجور. بدأت بعد ذلك الضغوط تمارس ضد الناس للتخلي عن الحسين عليه السلام، بالترهيب تارة، والترغيب وشراء الذمم والولاءات بملايين الدنانير والدراهم تارة أخرى، لتتغيّر المعادلة من مبايعين للإمام الحسين إلى مشهري سيوفهم في وجهه، فارتكبوا تلك المجزرة الوحشية التي لم يشهد التاريخ مثل وحشيتها وإجرامها بحق من خرج ينادي للإصلاح في تلك الأمة.

سفكت الدماء الطاهرة للإمام الحسين وأهل بيته الأطهار وصحابته الأبرار على أرض كربلاء، أدركت الأمة بعد تلك الواقعة الأليمة حجم الجرم الذي ارتكبته عندما لم تناصر سبط رسول الله وريحانته، وانحرفت عن طريقه ومنهجه، فحاولت أن تثأر له وتأخذ القصاص ممن قتلوه، فقامت الحروب وأُخذ الثأر والقصاص من الكثير من القتلة، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن فقدت الأمة شخصية عظيمة بحجم الإمام الحسين.

وما كانت تلك الواقعة لتحدث إلا عندما حل الانحراف بالأمة، عندما تولت من لم يأمر المولى عز وجل بتوليهم، ذلك الانحراف الذي وقع منذ أن فارقها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله، انحراف يؤكده تتابع الأحداث وارتكاب المجازر والجرائم بحق أعلام الهدى بدءً بالإمام علي فالإمام الحسن ثم الإمام الحسين يليه حفيده الإمام زيد سلام الله عليهم أجمعين، تلك السلسلة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إنّ اللطيف الخبير نبأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). لتمتد تلك السلسلة المباركة إلى عصرنا الحاضر وصولاً بالشهيد القائد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه، الذي أحيا فينا هذا المشروع المبارك من جديد، وضحى بروحه وكل ما يملك في سبيل استنهاض أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عندما انحرفت عن ذلك المشروع، الذي يضيق به أعداؤه ذرعاً في كل زمان ومكان، ليصبح كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.

هكذا هي السلسلة المباركة من أعلام الهدى، فعند كل واقع مظلم ومنحرف تقتضي العدالة الإلهية اختيار علم من أعلام هذا الدين لهداية الأمة وانتشالها من مستنقع الذل والهوان والزيغ والضلال، حتى وإن أدى الأمر لأن تُسفك دماء طاهرة، وترتكب مجازر مروّعة كالتي ارتكبت في عاشوراء؛ لأنّ خسارة الأمة ستكون أكبر إن استسلمت لقوى الطاغوت والظلام. فلا يمكن للصفوة المختارة التراجع أو التقهقر أو الاستسلام أو التنصل عن مسؤوليتهم تجاه الأمة مهما بلغ حجم التضحيات ومستوى المعاناة مع حكام الجور والضلال؛ لأنّهم يرون مرضاة الحق جل وعلا أكبر من كل ألم، وفوق كل معاناة، وأسمى من أي تضحية يضحون بها في سبيله.